بغداد 17°C
دمشق 24°C
الأربعاء 28 أكتوبر 2020

سوريا؛ خَبر خامِس في بلاد العُرب


حسام موصللي

ليسَت المرّة الأولى التي يَغيبُ فيها الحدث السوري عن صدارة السّاحة الإعلامية عربياً وعالمياً، فالشاشات ومختلف المنابر الأخرى، مَشغولة بتَغطية أخبار أكثر أهمية بحسب وجهات نظر القائمين عليها، مُتجاهلةً #سوريا، ومُعتبرةً ما يجري فيها على الصعيدين العسكري والإنساني مُجرّد يوميات باتَت مُتكرّرة ولا ترقى للخروج من شريط الأخبار أو من خلال اللقاءات القصيرة مع عدد من الفاعلين العسكريين على الأراضي السورية؛ ولكن هذه المرّة من أجل توضيح مواقف فصائلهم من الأحداث البارزة اليوم.

 

والحقيقة أن هذه الحالة ليست بسابقة مستغربة في الإعلام العربي، ومازلنا نذكُر تماماً تفاوتَ التغطية الإعلاميّة للغزو الأميركي للعراق في سنة 2003، فبعد أن تصدّر الشأنُ العراقي الخبرَ الأول في المنابر الإعلامية كافّة، تراجع على نحوٍ سريع جداً- في غضون ثلاث سنوات فقط- إلى الشريط الإخباري، علماً بأنّها كانت الفترة الأشد عُنفاً كنتيجة لسياسة استهداف الأسواق الشعبية والتجمُّعات الدينية بالسّيارات المفخخة والعبوات الناسفة والتي انتهجها آنذاك #أبو_مصعب_الزرقاوي، أمير جماعة #قاعدة_الجهاد في بلاد الرافدين.

ولعلّ أصدق تعبيرٍ عن تجاهُل الحدث السوري هو ما يردُ على الموقع الإلكتروني لقناة #الجزيرة، حيث نقرأ في أعلى الصفحة الرئيسية قائمة بالمواضيع المميزة، وهي بحسب ما ذُكِر حتى لحظة كتابة هذا المقال: “الأزمة في #اليمن، والأزمة في #ليبيا، والحملة على تنظيم الدولة، والأزمة في #مصر”.

العناوين الرئيسية سالفة الذكر هي ذاتها التي تعتمدُها المنابر الإعلاميّة الأخرى، وإن كان هُناك بعض الاختلاف في ترتيب الحدثَين الثاني والثالث. يُغطّي الأول عملية #عاصفة_الحزم العسكرية التي تقودها المملكة العربية #السعودية بمشاركة عشر دول من داخل مجلِس التعاون الخليجي وخارجه ضد ميليشا #الحوثي في اليمن، وتندرجُ تحت العنوان الثاني أزمةُ الاقتتال الدائر في ليبيا بين الجيش وميليشيات مُتطرّفة برعاية مندوب تهدئة من الأمم المتّحدة، والثالث قد يأتي على سيرة #سوريا بفضل تمدُّد تنظيم الدولة الإسلامية والجمهورية الإيرانية المحرّك الأساسي لكل ما في المنطقة من اصطفافات طائفية، ومنها الدعم غير المحدود لجزء من القوات الشيعية المُنخرطة في قوات الحشد الشعبي الذي يُشارك الجيش العراقي مَعركته ضدّ #داعش، فيما يتعاطى العنوان الرابع الشأن المصري في تركيبة عجيبة تتخلّلُها اعتبارات انقلابية شرعيّة ديمقراطية متطرّفة – وهي بالتأكيد ليست بغريبة إطلاقاً عن الوقع سياسة العسكر في أم الدنيا.

ولا تخلو النشرة من فقرة مُنوعات يومية مُتفرّقة، على غرار غَرق سَفينة أو اثنتين قُربَ شواطئ #اليونان أو #إيطاليا، تتبعُها قمّة أوروبية، عاجلة كما جرت العادة، بهدفُ تَضييق الخناق على المهاجرين السّريين، وإيجاد حلٍّ يسحبُ عنهم التعريف السابق ويكفلُ عودتهم بسلام إلى خانة القتلى أو المشردين أو المُغيّبين قسراً في بلدانهم مرّة أخرى.

في جُملة الأخبار المتفرقة، كانت زيارة قائد جيش الإسلام #زهران_علوش إلى #تركيا محطّ تغطية أيضاً، وذلك من مُنطلق ربط الزيارة بتحليلات جديدة تتحدّث عن عاصفة حزم أخرى، ولكنها تَستهدفُ سوريا هذه المرّة بالشراكة مع تركيا، لتُعيدَ إلى ذاكِرَتنا ما تلقاه #ميشيل_كيلو من تأكيدات عن طريق أجهزة استخبارات مُختلفة بشأن ضَربة عَسكرية تطيحُ بنظام #الأسد بُعيدَ مَجزرة السلاح الكيميائي في #الغوطة_الشرقية في سنة 2013. ومع ذلك، بدا أن مُعظمَ المُهتمين بزيارة علوش، بطل قضية خطف الناشطين في الغوطة ذاتها، كانوا يتساءلون عن الطريق التي سلكها علوش من جنوب البلاد إلى شمالها دفعة واحدة مروراً بشتّى أنواع الخلايا المسلحة، المستيقظة منها والنائمة على حدٍّ سواء، ودونما أن يتعرّض لأي جرح على أقلّ تقدير.

وبالطبع لا يَخلو أيّ خبر، رئيسي كان أم فرعي، من #إيران؛ بتَحالُفاتها وحزبها في #لبنان وميليشياتها في #العراق وحوثيها في اليمن ومُحاولاتها الحثيثة للتّدخل في ليبيا عبر استثمارات نفطية، وأخيراً استعراضها العسكري في أسبوع الجيش الذي بدَت فيه المعدّات المَعروضة أقربَ إلى هياكل مُعادة التصنيع من مُخلّفات زلزال دشتي في سنة 2013.

وتحت باب التدخل الإيراني قد تذكُر النشرات خبراً تقليدياً من لبنان، مثل اعتراف المقاوم اللبناني #ميشال_سماحة بنقل متفجّرات في سيّارتهِ بناءً على تعليمات من ضبّاط الأسد، أو المشهد البوليودي الذي قال فيه #سعد_الحريري لـ #حسن_نصر_الله: “إنّها عاصفةُ الحزم يا عزيزي!”

وإذ تغيبُ أخبار سوريا، إلا أن ما في البلاد من موت ودمار وتشريد لم يتأثّر إلا ازدياداً، وإنْ كان الحدثُ السوري مُنذ بدايته قد حظيَ بما حظي من زَخمٍ إعلامي غير مَسبوق، بيد أن ذلك كلّه لم يَمنَع قذيفة أو يُنقِذ جريحاً أو يُعلّم طِفلاً في مدرسة لا في قارعة الطريق.

وليس الأمر أنّنا نسعَدُ كلّما ازدادَت شُهرة الحرب في بلادنا، بل رُبّما كان من الأفضل أن يَدعنا العالم وشأننا، فننزِف بَعيداً عن الكاميرا بعيداً عن صَخبِ ضَجيجه.


التعليقات