بغداد °C
دمشق 25°C
الأربعاء 12 أغسطس 2020

خدشت الأسلاك الشائكة ظهري بينما كُنت أزحف بين البلدين. ثم بدأت أركض


تستعيد الكاتبة السورية “المنفية” سمر يزبك عودتها الخطيرة إلى وطنها المُدمّر، وما لاقته هناك من الرعب، في هذا المقتطف من كتابها : “العبور”.

مقابلة سمر يزبك: ” لقد أصبحت #سوريا معلّقة ومسلوبة ومقسّمة ”

 

سمر يزبك، الغارديان، 28 حزيران 2015

ترجمة موقع الحل السوري

مزّقت الأسلاك الشائكة ظهري. كُنت أرتجف بشكلٍ خارج عن سيطرتي، أخيراً رفعت رأسي لأحدّق في السماء البعيدة المظلمة بشكلٍ تدريجي نحو السواد، بعد ساعاتٍ طويلة من بقائي منتظرة حلول الظلام، لتجنّب شدّ انتباه الجنود الأتراك، تحت حاجز الأسلاك الذي يرسم الخط الحدودي، تم حفر بوابة حجمها يتسع لإيواء شخص واحد فقط. غاصت قدماي في الوحل وكانت الأشواك تخدش ظهري كلما تقدّمت في الزحف عبر خط الفصل بين البلدين.

أخذتُ نفساً عميقاً وحنيتُ ظهري وبدأت أركض بأقصى ما أمكنني من سرعة، تماماً عندما أخبروني أنه علي القيام بذلك. بسرعة.. نصف ساعة من السباق _ تلك هي المسافة التي يتوجب عليك قطعها قبل أن تعبر الحدود بأمان. ركضت وركضت حتى أصبحنا (أنا والمرشد الذي برفقتي) خارج منطقة الخطر.

كانت الأرض صخرية وغدّارة، ولكن شعرت بخفّة في قدمي عندما انطلقتُ. حملتني خفقاتُ قلبي، رفعتني عالياً. ألهث، كنت أهمس لنفسي: أنا عائدة، هذا ليس مشهداً من فيلم، إنها حقيقة. أركض وأحدّث نفسي، أنا عائدة … أنا هنا.

سمعنا صوت أعيرة نارية من خلفنا، وتحركاً للمركبات العسكرية التركية، لكننا قمنا بفعل ذلك: كنا نعبر وكنا نركض. شعرتُ وكأن كلّ هذا كان مكتوباً ومقدّراً منذ زمن بعيد. كنتُ قد وضعتُ حجاباً “استثنائياً”، وارتديت سترةً طويلة وسروالاً فضفاضاً.

كان علينا تسلق تلّ شديد الانحدار قبل أن نندفع نحو الأسفل من جانبه الآخر، حيث كانت السيارة في انتظارنا في هذه المناسبة، لم نكن جزءاً من قافلة غرباء.

في ذلك الوقت، لم أكن أعلم حتى إذا ما كنت سوف أتمكن من الكتابة عن تجربتي لاحقاً، كنت أفترض أنني سوف أموت بطريقة ما فقط، مثل آخرين كُثر، عندما عُدت إلى موطني. استقر الظلام في الليل وبدا كل شيء طبيعياً، كما هو متوقع، أو هكذا كان يبدو.

في وقتٍ لاحق، وبعد أن كُنت قد أجريت عملية العبور هذه عدة مرات على مدى 18 شهراً، رأيت العديد من التغيُّرات: كانت حالة الفوضى التي أصابت مطار #أنطاكيا الواقع بالقرب من الحدود دليلاً كافياً على ما كان يحدث في سوريا. ادّخرت كل تلك التفاصيل في خلفية تفكيري، تماماً مع كل شيء آخر يشهد على الاضطرابات السريعة والعميقة التي تحدث في بلدي.

وقبل أن أعبر الحدود، كُنت قد زُرت مستشفى في بلدة #الريحانية التركية حيث كان قد خُصّص طابقٌ فيها للطوارئ من حالات الجرحى السوريين جراء القصف.

غرفة  بعد أخرى تنبعث منها رائحة المرضى المتفسخين الموضوعين على أغطية بيضاء بأقدامٍ مشوّهة، وأطرافٍ مبتورة، وأعينٍ ضبابية.

كُنت بصحبة ميسرة (مرشدي) وأخيه غير الشقيق “منهل” الذي كان من أوائل الناشطين الذين اعتنقوا الثورة في #سراقب.

