بغداد 32°C
دمشق 25°C
الأربعاء 23 سبتمبر 2020

هل يحصد السوريون نوبل القادم .. رباعية السلام


 

د. محمد حبش

تم الإعلان رسمياً عن فوز الرباعي التونسي الذي هندس المصالحة التونسية لجائزة #نوبل للسلام لعام  2015، وسيتم تكريم هذا الرباعي في حفل ملكي هائل في #النرويج ينتظره العالم كله.

 

والرباعي الفائز هو أربع منظمات أهلية تونسية هي الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وقد عملت هذه الجهات الأربعة بشكل جدي ومسؤول على بناء حوار موثوق وفعال بين فرقاء الصراع في المجتمع التونسي حين كانت البلاد على شفا حرب أهلية بعد الفراغ الذي أصاب البلاد، ووصل الإسلاميون من خلاله إلى السلطة في لحظات انفعالية، عاد الجمهور بعد ذلك ليستأنف موجة جديدة من الثورة ضد حكم النهضة.

ولمن لا يعلم فنوبل للسلام هي جائزة تعطى لأكثر الأفراد أو المشاريع فعالية وتأثيراً في صناعة السلام، وقد اكتسبت الجائزة على مدار مئة عام احتراماً دولياً كبيراُ ويكرم الفائزون بنوبل كما يكرم زعماء العالم في كل مكان في الأرض، وعلى سبيل المثال فإن أمريكا تمنح الجنسية مباشرة لمن يطلبها من الحائزين على نوبل.

والرباعي التونسي الذي نال الجائزة هي أربعة قوى وطنية عملت في تونس بحكمة وروية لإنجاز المصالحات والتسويات التي أفرزتها الثورة بعد رحيل زين العابدين بن علي، حيث دخل الشعب في صراع مع الايديولوجيا الحاكمة وكاد الصراع أن يذهب الى دموية فاتكة لولا الجهود الكبيرة التي بذلها مخلصون كبار وأثمرت هذه النتيجة.

ومع أننا معنيون هنا بالحل السوري، وليس بالحل التونسي ولكن التوانسة كانوا برشا واعين لما يفعلون، واستطاعوا أن ينجزوا سلمهم الأهلي بهندسة فريدة لبناء الحوار الإيجابي قام بها شرفاء مخلصون من أبناء #تونس.

ومن الإنصاف أن نقول إن الرجل الذي يستحق هذا التكريم في رأيي هو راشد الغنوشي تحديداً، الذي كان يملك كل مفاتيح اللعبة، وكان قادراً على توجيه الشعب للثورة المضادة من أجل الاحتفاظ بمكاسب الثورة، وكان بإمكانه أن يقول إنها للحظة تاريخية ولن نتخلى عن حاكمية الله بعد إذ ائتمننا عليها الناس، وسنقاتل حتى آخر قطرة للدفاع عن حاكمية الله، ولكن الرجل أظهر تعقلاً غير محدود، وحكمة لا نظير لها، واستجاب بكل شجاعة لشرط المصالحة والاستقرار وهو تحييد الايديولوجيات في العمل السياسي أو بتعبير المغاربة تمييز الدين عن الدولة.

بالنسبة لي لا تربطني بالغنوشي أي صلة، وغاية ما أعرفه عنه أنه رجل فظ، وقد التقيته مرة واحدة ولم يترك لدي أي أثر إيجابي، ولم ينجح في رسم ابتسامة مجاملة،  فقد بدا فظاً ومتكبراً، ولكنني مع ذلك لا أستطيع جحد الحقيقة في أن هذا الرجل من أعمدة الحكمة العربية، وأن مواقفه السياسية والاجتماعية تحقق الحكمة والوعي المطلوب لمن يتصدى للعمل العام، وفي حوار أجرته معه بي بي سي سألته المذيعة ماذا تفعلون أيها الإسلاميون إذا جاءتكم الديمقراطية بحزب ملحد لا يؤمن بالله، كان السؤال استفزازيا إلى الغاية فلا يمكن على الإطلاق أن تأتي الديمقراطية الصحيحة بملحدين إلى الحكم في بلد عربي أو إسلامي، وهذه طبيعة الأشياء وطبيعة الديمقراطية، ولكن جوابه كان في غاية الحكمة وقال: لو حصل ذلك فسأقبل خيار الشعب، ثم أراجع فريقي ومنطقي وخطابي وعملي، وأنتج ما هو أفضل ثم أتوجه للشعب مرة أخرى لإقناعه أن يختار موقفاً آخر في الانتخابات القادمة، وحين أفشل فإن المسؤول عن الفشل أنا وليس الإسلام.

