بغداد 4°C
دمشق 3°C
الأربعاء 27 يناير 2021
القرار الدولي ليس للسوريين - الحل نت

القرار الدولي ليس للسوريين


عمّار ديّوب

من أكبر الأوهام التي عممتها المعارضة السورية، الاعتقاد أن الدول العظمى، ومنها #أمريكا، ستنصف السوريين، وكذلك الاتحاد الأوربي، متجاهلين أن الدول العظمى لا تنصر أهداف الثورات بل تعمل من أجل تشويهها وإرساء نظم ضعيفة وهامشية، وجعلها مثالاً مخيفاً لبقية شعوب الأرض كي لا يثوروا ثانية، ولهذا  تركوا الثورة تتعفن لتحتل الجهادية الأراضي التي حررها الثوار.

 

القرار الدولي الخاص بسوريا، والذي نال توافقاً دولياً مؤخراً وبرقم 2254، قال بضرورة الاعتماد على القرارات الدولية الخاصة بسوريا ومنها بيان #جنيف وملحقاته وبيانات فيينا، والتي تشتمل على تفاوض بين وفدي النظام والمعارضة وصولاً إلى هيئة حكم انتقالية ومرحلة انتقالية، إذاً هناك خوف عالمي من ترك الحرب مفتوحة في #سوريا؛ الخوف من انهيار دولٍ إقليمية أخرى، أو حروبٍ إقليمية، أو انتشار المجموعات الإرهابية التكفيرية أكثر فأكثر، وكذلك حدوث تصادم كبير كالذي حدث بين #روسيا و #تركيا بسبب إسقاط الطائرة الروسية ولم يتم ضبطه بشكل كامل حتى هذه اللحظة. إذاً لاعتبارات شتى كان هذا القرار، ولم يكن تحت البند السابع وبالتالي هناك صعوبات كبيرة ستعترضه بما فيه الفشل الكامل.

الثورة عموماً وبما فيها الثورة السورية، هي تغيير كامل نحو الأفضل، ولكنها في سوريا فشلت في ذلك. فشلها هذا بالتحديد يؤكد ضرورتها وهذا هو الهام؛ فالثورة كانت من أجل تفكيك التكوين الاقتصادي الإفقاري ومن أجل الديمقراطية ومن أجل عدالة اجتماعية لكافة السوريين بل ومن أجل استرجاع الجولان. لم تعمل المعارضة من أجل هذه الأهداف واختصرتها بمسألة الحرية وفُسرتها تقريباً بالديمقراطية، وتبيّن وبالملموس أن الممكن سياسياً ليس الديمقراطية ذاتها بل شكلٌ للحكم أقرب للتوافق بين مجموعات سياسية ومنها النظام وبرعاية دولية وإقليمية وربما تصبح في لحظة لاحقة مجموعات طائفية تتفق على شكلٍ للحكمِ أقرب للعراق وللبنان. إذاً الخطر الحقيقي ليس في القرار الدولي بل في نتائج المفاوضات التي ستبدأ وربما تنتهي بنظامٍ طائفيٍّ.

السوريون معنيون بالتمترس ورفض كل حكمٍ جديدٍ يرتكز على الطائفية أو اللامركزية السياسية أو يتبنى منهجاً في الاقتصاد هو الليبرالية الكاملة ويكمل ما بدأه النظام ذاته، أو تحكيم دول إقليمية ودولية كروسيا في مستقبلهم. إذاً يفترض دعم التفاوض الحالي للوصول إلى نظامٍ ينصفهم، أي ينصفهم كسوريين وكأهل ثورة وموالين معاً، فالأهم هنا تفكيك شكل النظام الحالي وليس رفض جزء من الشعب السوري والانتقال إلى نظام يمثل الجميع.

