بغداد 4°C
دمشق -1°C
الخميس 21 يناير 2021
عدالة القصاص وهمجية الإعدام - الحل نت

عدالة القصاص وهمجية الإعدام


image_9639_ar11

د.محمد حبش

بمناسبة انعقاد الندوة الدولية لإلغاء عقوبة الإعدام

 

تشتد الحملات الدولية المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام، وتقوم الأمم المتحدة بجهود مكثفة لإقناع الدول بالتخلي عن عقوبة الاعدام، وفي الواقع فقد حققت هذه الجهود نجاحات متتالية، وقد بدأت هذه الجهود مع الإعلان العالمي لجقوق الانسان 1948 حيث كان عدد الدول التي ترفض عقوبة الإعدام سبعة دول فقط ولكنها اليوم بلغت نحو 169 دولة ألغت عقوبة الاعدام أو أوقفت تطبيقها.

وفي سياق هذه الجهود عقدت في الجزائر الخميس الماضي دورة الخبراء الدوليين برعاية المفوضية السامية لحقوق الانسان، وكان علي أن أقدم ورقة الفقه الإسلامي في المسألة، وفيما يلي طرف من الورقة التي قدمتها في اللقاء الدولي وأعتبرها وثيقة استقرائية في الفقه الإسلامي آمل ان تحظى باهتمام فقهاء الشريعة والخبراء الحقوقيين.

ومن المؤسف أن الخطاب الإسلامي السائد يعتبر هذا الأمر مواجهة مع الإسلام، ونمارس كالعادة اتهام الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالتآمر على الإسلام ومحاولة تقويض اركانه بالتعاون مع أمريكا والصهيونية العالمية، في إطار ثقافة المؤامرة التي أصبحت جزءا من التفكير الشعبي الانفعالي، في حين أن الحوار الموضوعي يأخذنا إلى آفاق أخرى، أحاول أن أبيتها في هذه الورقة.

أول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن البلاد العربية تطبق عقوبة الاعدام في عشرات الجرائم وقد وردت كلمة الإعدام في القانون اليمني 335 مرة في حين وردت في القانون المغربي 365 مرة وذلك في مواجهة عشرات الجرائم المدنية والعسكرية والاقتصادية، وفي سوريا تتناول احكام الاعدام مخالفات تتصل بمقاومة النظام الاشتراكي والانتساب لجماعات دينية محددة، وما يهمني ان أؤكد أولاً أن كل هذه العقوبات هي احتهادات حقوقية محضة لا صلة لها بالإسلام، ويجب القول أن العقوبة الوحيدة المنصوص عليها في القران الكريم بالقصاص هي عقوبة القتل العمد تحديداً، وذلك في آية البقرة: كتب عليكم القصاص في القتلى، كما وردت العقوبة مرة أخرى في عقوبة الحرابة (قطع الطريق) وذلك على سبيل التخيير للحاكم بين القتل وعقوبات أخرى.

وأما العقوبات التي وردت في السنة النبوية وهي عقوبة الردة وزنا المحصن والشذوذ وتارك الصلاة، فهي محل جدل كبير بين الفقهاء انفسهم، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، وروايات الآحاد لا تصلح باتفاق جمهور الفقهاء للحكم في مسائل الدماء، وفي إشارة مهمة فإن 53 دولة من الدول الإسلامية ال57 لا تشير إلى هذه العقوبات في قليل ولا كثير، ويبقى تطبيق هذه العقوبات من شأن الجماعات المتطرفة كداعش وطالبان وبوكو حرام وأشباهها من الكيانات التي يرفضها فقهاء العالم الإسلامي عن قوس واحدة.

وهكذا فإنني أتمسك بحزم أن العقوبة التي ورد فيها القتل في القرآن الكريم هي عقوبة واحدة لا غير وهي القتل العمد عند طلب اولياء الدم باجماعهم، ولا شيء آخر.

