بغداد 40°C
دمشق 29°C
السبت 31 يوليو 2021
الحشيش.. حيث لا بدّ للذاكرة السورية من شيء يحرقها - الحل نت


نبيل محمد

“سعيد”، وهو اسم مزيف بالطّبع، (فهل من المعقول أن يتحدث مدخن الحشيش لوسيلة إعلامية عن عادته تلك باسمه الواضح؟).. يقوم بفرط أوراق #الماريجوانا كالحة اللون، فوق تبغٍ كان قد فرطه سابقاً في صحن صغير من سجائر من نوع مالبورو أبيض..”المالبورو هو الأنسب للماريجوانا، بينما الوينستون الأحمر هو الأفضل لمعجونة #الحشيش” وفق سعيد.

 

يحرك سعيد الخلطة، ثم يقوم بلفّها في “صاروخ” حيث ورق اللّف الطويل، ويضع في مؤخرة السيجارة قطعة كارتون ملفوفة، ويفضل ألا يستخدم الفيلتر، كي لا يخف أثر السيجارة، ثم يشعلها، ويبدأ بنفث دخانها.. “أنا لا أنفث الدخان أنا أنفث الهم… خدلك سحبة”…

كيس الماريجوانا الصغير الذي يجلبه سعيد من حي #تارلاباشي وسط #اسطنبول، يكفي للف ثلاث سجائر، وأحياناً أربعة، إلا أن نوعيته ليست بالجيدة حسب وصف المدخن، كونه غامق جداً، ومليء بالبذور، “أييييه أيام #بيروت”… يتحسر سعيد على الخوالي..

“ليست عادةً هي إيمان”.. هكذا كان جوابه عن السؤال الأول، حيث طلبنا منه وصف عادته، لنقوم بتعديل السؤال، “كيف تصف هذا الإيمان؟”

“الإيمان هو راحة نفسية تحاول التمسك فيها للخلاص من كل ما يحيط بك من ظروف سيئة، وتستعين بها على النسيان، الحشيش كذلك”.

ـ لكنه مضر للصحة ويسبب الإدمان؟

“هاد رأيك وأنا بحترمو”.

ـ كل الدراسات تشير إلى ذلك، وحتى الإجراءات الحكومية في الدول المتحضرة تسعى لتخليص شعوبها من هذه العادات؟

“لن تستطيع ذلك.. لأنه إيمان كما قلت لك، ليس مجرد عادة كما تصفه، هل تستطيع تخليص الشعوب من قضاياها الإيمانية، ومن تمسكها بالغيبيات مثلاً”.

ـ بالتراكم ربما؟

“إذا بالتراكم ربما تخلص الشعوب من حشيشها”.

في #بيروت كان يعيش سعيد مع صديقه مسعود (مثلاً)، كانت تكلفة الحشيش هناك أضعاف تكلفته هنا، فكيس الماريجوانا الصغير في اسطنبول يباع بسعر 10 ليرات تركية أي حوالي 4 #دولار أمريكي، بينما في بيروت تتضاعف التكلفة، فتباع الكمية التي تكافئ كيس الماريجوانا بأكثر من 15 دولار.

أثر معجونة الحشيش في #لبنان مختلف عن أثر الماريجوانا وفق مدخنيها، فهي بالفعل “تعدل المزاج”، وتؤدي إلى راحة يهدف إليها “جمهور اللف”.

تدور “الصواريخ” بين المدخنين السوريين، قد لا يكون نصيب كل واحد منهم أكثر من نفثتين من السيجارة الواحدة، وغالباً ما تدور الأحاديث حول جلسات سابقة، أو حول أنواع الحشيش ذاته وتجربتهم معه.. التجربة التي بدأت مع غالبية مدخنيه من الشباب السوري حالياً بعد بداية الأحداث في سوريا..

الكثيرون بدؤوا بتدخين الحشيش في #سوريا مؤخراً، حيث راج وجوده مع انطلاق الأحداث، وهو ما لا يعود أبداً إلى أي قضية تتعلق “بالمؤامرة التي تحدث عنها النظام، وبيع الحبوب” وفق مسعود، وإنما عادة ما تنتشر المخدرات بشكل عام، مع توفر بيئة خصبة للاستهلاك، بيئة الضغوط النفسية والألم واللاجدوى والبطالة.

