بغداد 29°C
دمشق 23°C
الخميس 24 سبتمبر 2020

الستارة الحديدية الجديدة


لوموند 29/8/2015

ترجمة موقع الحل السوري

 

لقد كانت هجرة من نوع آخر، سباق محموم نحو الحرية، أكثر تنظيماً وثراءً بقليل من ملحمة المهاجرين اليوم عبر البحر الأبيض المتوسط، كان هروباً أيضاً ولكن أقل خطورة وإن لم يخلُ من المخاطر. حيث لعبت #المجر (هنغاريا) دوراً مفصلياً بفتح أبواب العالم الحرّ لعشرات الآلاف من اللاجئين من #ألمانيا الشرقية محاولين الوصول إلى الغرب.

منذ 26 عاماً، وفي العاشر من أيلول 1989، قررت المجر (الصغيرة) ـ متحدية أمر الكتلة الشيوعية ـ فتح حدودها مع #النمسا بوجه ما يقارب 60000 شخص من ألمانيا الشرقية الذين تدفقوا طوال فصل الصيف إلى #تشيكوسلوفاكيا ثم إلى المجر بمحاولة للخروج نحو النمسا للفوز بالوصول لألمانيا الغربية، وقد تم ذلك بفضل ضربات مقص المجريين للستارة الحديدية في أيار. بعد ذلك بيومين، استطاع أكثر من 10000 منهم أن يجتازوا الحدود: لقد كانت السبل مفتوحة وكان يجب ألا تغلق بعد ذلك. وقد كان هذا وعد وزير الخارجية المجري لنظيره الألماني الغربي القلِق من ازدياد مخيمات اللاجئين من ألمانيا الشرقية في المجر: “لا أعلم كيف سنحل المشكلة، لكن هناك شيء واحد أكيد: نحن لن نعيدهم إلى ألمانيا الشرقية”.

تهديد عظيم:

ها هي نفس الدولة اليوم ـ والتي هي عضو في الاتحاد الأوربي ـ تحصّن حدودها مع #صربيا لمنع تدفق اللاجئين والمهاجرين في القرن الواحد والعشرين. هم أيضاً يسعون للوصول إلى ألمانيا، لكنهم قادمون من أماكن أبعد، من بلاد الحرب والبؤس، بعد سفر استمر لشهور. هي نفسها اليوم المجر التي تنشر أجهزة مكافحة الشغب لمنع التدفق الهائل، وتطلب عسكرة الحدود! هي حكومة الدولة نفسها من قام بوضع ملصقات لتقول للأجانب بأنهم غير مرحب بهم.

لكن سيكون من الظلم إلقاء اللوم على سلوك المجر وحدها. فقد سبقتها #بلغاريا منذ شباط 2014 ببناء جدار سميك من الأسلاك الشائكة على الحدود التركية لوقف تدفق المهاجرين. وعندما بلغت الأزمة من الشدة لدرجة لم يعد بإمكان الدول الأوربية غير الحدودية تجاهلها، تلقت بلغاريا والمجر الدعم اللازم.

الشرق ضد الغرب: الشرخ المفتوح ضمن #الاتحاد_الأوربي حول هذه المسألة أخذ منعطفاً دراماتيكياً في المجلس الأوربي في 25 و26 حزيران. الدول الشيوعية السابقة بمواجهة الدول الأوربية القديمة. الموضوع لم يكن أن دول أوربا الغربية أبدت كرمها، لكن المجر وسلوفاكيا والتشيك وبولونيا وبلغاريا قد شكّلوا حلفاً رافضين فكرة تقسيم اللاجئين بنظام الحصة. لقد رفضوا ذلك ولم يجدوا صعوبة بالتصريح بذلك. عدد من المشاركين خرج من الاجتماع وهو يشكو من آثار الفجوة الفكرية والثقافية بين نوعين من المجتمعات قد اجتمعا ضمن ما كانوا يعتقدون أنه مجتمع من القيم.

دول أوربا الوسطى تتجاهل أن التضامن ليس عطاء من طرف واحد

بقوة ليّ الذراع، التزمت مؤخراً #بروكسل باستضافة عدة آلاف من اللاجئين. لكن في الواقع، فإن الأمور لم تتحسن، إن لم تزدد سوءاً. في أحد الأيام، طالب نائب رئيس الوزراء التشيكي “اندريج بابيس” بإغلاق منطقة الشنغن لحماية #أوربا من المهاجرين، في حين أجاب رئيس الجمهورية “ميلوس زيمان” رداً لشكوى من اللاجئين من سوء المعاملة: “لم يطلب أحد منكم المجيء”.

من جهة أخرى، رئيس الوزراء السلوفاكي “روبرت فيكو” الذي وافق على استقبال 200 لاجئ لكن فقط من “المسيحيين السوريين”، يتساءل: “لماذا على سلوفاكيا أن تشعر بالالتزام مع أنها ليست مَن سبّبَ الفوضى في #ليبيا”. بينما يشرح مسؤول سلوفاكي آخر بأن بلاده لا يمكنها استقبال المسلمين لأنه “لا يجد لديها مساجد”. كذلك تقول المسؤولة عن جمعية “استرا” والمكلفة باستقبال اللاجئين المسيحيين السوريين في بولونيا دونما حياء بأن المسلمين يشكلون تهديداً عظيماً للمجتمع البولوني.

لحُسن الحظ، إن هذا الخطاب ليس موحداً، حيث ترتفع أصوات أكثر استنارةً في #وارسو و #براغ و #بودابست. كيف نفسر أن الكثير من قيادي هذه البلاد لهم ذاكرة قصيرة جداً؟ لماذا يكون عدم التسامح والكراهية أكثر تجاه دول الشرق؟ كيف نبرر عدم تضامن الأطفال الذين استفادوا من الوصول إلى أوربا الحرة مع الأطفال الواصلين حديثاً؟ لماذا هذا الهلع على الهوية الأثنية والثقافية والدينية للمجتمعات الغربية الحديثة؟

لقد كشفت أزمة المهاجرين العنيفة لدول أوربا الوسطى العديد من الحقائق المدفونة. لقد ورثوا من النازية والستالينية إما تجانساً عرقياً أو دينياً مختلفاً تماماً عن تركيب المجتمعات الأوربية الغربية (قبل الحرب، كان 15% من الشعب البولوني مكوّن من أقليات و10% من البولونيين كانوا يهود)، أو رؤية عدائية للأقليات التي فُرضت عليهم (الروس مثلاً في دول البلطيق): هذا الإرث لم يتم استيعابه بعد. وإذا كان الانضمام إلى الاتحاد الأوربي قد سمح لهم بالحصول على عدة مليارات من اليورو تحت عنوان التضامن الأوربي، فإن هذه الدول تتجاهل أن التضامن ليس عطاء من طرف واحد. وقد جاءت اللحظة لإظهار أن هذا العطاء متبادل. هل ستكون لهذه الصحوة المؤلمة فائدة؟ هذا سيكون الاختبار الحقيقي لأوربا.


التعليقات