 

ومع أن الشريعة قررت القصاص عقوبة عادلة على القاتل، وظلت كلمة القصاص تحمل دلالة واحدة وهي قتل القاتل، ولكن دلالات القرآن الكريم والسنة المطهرة وتطبيق الخلفاء الراشدين، يجعلنا ندرك أن القتل لم يكن مراد الشارع في معاقبة الخاطئين، وإنما كان مراده العدل والقصاص، وقد لخصت من خلال هذه المقالة أساليب الشريعة في مناهضة عقوبة الإعدام، وهي 14 أسلوباً يفترض أن يعرفها ويلتزمها كل قاض يقضي في الجنايات، نتابعها فيما يلي:

 

أولاً: مصطلح القصاص وليس الإعدام

إن النص القرآني لم يذكر كلمة الإعدام وإنما ذكر كلمة القصاص، والفرق بينهما كبير، فالإعدام هو إلغاء الحياة، ووسائله معروفة من القتل أو الخنق أو الصعق أو الحرق أو الشنق، أو غير ذلك مما دأب الحكام على إيقاعه بالمحكومين.

أما القصاص فمعناه التماس العدالة والمقاصة، أي المساواة والمكافأة، يقال: اقتص أثره أي سلك سبيلاً في المشي يكافئ ما كان قد سلكه من قبله السالك، وفي القرآن الكريم: فارتدا على آثارهما قصصا أي رجعا من الطريق الذي سلكاه يقصان الأثر.

وهكذا فالإعدام معناه القتل في حين أن القصاص معناه تحقيق العدالة والمماثلة بين الجرم والجزاء، وهو قد يكون بالقتل وقد يكون بغيره من العقوبات أو الغرامات أو المصالحات.

 

ثانياً: الإعدام والإيجاد شأن الله وحده

إن مصطلح الإعدام مصطلح غير وارد في أي من نصوص القرآن أو السنة أو حتى الفقه الإسلامي، وهو يشتمل على شبهة اعتقادية غير مقبولة، فالإيجاد والإعدام شأن الله تعالى ولا طاقة للعبد بالخلق أو بإنهاء الخلق، وإنما هو شأن الله تعالى وحده.

ثالثاً:دعوة أولياء الدم إلى العفو عن القاتل

إن آيات القصاص تضمنت دوماً الوعيد الشديد والزجر الأكيد لكل من قام بجريمة القتل، ولكنها تتوجه دوماً إلى أولياء الدم بالحث على العفو والمسامحة:

في سورة البقرة: فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم

وفي الآية حث على العفو في القصاص، والآية نص في أن العفو أفضل من القصاص، بل إن أمر العفو جاء هنا عطفاً على الفاء الرابطة، (فاتباع بالمعروف) وهو إحدى صيغ الأمر في اللغة العربية.

وكذلك جاء الأمر بالعفو في الجراح في آية المائدة : والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له

وفي سورة الإسراء: ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً.

وقد وردت وصايا كثيرة للنبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالعفو في قضايا القصاص، ومنها ما رواه أنس بن مالك: «ما رفع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو»

وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل يصاب بشيء في جسده، فيتصدق به إلا رفعه الله درجة، وحط به عنه خطيئة»

 

رابعاً: اعتبار حد القصاص أمراً لا يتجزأ، ووجوب إسقاطه حال عفو أي فرد من أولياء حق الدم

لو كان أولياء الدم عشرة من الإخوة يستوون في القرابة من المتوفى فكلهم أولياء الدم فلو عفا منهم واحد سقط القصاص ووجب أن نصير إلى الدية، وكذلك لو عفا أي من أولياء الدم من الوارثين أو غيرهم من بني العمومة إذا استووا في القرابة، وهذا كله من تشوف الشرع إلى عدم إيقاع عقوبة القصاص والعدول عنها إلى عقوبة الدية.

قال الزمخشري في الكشاف: الفاء (فاتباع بالمعروف) للإشعار بأنه إذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم تجب إلا الدية (فاتباع بالمعروف) فليكن اتباع، أو فالأمر اتباع. وهذه توصية للمعفو عنه والعافي جميعاً.

ومن هذا الباب أيضاً لو كان في أولياء الدم قاصر، فإنه لا يصح إيقاع القصاص حتى يبلغ القاصر راشداً ويسأل عن رأيه في العفو أو القصاص.

 

خامساً: منع الدولة من إيقاع القصاص إذا لم يكن هناك حق خاص

القصاص من القاتل حق لأولياء المقتول، فلو غاب أولياء المقتول أو عفا واحد منهم فإنه ليس للدولة أن تقيم حكم القصاص على القاتل، بل يجب أن يصير إلى عقوبة بدلية، وهذا أيضاً من أساليب الشريعة في مناهضة عقوبة الإعدام.

ولا شك أن منع الدولة من القصاص بدون ولي دم يقطع الطريق على كثير من المستبدين الذين يبررون القتل بأسباب مختلفة، تحت مسميات مختلفة.