كان من السهل تأمين معجونة الحشيش في #دمشق، من خلال مجموعة من التجار والمهربين، أو من خلال زيارة إحدى المناطق الحدودية مع لبنان، وخاصة #مضايا و #سرغايا في ريف دمشق.. كان يكفي أن تمر بسيارة خاصة في طريق مضايا ليوقفك أحد البائعين ويسألك إن كان هنالك من خدمة يمكن أن يقدمها لك.. وببساطة ستطلب منه الحشيش وسيلبي رغبتك، بل قد يفسح لك المجال لتجريب الأنواع الموجودة، فتنتقي ما يطيب لك، و”غالباً ما تطلب المعجونة البعلبكية التي تحتفظ بزيتها” وفق المصدر.

“سلام”.. ناشطة سورية في بيروت، تقول إنها لم تعتد على تدخين الحشيش، إلا أنها قد تلجأ له أحياناً في ظل الظروف الصعبة أو التوقف عن العمل، وتصف الحشيش بأنه هوس لدى الكثير من الناشطين السوريين في لبنان.. “كلون محششين يا زلمة”، وهو بالفعل ما يمكن ملاحظته في بيروت على وجه التخصيص، حيث تنتشر السجائر بين السورين، بل ويمتهن بعضهم الإتجار فيها، أو ما يمكن أن نسميه الإتجار البسيط، بحيث يقوم ناشط بتأمين ما يلزم مختلف رفاقه من الحشيش مقابل تأمين قطعته مجاناً، أو الحصول على مال قد يكفيه للحياة عدة أيام في المدينة التي “لا يمكنك احتمالها بدون حشيش”، وفق مروان الذي اضطر لمغادرة لبنان بسبب مراجعته للأمن العام مرتين بتهمة التعاطي والترويج.. الذي لم يثبت عليه إلا بعد أن غادر إلى تركيا بأسبوع.

عشرات السوريين راجعوا #الأمن_العام في بيروت بهذه التهمة، وبعضهم اضطر لمغادرة لبنان إثر ذلك، وكانت #تركيا هي المحطة الأسهل، كونها لا تطلب الفيزا من السوريين، وكونها أيضاً محطة يمكن قضاء الوقت المستقطع فيها.. “وتوفر الحشيش”.

في #غازي_عينتاب و #كلّس، يبدو الأمر أسهل وأفضل من اسطنبول وفق مصدر سوري، حيث تتوفر فيهما العجينة اللبنانية المهربة عن طريق #سوريا، وهو ما يثير دهشة الكثيرين، إذ يتم تهريب الحشيش اللبناني عبر سوريا تحت الحرب إلى تركيا ليدخنه سوريون.

“طبيعي ما يجري” وفق طبيب نفسي سوري مقيم في #السويد.. لا بد لكل هذا الألم والمعاناة والعذاب من أن ينتج كل الأمراض الاجتماعية، ومنها رواج #المخدرات، و”من الصعب ضبط هذه الحالة دون ضبط الظروف المؤدية إليها منطقياً، ودون دعم نفسي للمتعاطين.. إنها مأساة كبيرة، مرتبطة بمآسي أكبر”.

تدور رحى الحرب، وتنتقل بين منطقة وأخرى، وتدور صواريخ الحشيش بين المدخنين وتنتقل من يد إلى أخرى، ويدور الكوكب على تجدد يومي للصراع والفوضى، وانتشار السوريين العشوائي بين بلدان الجوار و #أوربا و #أمريكا وقاع #المتوسط.. نار عامة تحرق كل شيء، وحشيش ومخدرات يومية على شاشات التلفزة ومحطات الأخبار، وحوادث يومية أقل ما توصف فيه بأنها لا منطقية، وخارجة عن التصور.. هو الظرف ذاته “حشيش”.


التعليقات

عند دخولك لهذا الموقع انت توافق على استخدام ملفات الكوكيز سياسة الخصوصية