بغداد 32°C
دمشق 27°C
الثلاثاء 29 سبتمبر 2020

من محطات الأزمة السورية “قطاع الصناعات الدوائية في مواجهة التيار”


إعداد: د. عبد الصمد اسماعيل

إذا كانت الصناعة الدوائية إحدى أهم القطاعات الإنتاجية داخل الاقتصادات الوطنية لمختلف بلدان العالم فإنها تشكل أحد أهم مفاصل الاقتصاد الوطني في سوريا من حيث مساهمته في الناتج الوطني أو من حيث كونه أحد القوائم الرئيسية للجسم الصحي، ورفده السوق #السورية بحاجتها من الأدوية والمستحضرات الطبية بما يسد حاجتها لدرجة عالية ومع ذلك فقد تركت الأزمة وتبعاتها آثاراً سلبية كبيرة على الواقع الاقتصادي والإنتاجي لهذا القطاع ليكون أحد المحطات الأخرى من محطات ضحايا #الأزمة.

قطاع الدواء قبل سنوات الأزمة

تتميز صناعة #الدواء في سوريا أنها تعمل وفق “شروط التصنيع الجيدة” العالمية ( GMP ) وتعمل جميع معامل القطاع الخاص تحت إشراف ورقابة وزارة الصحة تصنيفاً وتحليلاً وفاعلية وتسويقاً ووفق شروط منظمة الصحة العالمية حتى حصل العديد منها على امتيازات من الشركات الأجنبية حيث وصل عدد الشركات المانحة للامتياز 58 شركة ما ساهم بتحسين جودة ونوعية الدواء المنتج محلياً ومنافسته السعرية مع الأصناف الدوائية المستوردة من الخارج.

وقد شهد قطاع الصناعة الدوائية #السورية تطوراً ملحوظاً في السنوات التي سبقت الأزمة وشكل هذا القطاع رافداً أساسياً للاقتصاد الوطني من خلال تغطية معظم حاجة السوق المحلية من الدواء والتي كانت مقدرة بـ 550 مليون دولار عام 2010 والقيام بتصدير ما قيمته 210 مليون دولار للأسواق الخارجية #العربية والآسيوية والأفريقية.
medcail_1440245692
في عام 1987 بدأ القطاع الخاص في سوريا الدخول إلى #سوق صناعة الدواء فكانت بداية مرحلة التشكل الحقيقي لهذه الصناعة بعد أن كانت تقتصر على شركتي #تاميكو والديماس التابعتين للقطاع العام.

وفي نهاية 2010 وصل عدد المعامل والشركات الدوائية في سوريا إلى 72 معملاً بحسب مديرية الرقابة الدوائية في وزارة الصحة تؤمن حاجة البلاد من معظم الاصناف الدوائية وتغطي حاجة السوق المحلية بأكثر من 93%وتنتج هذه المعامل كافة الاحتياجات الدوائية للسوق ما عدا تلك المتعلقة بالأورام السرطانية والتصلب اللويحي ومشتقات الدم وأمراض الكبد والأدوية البيولوجية والهرمونية واللقاحات التي غالباً ما كانت تقدمها المنظمات العالمية مجاناً.

وقد حاز هذا القطاع على أهمية استثنائية نتيجة الخدمات الكبيرة التي يقدمها للمواطنين في معالجة الأمراض والأوبئة وتشغيل قطاع الصيدلة فضلاً عن الأرباح العالية المحققة فيه والتي كانت تصل غالباً إلى حدود 25%، ما شكل حافزاً لتوجه رؤوس الأموال الخاصة نحو الاستثمارفيه ليشكل بذلك قطاعاً اقتصادياً بامتياز.

ظروف الأزمة والعقوبات الاقتصادية ألحقت أضرار جسيمة بقطاع الدواء

لقد تركت العقوبات الاقتصادية المفروضة على الحكومة #السورية آثاراً سلبية واضحة على قطاع إنتاج الدواء في سوريا فقد بات من الصعوبة بمكان توفير المواد الأولية اللازمة لعملية الإنتاج بسبب صعوبات في #النقل والشحن إلا من خلال دول وسيطة كلبنان بعد أن كانت تنقل عبر مطار #دمشق الدولي أو من خلال صعوبة تحويل التمويل اللازم لتغطية عملية الاستيراد، فضلاً عن تدهور أسعار الصرف وتأثر قدرة المنتجين على توفير التمويل اللازم لمستورداتهم كانت النتيجة انخفاضاً في الإنتاج وفقدان الكثير من الأصناف الدوائية في السوق المحلية.