وفي تعبير مهم قال الغنوشي: الاسلام حقق تاريخياً ثقافة العيش المشترك، و #العراق الذي كان عاصمة الخلافة الإسلامية أكثر من خمسة قرون هو في الواقع متحف أديان فيه المسلمون بطوائفهم والنصارى واليهود والصابئة والإزيديون والزرادشتيون والمانويون والمزدكيون ومع ذلك فقد ظل التنوع مزدهراً، وتمكن فيه العيش المشترك، ولم يجر استئصال الناس بأي وجه خلال العصر الذهبي للإسلام.

وبعيداً عن التفاصيل التونسية للحدث فإن السؤال الأخضر هنا هل نسمع في العام القادم عن الرباعية السورية التي تستحق نوبل؟

تبدو الكارثة السورية أعقد وأقسى من أن يتصدى لها نويل، فالحرب في #سوريا لم تعد قرار السوريين ولا تتوقف على مصالحاتهم، ولم يبق شر في الدنيا إلا وأدلى دلوه في هذه الحرب المجنونة، وأصبح من الواقعي تماماً أن نبحث عن الحلول في الخارج بعد أن صار الداخل مستباحاً، وبعد أن أصبح الفضاء السوري محتاجاً لشرطة مرور تنظم تدفق الطائرات الغازية، وتمنع تصادمها، وأصبح محتوماً على الباحثين عن السلام استلام مراكب اللجوء إلى جزر هيلانة….

السلام في سوريا قاس ومرير ولكنه ليس مستحيلاً، ودور الغرباء يتعاظم ويتناقص طرداً بالتناسب مع واقع الاتفاق والانقسام الداخلي، فلا يستطيع أحد أن يركب ظهرك إلا وحده محنياً، ولن تستطيع الأمم أن تركب مطاياناً إلا عندما نكون متخاصمين أعداء، ونفشل في اكتشاف القواسم المشتركة فيما بيننا.

من المؤسف القول إن أكثر الثوار تطرفاً وهمجية وإقصائية هم المعارضون الراقدون في عسل البلاد البعيدة يطالبون بالحلول الإقصائية ولو استمر الموت مائة عام، وهم كثوار الفيس بوك، الذين يكتبون بأسماء وهمية ثم يذهبون في تسفيه كل سعي للوفاق والوئام، حيث لا رقيب ولا حسيب، ومع هؤلاء بالفعل لا يجدي أي حوار في الوئام والمصالحة، ولديهم ركام من الكراهية والحقد لكل ما هو جميل ولكل ما هو أمل.

ولكنني أجزم لك أن الثوار من أصحاب الخنادق أكثر واقعية من كل هؤلاء، وهم يتصرفون بوجه أكثر حكمة، ذلك أن المرء حين يمسك بزناد الموت فهو أبصر بشروط الحياة، وذلك حين يكون قتاله لأهداف نبيلة تتصل برفع الظلم وتحقيق الكرامة، وفي حوار طويل مع عدد من الفصائل المقاتلة ومن أبرزها فريق أحرار الشام الذي هو أكبر الفصائل المقاتلة في سوريا، فقد توصلنا إلى مشترك أكبر بكثير مما كنا نتوقع، لقد كانت المسافات في بداية الحوار متباعدة، ومنطق الجماعة معروف ومفهوم في وجوب القتال لرد الظلم، ومن ثم إقامة حاكمية الله، وانتصار الشريعة، وإقامة الدولة الإسلامية، ومن البدهي أن موقفاً كهذا في بلد مثل سوريا لن يحظى بأي قبول ديمقراطي نظرا لتعدد الثقافات والمذاهب والأديان، خاصة بعد أن أصبح الحديث عن الدولة الإسلامية يحمل في مضامينه مباشرة تلك التجارب الدموية التي رآها السوريون تحت رايات الخلافة على منهاج النبوة.