وقد نقل الطبري قولاً لابن جريج في تفويض الدولة بالقصاص من القاتل ولو عفا ولي الدم ثم رد على هذا القول فقال: أن القول بجعل حكم القاتل بعد العفو عنه، وأخذه دية وليه المقتول – إلى الإمام دون أولياء المقتول، وهو خلاف ما دل عليه ظاهر كتاب الله، وأجمع عليه علماء الأمة. وذلك أن الله جعل لولي كل مقتول ظلما السلطان دون غيره، من غير أن يخص من ذلك قتيلا دون قتيل. فسواء كان ذلك قتيل ولي من قتله أو غيره.

وقد ذكر ابن عابدين فروقاً سبعة بين الحد والقصاص، فقال: القصاص يصح العفو فيه أما الحد فلا يصح العفو فيه، ومعنى ذلك أن الدولة ملزمة بالعقاب في الحدود ولو أسقط المدعي حقه، أما في القصاص فلو أسقط أولياء الدم حقهم فإنه يمتنع القصاص قضاء، ولا يحق للدولة إقامة القصاص بعد عفو أهل المقتول، ويجب على القاضي أن ينتقل إلى العقوبة البدلية من حبس وغرامة ودية.

وهكذا فإنه لا بد في القصاص من رفع الدعوى إلى القضاء من ولي الدم، ولا تقبل في قضايا القصاص دعاوى المحتسبين، يعني لا يحق للنائب العام تحريك الدعوى بالقصاص إلا بوجود خصم صحيح يقوم بالادعاء.

 

سادساً: مبدأ ادرؤوا الحدود بالشبهات

هذه القاعدة عامة في أصول القضاء في الشريعة، وهي في الأصل حديث نبوي كريم، ونصه: ادرؤوا الحدود بالشبهات وأقيلوا الكرام عثراتهم، وفي رواية ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة.

وتعتبر هذه القاعدة أصلاً في منهج الإسلام في مكافحة الجريمة حيث يعلن العقوبة القاسية زجراً للآثمين، وتحذيراً لمن تسول له نفسه الولوغ في الخطيئة ولكنه يدعو القضاء عند الفصل لقبول الأعذار المخففة ما وجد لها مخرجاً وسبيلاً.

وقد فرع الفقهاء على هذه القاعدة إسقاط حد القصاص على القتل القصد دون العمد، وعلى القتل إذا كان للقاتل شبهة دفاع عن النفس أو شبهة التصرف حال الغضب الشديد أو الفزع الشديد أو الغيرة الشديدة.

وهذا أصل جرى عليه القضاء في البلاد العربية تحت عنوان الأعذار المخففة، ولا شك أن الأعذار المخففة لا تسقط العقوبة عن المرتكب، وإنما تسقط القتل.

ومن هذا الباب أيضاً شبهة ورود العفو عن الجاني من أحد ولاة الدم، ومن هذا الباب سقوط القصاص إذا كان في أولياء الدم قاصر ثم مات قبل أن يرشد.

 

سابعاً: تشريع الدية واعتباره حقاً شرعياً

ومن وسائل الشريعة لمناهضة عقوبة الإعدام تشريع الدية، واعتبارها حقاً ثابتاً لأولياء الدم تشجيعاً لهم على العفو والمرحمة، وتجاوز ما كان.

والدية في الأصل مائة رأس من الإبل، فرضتها الشريعة ديناً حالاً على القاتل العمد إذا عفا أولياء الدم، ومعنى أنه دين حال أي لازم الأداء على الفور ولا يصح تأخيره، وهي واجبة في مال القاتل فإن كان له مال حجز عليه حتى يؤدى حق أولياء المقتول، وإن لم يكن له مال فإنه يعان من الزكاة، ويتوجب هنا دفع الديات من مال الزكاة (مصرف الغارمين )

والأصل في تشريع الدية قوله تعالى: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة .

وكما هو واضح في الآية فإن الأمر بأداء الديات هو حق شخصي، ويجب أداؤه على الجاني ولو كان الضحية من قوم عدو لكم، كما عبرت الآية الكريمة.

ولا شك أن تشريع الدية فيه حافز قوي ليمضي أولياء المقتول في العفو، خاصة أن هذه الدية لم تعد هنا مجرد عفو أو صدقة بل صارت حقاً تنزل به القرآن، وحثت عليه نصوص الوحي، وألزمت المحاكم بتحصيله بصفة الدين الممتاز المقدم على ما سواه من الديون.