نبّهني منهل أن أتمالك نفسي عندما هممنا بدخول غرفة فتاتين صغيرتين، ديانا ذات الأربعة أعوام، وشيماء ذات الأحد عشر عاماً. ديانا كانت قد أصيبت بعيارٍ ناريٍّ استقر في نخاعها الشوكي متسبباً بشلل دائم. كانت تستلقي هناك مجمّدة، مثل أرنب مذعور أصيب بسلاح. ويبدو إعجازاً كيف أن جسدها الصغير الهش لم يقطّع بالكامل من ذلك التأثير. كانت الفتاة الصغيرة تقوم بعبور الشارع لشراء كروسان لتتناوله إفطاراً عندما حدث ما حدث. بأي نتيجة على الأرض كان يفكّر القناص عندما نصب هدف عينيه على ظهرها؟

على سرير المستشفى المحاذي لديانا كانت شيماء، التي نُسفت ساقها بقذيفة، والتي تمزّقت يدها اليسرى بشظية. قدمها الأخرى أيضاً كانت مصابة، كما غطّت الجراح جسدها بأكمله. أصيبت هي وعائلتها على حين غرّة بينما كانوا يجلسون أمام منزلهم. قُتل تسعة من أفراد عائلتها، بمن فيهم والدتها. كانت عمتها تقف إلى جوار سريرها.

عندما قامت شيماء بالنظر إلي، كان في نظرتها مزيج مقلق من الغضب. كان الضماد الأبيض يلتف حول حوضها، متوقفاً عند أعلى الفخذ. كان هناك مكان فارغ حيث من المفترض أن تكون ساقها.

“نحن نتكون بمجملنا من العيوب، وعندما نكون مكتملين نكون ناقصين” فكرتُ في نفسي. ولكن لم أستطع أن أقول شيء لهذه الطفلة. لامست أصابعي جبينها، فابتسمت.

شيماء وديانا لم تكونا وحيدتين في الطابق. فكان في الغرفة المجاورة فتىً شاب ينتظر أن يتم بتر ساقه بعد أن تمزقت إرباً بفعل قذيفة. ومع ذلك لم تفارق الضحكة عينيه. شابٌ آخر كان ينتظر أن تُعقّم قدمه وتزال منها الشظية، فيكون بإمكانه حينها العودة إلى #سوريا لمواصلة القتال. كان قائداً لمجموعة تُدعى عبد الله، وهو الذي منحني الوقت للتحدث وأصبحنا أصدقاءً عندما قابلتهُ خلال رحلتي الثانية عائدةً إلى الوطن. في ذلك الوقت لم أكن أعرف بخطبته، ولكن عندما عبرت إلى سوريا في المرة الثالثة أجرينا استطلاعاً سويةً، وبالرغم من القذائف المتساقطة، شربت القهوة مع خطيبته الجميلة.

في أجنحة ذلك المستشفى التركي _ الواقع تماماً قبل الحدود _ يقبع السوريون الذين تُركت أطرافهم في التراب. هؤلاء الشبان، الممددون بأجسادهم نصف المشوّهة، ينظرون من نافذة المستشفى باتجاه بلدهم الأم، قريباً جداً سوف تتمكنون من تنفّس نسيمها.

هذا كان حيث اتخذت أولى خطواتي الجدية نحو عبور الحدود. وأخبرت (الناس في سوريا) لاحقاً عن الانسلال من خلال الأسلاك الشائكة إلى الجانب الآخر. وكيف كنا نقوم بعبور التيه إلى التيه، لقد كانت لحظة من التذبذب، والتأرجح على الخط بين المنفى والوطن. هناك، على كلا جانبي الأسلاك، تظهر أجسادٌ بشكلٍ فجائي في الظلام، تحتك الكتف بالأخرى، بينما نمشي كأننا عميان. سمعنا أصوات ترحب بنا: “مساء الخير”. صوتٌ قادم وآخر ذاهب. كنا نزحف خلسةً مثل القطط في الظلام. المسافة الحدودية التي أصبح السوريون يختفون فيها ليلاً ليست طويلة، إنها قصيرة جداً: ليست هناك مسافة نتحدث عنها.

أناسٌ يدخلون وآخرون يخرجون، ما يزالون يقطعون هذه المسافة بأمان في الليل، رغم أن القليل منهم سوف يجدون الأمان في وجهتهم تلك. لا يمكن لسياج الأسلاك الشائكة أن يحتجزهم، إنه عديم الفائدة ولا يجدي نفعاً، فكأنما تحاول أن تجمع الجيليه في إناء شبكي.

هذه مقتطفات محررة من ” العبور “، قام بترجمتها كلّ من روث أحمدزاي كيمب ونشوى غوانلوك.


التعليقات