1357701876

كما أدت الأزمة إلى خلق ظروف صحية سيئة أدت إلى تزايد انتقال العديد من الأمراض المعدية كاليرقان والسل مثلاً بسبب ظروف النزوح وتجمع أعداد كبيرة من المواطنين في أماكن محصورة وغير نظيفة واستخدامهم مرافق الخدمات المشتركة فقد كان ذلك كله سبباً لارتفاع حجم الطلب على بعض الأصناف الدوائية وبالأخص أدوية الالتهابات والمضادات الحيوية ومضادات السعال العشبية.

ولم يسلم الجسم الطبي من مشاف وعيادات وأطباء وصيدليات ومخابر وتجهيزات طبية وأجور العاملين فيه من تبعات الأزمة الخطيرة التي تعيشها سورية والتي تمثلت بما يلي:

– فقد خرجت الكثير من المشافي عن الخدمة.

– وهاجر آلاف الأطباء الاختصاصيين والمقيمين في المشافي إلى خارج البلاد.

– وأصيبت سوق الدواء بنقص واضح وصل فيبعض الأوقات لأكثر من40%.

– وتراجعت العمليات الرقابية على الواقع الطبي والصحي بسبب غياب المؤسسات الفعالة مما أدى إلى عدم الالتزام الكامل من قبل الشركات المصنعة بشروط ومعايير التصنيع الدوائي المعتمدة من قبل وزارة الصحة السورية.

– وبالتالي انخفاضاً في جودة تصنيع العديد من الأدوية المنتجة محلياً بسبب اعتمادها على المواد الأولية رخيصة الثمن أو سوءاً في ظروف التعقيم والنظافة.

– إضافة إلى انقطاع طرق االنقل والمواصلات بين محافظات القطر مما انعكس صعوبات في نقل وإيصال الأدوية والمستلزمات الطبية إلى الأسواق.

02_01_2013-02-56-19-2343750

– فضلاً عن تراجع حجم الاعتمادات الحكومية المخصصة للقطاع الصحي في الموازنة العامة للدولة.
كل ذلك ألحق بالقطاع الصحي أضراراً كبيرة انعكست انخفاضاً في مستويات الإنتاج المادي أو الخدمي فيه وارتفاعاً في الأسعار والأجور التي يدفع فاتورتها المواطن في كل الأحوال. فقد ذكر تقرير صدر عن منظمة اليونيسيف العام الحالي أن أكثر من 50% من المشافي السورية خرجت من الخدمة وأن حوالي نصف الأطباء السوريون غادروا البلاد. وإذا أضفنا إلى ذلك القرار الحكومي بشأن رفع أسعار الدواء بنسبة 56% ثم تقليص كمية إمدادات المشافي العامة من الأدوية والمستلزمات الطبية فقد تسبب ذلك كله بتدهور نظام الدعم الصحي وتراجعاً في مستوى الخدمات المقدمة فيه.

التحديات التي تواجهها صناعة الدواء
تتوزع معامل الأدوية بشكل رئيسي بين ثلاث محافظات هي #حلب 40% وريف دمشق وحمص 60% حيث تنتج معامل حلب حوالي 55% من إنتاج الدواء في سوريا.

– وغالباً ما تعرضت هذه المناطق للقصف او التدمير أو جرت فيها معارك ومواجهات مسلحة ما زالت تتصاعد حتى تاريخه مما ألحق بالمعامل الموجودة أضراراً كبيرة تعددت بين تراجع إنتاجها ونزوح او هجرة العاملين فيها بسبب عدم تمكنهم من الوصول والعودة إلى أماكن عملهم وحتى توقفها عن الإنتاج ومحاولة بعض الجماعات المسلحة السيطرة الكاملة على المعامل (كما فعلت داعش في معمل آسيا). الأمر الذي تسبب في تراجع حجم الإنتاج الكلي من الأدوية بنسبة تراحت بين 20 إلى 40%.

– وإذا كانت العقوبات الاقتصادية التي فرضها المجتمع الدولي على الحكومة السورية قد طالت قطاع صناعة الدواء بشكل أو بآخر فقد تسببت بإيجاد العديد من المعوقات في وجه هذه الصناعة التي كانت تتجه نحو الاكتفاء الذاتي.

حيث تمتنع الكثير من شركات الشحن نقل البضائع إلى سوريا بسبب العقوبات أو تطلب بمبالغ كبيرة لقاء ذلك فيضطر #المستوردون للمواد الأولية الداخلة في الإنتاج إلى شحنها لإحدى البلدان المجاورة ولا سيما #لبنان ثم إدخالها إلى سوريا. كما قيدت هذه العقوبات من التحويلات المصرفية أو زادت من صعوبة إجراءاتها مما يتسبب بتأخر وصول المواد الأولية أو الأدوية.