لم يقبل النظام بأيّة إصلاحات، ولم تقبل المعارضة بأقل من تغيير كامل، وهذا حق الشعب عليها، ولكن مجريات الحدث السوري تجاوزت ذلك أيضاً. هنا الإشكال، حيث تجاوز ذلك نحو طرح قضايا طائفية وقومية وعشائرية بل وتشكلت خلافة إسلامية ألغت حدود سورية والعراق ولديها مطامح كبرى لاحقة، وهناك عشرات الفصائل الجهادية وبدوره النظام لديه مليشياته والتي يغلب على بعضها وهو أساسي فيها لوناً طائفياً، ويتمركز بشكل رئيس في مدينة حمص واللاذقية وطرطوس. نريد القول هذه الوقائع لا يمكن تجاوزها، والأهم أن الشعب الموالي للنظام فقد مئات الألوف كذلك في الحرب، وهذا أيضاً يجب أخذه بالحسبان حين تصبح سوريا مرتعاً لكافة أشكال التدخل الإقليمي والدولي إضافة للحرب التي تصبح حرباً مذهبية بشكل كبير.

الفقرة السابقة تريد القول أن هناك قراراً دولياً قد يسمح بإيقاف الحرب، ولكنه كذلك قد يدفع بالمفاوضات نحو نظام طائفي، وهذا أخطر ما قد يتضمنه، وروسيا وأمريكا ودول إقليمية لا تعارض ذلك. ما يمنع ذلك وبشكل كامل هو رفضُ سوريٌّ واسع لكل صيغ الطائفية السياسية، ولكن ذلك يتطلب من السوريين الإقرار بأن ثورتهم تخص الموالين والمعارضين، وكافة السوريين وتهتم بمصير عائلات جنود النظام الذين فقدوا أولادهم في الحرب، بل وضد الثورة بالتحديد. التعقيد هذا يتطلب الكثير من العض على الجراح، فكافة التحليلات تشير إن لم نذهب نحو التفاوض فهناك الأفغنة، أي هناك توسع كبير للجهادية في #سوريا واستثمار إقليمي ودولي فيها.

القضايا المؤجلة والتي لم ينص عليها القرار الدولي بشكل دقيق، هي مصير رئيس النظام السوري وتحديد دقيق للمنظمات الإرهابية في سوريا، والمساواة بين بيان جنيف وبيان #فيينا، وبالتالي هي قضايا ستتطلب نقاشاً كبيراً لحسمها. يمكن قراءة هذه القضايا بضوء التوافق الأمريكي الروسي الجديد، أي تصريح بوتين أن التوافق سيؤلم النظام السوري و #إيران، وبالتالي لا يمكن الاستمرار بالخطاب ذاته وتبرير استمرار الحرب سيما أنها أصبحت استنزافية لروسيا والتي فشلت في تشكيل جيش سوري موازٍ لطائراتها المدمرة للمدن السورية والقاتلة للشعب، ويتحرك في المناطق التي يتم الاستيلاء عليها، واستعادة الكثير من المناطق من قبل الفصائل المناهضة للروس حالما تخف نيران الطائرات عنها.

في موازاة القرار الدولي تشكل التحالف الإسلامي في #السعودية، والذي جاء لمواجهة كافة التنظيمات الإرهابية، وربما من أجل إرسال قوات “سنية” إلى مناطق الصراع وقد يكون منها سوريا، وهذا التحالف يعبر عن ورقة إقليمية قوية ضد إيران ويتضمن تحذيراً لروسيا من الاستمرار بسياسات اللعب بسوريا ومحاولة التدخل في #العراق، وضمن هذا الإطار يمكن قراءة التصريحات الأمريكية حول سوريا والعراق، والتي تفيد بأن المنطقة ليست متروكة لروسيا أو لإيران ليعبثوا فيها كما يشاؤون.

القصد هنا أن الوضع السوري أصبح إشكاليّاً وصار يهدد المحيط الإقليمي برمته؛ فسوريا أصبحت قضية إقليمية ودولية بامتياز. #روسيا تعي هذه التطورات وتعي أنّ النظام بصورته القديمة انتهى كليّة وأنها تدخلت لإنقاذه من الانهيار الكلي، وكذلك أمريكا وبالتالي حدث التوافق الدولي.

أخيراً ليس للسوريين أن ينتظروا نصرةً لأهداف ثورتهم من القرار الدولي ومن التفاوض اللاحق له كما يحلمون، بل عليهم انتهاج مشروع وطني ينهي النظام ذاته وكافة قوى المعارضة التي لعبت أدواراً كارثية في وصول الوضع السوري ليصبح منطقة للصراع الدولي والإقليمي ومفتوحاً على مستقبلٍ كارثيٍّ بكل معنى الكلمة.


التعليقات