كوباني أول مدينة سورية تهزم داعش  

كوباني أول مدينة سورية تهزم داعش  

كوباني

بشّار يوسف

 

عمّت يوم أمس “الأفراح” أوساط أكراد سوريا وتركيا، وأقيمت الاحتفالات في المدن ذات الأغلبية الكردية في الدولتين، وذلك في أعقاب إعلان تمكن مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية من استعادة السيطرة على مدينة كوباني بريف حلب، وتحريرها من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بعد 122 يوماً من المعارك الطاحنة التي أدت إلى مقتل العشرات من الطرفين، ولم يتبقّ على المقاتلين الأكراد سوى تمشيط بعض المنازل بحثاً عن عبوات ناسفة يمكن أن يكون قد زرعها عناصر التنظيم في الطرف الشرقي من المدينة التي تبعد عن نهر الفرات 30 كيلومتراً شرقاً، على بعد 150 كيلومتراً شمال شرق مدينة حلب.

جاء هذا التقدم بعد عمليات عسكرية تمكنت خلالها وحدات الحماية في الأيام القليلة الماضية من السيطرة على عدة قرى في محيط المدينة، بمساندة من قوات بيشمركة كردستان العراق وبعض فصائل الجيش السوري الحر، لتقطع بذلك طرق الإمداد الرئيسة عن عناصر التنظيم، تمهيداً لتحرير كامل قرى ريف كوباني.

وكان تنظيم داعش قد بدأ هجومه على محيط كوباني في السادس عشر من شهر أيلول من العام الماضي بعد أكثر من عام على حصارها، وسيطر على عدة قرى في محيطها قبل أن يتمكن من الدخول إلى المدينة في الثالث من شهر تشرين الأول، لكن بعد عدة أسابيع عادت قوات حماية الشعب إلى أرض المعركة مستفيدة من دعم أكراد العراق وتركيا وغارات قوات التحالف الدولي، بالتزامن مع زخم إعلامي وحراك مدني كبير من قبل الناشطين الأكراد.

 

تحالفات برعاية دولية لمحاربة تنظيم مدعوم دولياً

اعتبر جابر جندو، ناشط إعلامي من بلدة عامودا، أن مدينة كوباني “شكلت نقطة تحول في المعارك ضد تنظيم داعش وفي التحالفات التي تشكّلت ضد التنظيم، كما أحدثت تغيرات على الصعيدين الإقليمي والدولي،” حيث تدخلت أطراف من خارج الحدود السورية، كمشاركة حزب العمال الكردستاني بشكل مباشر في كوباني، وهذا ما هدد بتأزم الأوضاع  وتمددها إلى الداخل التركي وهو ما بدا جلياً في المظاهرات التي خرجت في عدة مدن تركية، بالإضافة إلى مشاركة قوات من البيشمركة في المعارك ودخولها المدينة عبر تركيا، “والذي شكل بدوره حدثاً تاريخياً ذي دلالات مستقبلية، وخاصة على الوضع الكردي في إقليم كردستان العراق وإمكانية إقامة دولة كردية،” كما أن كوباني وحّدت كلاً من الجيش السوري الحر ووحدات حماية الشعب الكردية وقوات البيشمركة لأول مرة بهذا الشكل لتتغير بعدها بشكل ملحوظ طبيعة العلاقة بين إدارة حزب الاتحاد الديمقراطي الذاتية والنظام السوري في محافظة الحسكة وريف حلب.

إلا أن جندو رأى أن كل ما جرى في كوباني، منذ بدء هجوم تنظيم داعش عليها وحتى تحريرها، قد حصل “برعاية بعض الدول الإقليمية والدولية،”  لذا فإن تهديد تنظيم الدولة في المنطقة لا يزال قائماً، وفقاً لجندو، إذ توقع أن يتجه التنظيم إلى مناطق أخرى، كمحافظة الحسكة، لا سيما أن التنظيم يسيطر على عدة بلدات هناك، وذلك في ظل عدم وصول الأحزاب الكردية إلى تفاهمات داخلية كردية-كردية.