– كما أدى احجام الشركات الأوربية عن التعامل مع المستوردين المحليين نتيجة المعوقات المذكورة أعلاه إلى البحث عن مصادر أخرى للمواد الأولية لصناعة الأدوية وخاصة الصين والهند إلا أنها لا ترتقي إلى مستوى جودة المواد الأوربية.

– وأدى اتساع دائرة المواجهات والعنف على الأراضي السورية إلى صعوبة الوصول إلى المعامل الواقعة في المناطق الساخنة فضلاً عن المصاعب المتعلقة بتأمين موارد الطاقة الكهربائية اللازمة للإنتاج أو تلك المتعلقة بنقل الإنتاج من المعمل إلى أسواق التصريف أمام شح الوقود وخاصة المازوت فضلاً عن تناقص اليد العاملة هرباً من العنف أو القصف مما تسبب في تراجع حجم الإنتاج المحلي من الدواءبشكل ملحوظ بل وفقدان العديد من الأصناف الدوائية من الأسواق.

– بقي أن نذكر ان من التحديات التي تواجهها الصناعة الدوائية إرتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة تدهور سعر الصرف وبالتالي إرتفاع تكاليف المستوردات من المواد الأولية اللازمة للإنتاج من جهة ومن جهة ثانية ارتفاع أسعار المواد المكملة للصناعة كالزجاج والكرتون والبلاستيك اللازم لعمليات التعبئة والتغليف لضمان النظافة وجودة التخزين مما شكل اعباء مالية إضافية على تكلفة الإنتاج وهذا ما دعى وزارة الصحة بالسماح لشركات الدواء بطرحها في السوق بدون عبوات بغية تخفيض التكاليف إلا أنها عادت وأكدت على عدم السماح بذلك مجدداً بعد قرار رفع أسعار الدواء.

PHARMACEUTICAL INDUSTRY PACKAGING

PHARMACEUTICAL INDUSTRY PACKAGING

التراجع في الإنتاج أدى إلى فقدان العديد من أصناف الدواء

مع استمرار العقوبات الاقتصادية على سورية وصعوبات العمل والإنتاج في العديد من المعامل والشركات الدوائية في ظل استمرار العمليات العسكرية فقد أصيب هذا القطاع بتراجع قدرته في تأمين حاجة #السوق المحلية من الأدوية والمستحضرات الطبية “نتيجة خروج 24 معملاً من الإنتاج أعيد منها 12 معملاً ولكن بنسبة إنتاج لا تصل إلى 50% عن السابق” بحسب نقيب #الصيادلة فضلاً عن أن الكثير من المعامل لا تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية نتيجة توقف العديد من خطوط الإنتاج لديها بسبب إرتفاع تكاليف الإنتاج وعدم توفر الكميات الكافية من المواد الأولية وصعوبات نقل وتوزيع البضاعة إلى أسواق التصريف في المحافظات الأخرى وغيرها.

وبحسب رئيس مكتب عمال الصناعات الكيماوية في سورية كانت شركة تاميكو التابعة للقطاع العام ” تنتج بمقدار 1.5 مليار ليرة سنوياً أدوية وسيرومات في حين لا يتجاوز إنتاجها السنوي الآن 600 مليون ليرة بسبب توقف جميع خطوط الإنتاج ولا يعمل سوى خطين”، وبذلك “فقد انخفضت نسبة تغطية حاجة السوق من الدواء بحوالي 40%” قبل قرار رفع أسعار الدواء بحسب وزير الصحة إضافة إلى الفقدان المتكرر لبعض الأصناف الدوائية من الأسواق ولا سيما تلك التي كان يعتمد في تأمين مادتها الأولية على الأسواق الأوربية كأدوية أمراض الدرق وبخاخات الربو وأدوية الأمراض المزمنة (الضغط الشرياني السكري التهاب الكبد الحساسية ……الخ)، إضافة إلى الفقدان المتكرر للعديد من انواع اللقاحات وأدوية السل. 4328-2

وذلك بحسب منظمة الصحة العالمية والتي أشارت أيضاً إلى “أنّ المنشآت الصحية توقفت عن العمل في المناطق الأكثر تضرراً بالمواجهات العسكرية، مؤكدة أن التحدي الأكبر يتمثل في إيصال المساعدات للسوريين المتضررين والمحاصرين”.

كما ساهم في فقدان الأدوية من السوق السورية قيام بعض أصحاب #المعامل الواقعة في المناطق خارج سيطرة #الحكومة_السورية بتصدير جزء من إنتاجها عبر الأراضي التركية (تحت ذريعة ضرورةالحصول على القطع الأجنبي وتحقيق أرباح عالية للاستمرار في الإنتاج وصعوبات النقل والتوزيع داخل الأراضي السورية).