 

ثامناً: دعوة العاقلة للإسهام في دفع الديات

وفي موقف آخر لمناهضة الشريعة لعقوبة الإعدام فإن الشريعة أبطلت العقوبة في حالة القتل الخطأ، فلا يجوز قتل القاتل إذا لم يثبت القصد والعمد في جريمته، ولكن الشريعة شرعت الدية رعاية لأولياء الدم ، وتشجيعاً لهم لإسقاط حقهم في طلب القصاص.

وتختلف دية القتل الخطأ عن دية القتل العمد بأنها مخففة من ثلاثة وجوه:

الأول: أن دية قتل العمد واجبة حالة بدون أي إبطاء أو تأخير أما دية القتل الخطأ فهي مقسطة إلى ثلاث سنين

الثاني: إن دية القتل العمد واجبة في مال الجاني أما دية قتل الخطأ فهي واجبة في مال عاقلته، أي القبيلة أو الأسرة الكبيرة التي ينتمي إليها ويمكن في زماننا اعتبار النقابات بمثابة العاقلة في التزامها بأداء الديات.

الثالث: أن الدية في القتل العمد مقررة في الشرع بالنوق البالغات فيما تقبل الدية في القتل الخطأ بالنوق الصغار ، وهو ما يعني نصف القيمة.

 

تاسعاً: مصرف الغارمين

خصص القرآن الكريم مصرفاً صريحاً وواضحاً من مصارف الزكاة للغارمين، وذلك في آية مصارف الزكاة الشهيرة: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم.

والغارمون هم أولئك الذين يتحملون الديات ليؤمنوا عفو أولياء الدم، ويساعدوا في منع تنفيذ القصاص عن الجناة، والعدول إلى العقوبة البدلية.

فهؤلاء يستحقون نصيباً من مال الزكاة تدفعه لهم الأمة للمساعدة في دفع الأموال الكافية لإقناع أولياء الدم بالعدول عن القصاص والتحول إلى العقوبات البدلية.

وربما كان هذا المصرف المنصوص عليه في آية الزكاة أوضح الأدلة على رغبة الشارع الكريم أن تتوقف عقوبة القتل، ويمكن أن يصرف من هذا المال لكل مؤسسة أو جمعية تهتم بإقناع أولياء الدم بالعفو والدية.

 

عاشراً: تجوز الشفاعة في القصاص ولا تجوز في الحدود

وهذا ما أورده ابن نجيم في باب الفروق بين القصاص والحدود، ومعنى ذلك أن الحدود لا ينفع فيها شفاعة أحد إذا رفعت إلى القضاء، أما القصاص فإن الشفاعة فيه مقبولة، وفي الشرع حث القادرين على حمولة الديات، ولو لم يدفعها الجاني ولا عاقلته، واعتبار هذا المال من مصارف الزكاة المشروعة تحت عنوان الغارمين، قال تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين فمن تصدى للشفاعة في القصاص ودفع المال لأداء الديات حل له أخذه من مال الزكاة، وذلك لتشوف الشرع الكبير إلى العفو وترك عقوبة القصاص.

 

حادي عشر: يجوز العفو في القصاص ولا يجوز العفو في الحدود

اتفق الفقهاء على أن القصاص من حق أولياء الدم، يملكون فيه العفو كما يملكون القصاص، فيما لا تعتبر الحدود كذلك، فليس للمسروق منه ان يرفع الحد عن السارق بعد أن تمت إدانته، وليس للمغتصبة أن تعفو عن غاصبها بما يرفع عنه العقاب بل يتعين على الدولة معاقبة السراق والفاجرين بما يردعهم، وهو ما تعرفه الأدبيات الحقوقية اليوم باسم الحق العام، أما في جريمة القتل فلا شك ان الحق العام يتوجب عليه تعزير القاتل وحبسه ولكنه لا يملك حق الإعدام بعد عفو اولياء الدم.

 

ثاني عشر: تحريم الثأر وتجريمه

جاءت الشريعة بنصوص قاطعة واضحة في تحريم الثأر وتجريمه، ونصت الآيات البينات أن الثأر حرام بالمطلق، وأن قيام الأفراد بقتل القاتل مهما كانت المبررات يعتبر في عداد الجرائم قطعاً، وسمي هذا اللون من الجرائم الافتئات.

وقد اتفق الفقهاء على أمرين هامين في التنفيذ وهما:

1 – حق التنفيذ منوط بالحاكم، أي السلطة التنفيذية في الدولة.

2 – منع الثأر والانتقام الشخصي أو عدم وجود أي سلطة شخصية لصاحب الحق على المسؤول.

فالدولة هي المختصة بتطبيق العقاب الجزائي، سواء أكان مقدراً أم غير مقدر، حداً أو تعزيراً أو قصاصاً، وذلك حفظاً للنظام ومنع الفوضى ودرء الفساد وانتشار المنازعات بين الناس وإبطال عادة الأخذ بالثأر.

وفي الحديث: من قتل مؤمنا فاعتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.

 

ثالث عشر: حق الدولة في وقف الإعدام

أكدت الشريعة على مسؤولية ولي الأمر في تنفيذ الحدود الشرعية والقصاص، ومسؤوليته في وجوب وقف تنفيذ هذه الأحكام لأدنى شبهة يراها عملاً بالقاعدة ادرؤوا الحدود بالشبهات، ومن الشبهات التي يتعين على ولي الأمر التمسك بها وجود بلاد إسلامية لا تطبق هذا الحكم، فيتعين عند ذلك أن ولي الأمر مأمور بأن يجري العقاب على ما هو أنفع للمحكوم عليه، ولا ينبغي أن يعاقب الجاني في عقوبة القتل في جرم لا يعاقب عليه بالقتل في دول إسلامية أخرى لها فقهاؤها وعلماؤها، ومن الممكن أن يمتنع ولي الأمر عن تنفيذ الحكم، استناداً إلى عدم توفر الإجماع عليه.

وتشبه الفتوى في الدماء حق أولياء الدم في استيفاء القصاص، فلا يكتفى برضا بعض الأولياء بل لا بد من إصرارهم جميعاً، وكذلك لا يكتفى برأي بعض الفقهاء المخولين بالفتوى والقضاء بل لا بد من صيغة إجماع بحيث لو رفض بعضهم التصديق سقط الحد ووجب التحول إلى العقوبات البدلية.

 

رابع عشر: وجوب صدور الحكم بالاجماع من الهيئة القضائية:

إن قضايا الدم لا يصح أن ينفرد فيها قاض بعينه، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء ولا بد أن تقضي فيها هيئة قضائية، ثلاثة فأكثر، ولا يحل تنفيذ العقوبة غلا بإجماع الهيئة القضائية، فلا يصدر حكم الاعدام بأغلبية القضاة بل لا بد من إجماع الهيئة القضائية المختصة، وحيثما اختلف القضاة فإنها شبهة تدرا الحد، وتلزم ولي الأمر بالعدول إلى العقوبة البدلية.

وفي هذا السياق يتعين اشتراط الاجماعات الثلاثة لإيقاع الحد وهي:

  • إجماع أولياء الدم على القصاص وعدم تردد أي منهم
  • إجماع الهيئة القضائية بكافة أعضائها على إيقاع الحد
  • إجماع الفقهاء المعتبرين لدى أولياء الأمر على تطبيق القصاص وهو ما يعتبر اليوم في إجماع الدول الإسلامية ولا شك ان وقف تنفيذ العقوبة في بلد إسلامي يفتح شبهة توجب درء الحد، وهذه المسالة نفسها محل خلاف بين الفقهاء.

 

إنني على يقين أن تطبيق الفقه الإسلامي بخياراته الواسعة في مسالة إقامة القصاص يحقق العدالة المنشودة وينهي حالة الخصام بين الفقه الإسلامي والمجتمع الدولي، ويجقق هدف الأديان النبيل في حماية الروح الإنسانية وتحقيق كرامة الإنسان.

لقد حان الوقت للوقف عن الرد الانفعالي التقليدي الذي نمارسه باتهام المجتمع الدولي بأنه يسعى لتقويض الإسلام كلما رغب أن يحقق تطويراً حضارياً في حقوق الإنسان.

قناعتي ان الجهود الدولية التي تقوم بها الأمم المتحدة لحماية حقوق الإنسان وتطويرها تقع في صلب الإيمان الإسلامي بكرامة الإنسان كما نص عليها القرآن الكريم: ولقد كرمنا بني آدم، والنص القرآني على الإنسان روح من روح الله وخليفة لله في الأرض، ومن قتل نفساً بغير نفس او فساد في الأرض فكانما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً.


التعليقات