 

أول مدينة سورية تهزم داعش

بعد أن سيطر تنظيم داعش على محافظة الرقة بشكل كامل مطلع العام الماضي وقيامه بطرد فصائل المعارضة المسلحة منها وانسحاب جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة باتجاه محافظة درعا، أعلن التنظيم قيام “دولة الخلافة الإسلامية” لتتساقط بعدها المدن السورية والعراقية في قبضة التنظيم بشكل متسارع، دون أن تنجح أية فصائل أو صحوات عشائرية في صدهم، ويعتبر إخراجهم من كوباني أول هزيمة حقيقية للتنظيم، على اعتبار أن خروجه من بعض مناطق ريف إدلب وريف حمص وريف دمشق كان خروجاً من مناطق بعيدة عن مركز قوته ولا يسيطر عليها بشكل كامل، فضلاً عن الأهمية التي اكتسبتها المدينة بسبب موقعها على الحدود التركية وتوسطها الطريق بين الرقة وحلب.

أشار الصحافي كمال أوسكان إلى أن كوباني “تشكل الخاصرة الرخوة بالنسبة للمناطق الكردية، والتي تمتد من محافظة الحسكة شمال شرق سوريا وحتى ريف حلب شمالاً، موضحاً أنها كانت محاصرة من جميع أطرافها مما شجع تنظيم داعش على مهاجمتها “لكن مقاومة أهل كوباني كانت بطولية أظهرت للعالم أجمع أنها أول مدينة سورية تقاوم بهذا الشكل الذي لم يكن يتصوره التنظيم،” وأضاف أوسكان أن هذه المقاومة وضعت الجميع أمام “مسؤولياتهم الأخلاقية” لأن سقوط كوباني كان سيشكل “كارثة” لجميع الأطراف وبشكل خاص الإدارة الذاتية التي وضعت أمام امتحان إذ أن خسارة كوباني كانت ستعني ضرب مشروعها المطروح منذ بداية الثورة السورية، كما وضع إقليم كردستان العراق أيضاً أمام تحدٍّ آخر نابع من “مسؤوليتها القومية في حماية الأكراد” وهذا ما دفع رئاسة الإقليم إلى وضع كل إمكاناتها الدبلوماسية في سبيل “منع سقوط كوباني” وفقاً لأوسكان.

من جانب آخر أفاد أوسكان بأن الجميع في سوريا أدركوا خطورة تنظيم داعش وتمدده دون أن يملك أي طرف القدرة على مواجهته، وهذا ما حمل فصائل من الجيش الحر على الدخول في تحالف مع الأكراد، خاصة بعد أن توضح أن التحالف الدولي قد يعتمد بشكل ما على القوات الكردية في “محاربة الإرهاب” على اعتبارها “القوة الأكثر تنظيماً ولا تشكل أي تهديد على الغرب.” كما أعرب عن سعادته بأنباء تحرير كوباني فهو يعتبرها “ضربة قوية لهذا التنظيم الظلامي وكسر لأسطورة  قوته التي راهنت عليها تركيا في “إسقاط المشروع الكردي في سوريا”، كما أن هذا الانتصار سيفتح أبواب الحوار بين السوريين حول مستقبل بلادهم مع شركائهم الأكراد على قاعدة الاعتراف بكامل حقوقهم في سوريا دون التهرب من هذا الاستحقاق.”

 

المدينة تحررت لكنها مدمرة وشكل الحكم التالي غير واضح

الصحافي زارا سيدا اعتبر أن ما جرى من دحر لعناصر داعش هو “خطوة مهمة لعموم الشعب السوري كتجربة في التصدي لهذا التنظيم، رغم أنه ما كان ليكون -بهذه السرعة على الأقل– لولا تدخل التحالف الدولي وقصفه مواقع التنظيم.” فيما رأى سيدا أن “التحالفات التي قامت في كوباني هي تحالفات تكتيكية قد تمتد لتصبح استراتيجية” إذا ما قررت الأطراف الموجودة على الأرض الاستمرار في تحرير مناطق أوسع، في إشارة منه إلى تل أبيض والرقة وغيرها من المدن التي يسيطر عليها التنظيم.

لكن سيدا نوّه إلى أن الخطوة المطلوبة الآن، على الرغم من اعتقاده أنها قد تكون ضرباً من الأحلام، هي “تشكيل إدارة مدنية تكنوقراطية لتسيير شؤون المدينة وإدارتها بدلاً من حكم الشعب بفوهة البندقية ودماء الشهداء،” مؤكداً على أن المدينة تعرضت إلى دمار كبير ودفعت ضريبة “تضارب طموح الجهات المتصارعة” ليكون الشعب وحده من يدفع هذه الضريبة، على الصعيدين النفسي والاقتصادي، مستنكراً في الوقت ذاته قيام كل جهة بإهداء هذا التحرير “لقائده.”