غياب الرقابة أثرت على جودة الإنتاج

أدى التراجع الكبير في عمليات الرقابة الحكومية على قطاع الدواء وخاصة في تلك المناطق التي لم تعد خاضعة لسيطرتها إلى رواج تجارة الأدوية المهربة والمخدرات والأدوية المهدئة والتي تجتوي على نسب عالية من المواد المخدرة وانتشار بعض الأصناف الدوائية المزورة أوالتي تفتقد إلى المادة الفعالة وفق النسب والمواصفات المطلوبة حيث يشكو الكثير من المواطنين وأصحاب الصيدليات والأطباء من مشكلة عدم فعالية بعض أنواع الأدوية كأدوية الالتهابات وشرابات السعال وبعض المسكنات، إما نتيجة لعدم جودة المواد الأولية المستخدمة في إنتاجها (يتم استيرادها من #الصين أو الهند كبديل للمنتج الأوربي) أو بسبب تخفيض نسبة المادة الفعالة في الدواء.

صادرات-سورية-447x235
وقد تراجعت كميات الدواء في الأسواق بشكل ملحوظ لكل الصعوبات التي بدأت ترافقها نتيجة الأزمة التي تعيشها سورية والملخصة في ما يلي:
– إرتفاع أسعار المواد الأولية المستوردة وصعوبة تأمينها نتيجة العقوبات الاقتصادية.
– الأضرار المادية التي لحقت بالمنشآت الدوائية نتيجة العمليات والمواجهات العسكرية.
– نزوح العاملين أوصعوبة وصولهم إلى أماكن العمل وهروب الكفاءات إلى خارج سوريا.
– إرتفاع كلف الإنتاج نتيجة إرتفاع أسعار المواد الأولية والوقود والطاقة الكهربائية.
– تدهور سعر الصرف وانخفاض قيمة الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي.

الإجراءات الحكومية والحلول الممكنة

كل ذلك دفع بالحكومة السورية وتحت ضغط إرتفاع نسبة الاستيراد لأكثر من 20% من حاجة السوق بعد أن كانت أقل من 7% عام 2010 ودخول كميات من الأدوية المهربة إلى السوق وتلاعب التجار بأسعارها دفعت بالحكومة لإتخاذ العديد من الإجراءات كان أولها رفع أسعار الدواء بنسبة وصلت إلى 56% في آب الماضي بهدف دعم أصحاب المعامل وتحفيزهم على الاستمرار في الإنتاج كما اتخذت بعض الإجراءات الأخرى التي من شأنها إعادة الحياة إلى هذا القطاع الحيوي والهام اقتصادياً وصحياً وبشرياً والحفاظ على إمداد السوق باحتياجاتها من الدواء ومحاولة سد النقص في بعض الأصناف الدوائية من خلال ما يلي بحسب المسؤولين في وزارة الصحة إضافة للحلول التي نقترحها:

– السماح للمشافي والهيئات الطبية التابعة لمختلف الوزارات لإستيراد وشراء الأدوية غير المسجلة لدى وزارة الصحة وغير الموجودة في الأسواق مباشرة وبقيمة تصل إلى 50 ألف دولار.

– الطلب من #الوزارات المعنية بتأمين المعامل وطرق نقل وتوزيع الدواء إلى المحافظات.

– الطلب من الجهات المعنية بتأمين مستلزمات الطاقة #الكهربائية وحاجة المعامل منها لضمان استمرارها في الإنتاج.

– الطلب من مديرية الإمداد في وزارة الصحة بتأمين كل الأصناف الدوائية في مستودعات المديرية المركزية واعتمادها كمخزونات استراتيجية.

– تقديم كل الدعم اللازم لأصحاب المعامل الدوائية لتمكينهم من تأمين مستلزماتهم الإنتاجية بالسعر والجودة المناسبين.

– العمل من خلال المنظمات الدولية لتأمين حاجة سوريا من #الأدوية_السرطانية واللقاحات.

– الطلب ومن خلال منظمة الصحة العالمية من الحكومات #الأوربية لرفع العقوبات المتعلقة بقطاع الدواء والعمليات المتعلقة به من شحن وتحويلات مالية وتصدير التقنيات اللازمة له إلى سوريا.

– القيام بإجراء عمليات التكامل في #الإنتاج بين المعامل الدوائية من خلال تقديم المساعدة لبعضهم والبعض واستخدام خطوط إنتاجهم بكامل طاقاتها ولو كان الإنتاج يعود لشركات متعددة.

(باحث وأكاديمي سوري)


التعليقات