قال لي محاوري: أنت فقيه في الشريعة وأنت تعلم أن الله تعبدنا بإقامة شريعته والحاكمية بأمره، ورجالنا في المعارك هم أبناء هذه العقيدة، وحين نتخلى عنها فإنهم سيتخلون عنا، ونحن ماضون حتى إقامة شرع الله ولو كره الكافرون ولو كره المشركون ولو كره من كره.

ولكن الحوار الصادق والمسؤول مع هذه الفصائل وصل بنا إلى نتائج جديدة، قلت لهم: هل تريدون الوصول إلى هذه الغايات بالحوار أم بالمغالبة؟ وكان الجواب على الفور بالحوار، والحوار هنا يعني رفض الإكراه والاحتكام إلى أدوات الديمقراطية في قياس الرأي وتحقيق الشورى، وعلى الفور قلت لهم إذن تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، والكلمة السواء التي اقترحناها عليهم كانت دستور 1950 وهو دستور سوري مدني، كتب في العصر الذهبي للديمقراطية السورية، وأصبح مرجعاً لكل الدساتير التي جاءت من بعده.

بعد حوار طويل أقر المشاركون جميعاً مبدأ الاحتكام إلى دستور 1950 في الفترة الانتقالية، وهو ما سيفضي بالضرورة إلى دولة مدنية يمكن من خلالها أن يطرح الإسلاميون والعلمانيون مشاريعهم، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

كان بالإمكان أن يقرأ النظام هذه الرسائل، وأن يدرك أن هؤلاء الشباب الثائرين لا يحملون قلوباً سوداء، وأنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم بسبب ظلمه وجوره وقتاله وبغيه، وأن يبحث في ثنايا هذه المواقف عن حلول إيجابية تنقذ الوطن والناس من أفظع كارثة بشرية في القرن الجديد.

إنه محض مثال، ويمكن للذين يخوضون الحوارات المسؤولة أن يقدموا أمثلة كثيرة في هذا السبيل، والمطلوب الآن هو مهندس المصالحات والحوارات الذي يستطيع ان يركب هذه الوفاقيات ويمضي بها إلى نهاية سعيدة تجمع أطراف الصراع على مائدة الحوار المسؤول.

المطلوب اليوم هو رباعي سوري، يجعل هدفه حوار السلام، حتى في ظل آلة الحرب المجنونة، ويعمل على التقاط إشارات السلام من الأطراف المتحاربة، ويكرس إنتاج المشترك بين السوريين من أجل نهاية مقبولة لصوت الحرب.

على الرغم من المأساة المريرة، وتحول نصف الشعب الى لاجئين، ورحيل مليون ضحية بين قتيل ومفقود ومعاق، فإن رسالة الأمل ممكنة، والوعد بأمل سوري حقيقي يقود الحوار ما زال ممكناً، أو على الأقل مطلوباً وضرورياً.

الرباعية التي يمكنها أن تنقذ البلاد هي مائدة تجمع الشرفاء في الدولة السورية، مع القادة الوطنيين والمحاربين، بالاستفادة من نفوذ الدول الكبرى التي تنخرط اليوم في المسالة السورية، إنها مسألة هندسة، وقراءة لمكامن النفوذ وإقناع الناس بالجلوس إلى موائد الحوار.

المحاور المطلوب ليس بالضرورة صاحب نفوذ على الأرض، إنه مهندس المواقف المتناقضة والمصالح المتبعثرة، ولكنه يذهب إلى مكامن التأثير بوصفه مهندس مفاوضات وليس صانع قرارات، ويستفيد من التأثير الهائل للدول المنخرطة في المسالة السورية والتي لها دوماً رأس واحد يمكن محاورته ومفاوضته وفهم اشتراطاته.

من هو مهندس النهاية الخضراء لهذا الموت الأسود؟ سؤال نتركه برسم الأيام..

هل ترقب نوبل في العام القادم حراكاً سوريا يستحق أن يخلد في ديوان السلام، نعيش بالأمل والألم، ونستودع الله ضمائر الغيب…ومن يدري؟  والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


التعليقات