في هذا السياق، قال خليل ملا، ناشط إعلامي نزح إلى دمشق من ريف الحسكة، إنه يعتبر أنه قد تم تحرير اسم كوباني فقط لأن المدينة كانت مأهولة وهي الآن غير صالحة للسكن “فطالما هناك خلافات كردية سيكون هناك تقصير عسكري وسياسي في كافة المناطق الكردية، وأضاف ملا أن تركيا، عبر حدودها، لعبت دوراً أساسياً فيما جرى من خلال “التخلص من خطر دخول عناصر داعش إلى أراضيها وكسر شوكة وحدات حماية الشعب المقربة من حزب العمال الكردستاني في آن واحد.” كما ربط بين الأحداث وما يجري في إقليم كردستان العراق من لقاءات جمعت رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني وقيادات في حزب العمال الكردستاني وقادة في المخابرات الإيرانية قبل أيام، متوقعاً “نشوء فيدراليات في المنطقة بمباركة إيران”، فضلاً عن أن تتكفل حكومة إقليم كردستان العراق بإعادة إعمار كوباني.

يشار إلى أن كل المدنيين في المدينة التي كان يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي في إطار مشروع الإدارة الذاتية الخاص به قد نزحوا منها بعد سيطرة تنظيم داعش عليها، ووصل معظمهم إلى الأراضي التركية ويعشيون في ظروف معيشية وإنسانية قاسية وبالأخص في ظل الأوضاع الجوية السيئة، علماً أن عددهم يقدر بنحو 300 ألف شخص.

 

سيناريو كوباني قد لا يتكرر

بالنسبة لتيم رمضان، الناشط الإعلامي في دير الزور، فإن هزيمة تنظيم داعش في كوباني بالتزامن مع هزيمته في ديالى بالعراق أمر مبشِّر بمرحلة “انتفاضة ضد داعش” بسبب انكسار الجيش العقائدي الذي ادعى أنه لا يقهر، لكنه في ذات الوقت أعرب عن شكوكه في إمكانية تكرار سيناريو انتصار كوباني في مدن سورية أخرى، كدير الزور والرقة، لانغلاق الأخيرتين على نفسيهما وعدم امتلاكهما منافذ برية لتقديم مساعدات عسكرية ولوجستية للثوار فيهما.

كذلك فإن الصحافي سعيد النحال، من القلمون، أرجع انتصار المدافعين عن كوباني إلى سببين رئيسيين، الأول هو إصرار أغلبية سكانها الذين ينتمون إلى القومية الكردية على عدم الاستسلام وترك تنظيم داعش يسيطر عليها، والثاني هو الشرعية الدولية والإقليمية والقداسة التي أضفيت على دفاعهم عن المدينة والتي أفرزت على الأرض تحالفات مميزة للدفاع عن المدينة قد لا تتكرر في أي مكان آخر في سوريا، من قبيل دخول أطراف إقليمية كردية للمشاركة في العمليات مما أعطى دفعاً معنوياً للمقاتلين، في حين ساهمت منظومة الطيران التابعة لقوات التحالف في إضعاف التنظيم وقطع طرق الإمداد عنه، الأمر الذي مهد للتقدم المتلاحق للمقاتلين الأكراد على الأرض. “هذه الأمور لم تتوفر لمقاتلي المعارضة في الرقة ولمسلحي العشائر في دير الزور، وبالتالي فقد هُزموا في معاركهم مع التنظيم.” ووفقاً للنحال فإن “عناصر النجاح” هذه لن تتكرر لأن أي من المناطق التي يسيطر عليها التنظيم “لا تسكنها أغلبية تنتمي لأقلية قومية أو دينية” وبالتالي فإن الدول المجاورة والتحالف الدولي لن تدعم هذه المناطق بذات القدر، كما أن الكتلة البشرية التي يُعتمد عليها، بالدرجة الأولى، في التحرير قد تفككت في هاتين المحافظتين بعد أن “سمحت الولايات المتحدة للتنظيم بالتمدد فيهما.”

 

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير