بغداد 30°C
دمشق 28°C
السبت 19 سبتمبر 2020

عن التغير الديمغرافي في سوريا


عمّار ديّوب

الأفعال الطائفية التي مارسها النظام والمعارضة كانت مدخلاً لقبول فكرة التغير الديمغرافي وجعلها فكرة واقعية بامتياز، وإن كانت هناك أفعال أخرى توازيها وتناقضها. وهذه القراءة ذاتها تستقي الكثير من أهوال الحرب ومن الوعي الديني المطيّف، وغياب الآمال بحلٍّ مرتقبٍ ينهي الكثير من الأوهام التي تبدو وكأنّها حقائق صلدة كالصخر.

 

بداية هذا الحديث هي مدينة #حمص، ورُسِم المشهد حينها أنها أخليت من سكانها “السنة”، ودُعِّم هذا الرأي حينها بكلامٍ عن حرق السجل العقاري والاستيلاء على أحياء ومناطق وأراضٍ “للسنة”. وبرغم خلو أحياء من سكانها فإنها بقيت خالية كما كانت ولم “تُستعمر” بـ “علويين ما”، عدا أن أحياء كثيرة في حمص بقيت على حالها تماماً. في حمص التي دمرها النظام هناك أحياء “مسيحية” وأيضاً لم يعد الأهالي إليها، والسبب يعود لغياب خطة إعمار، وليس بسبب سياسات تغيير ديمغرافي. من حمص وبسبب همجية القصف المستمر، لجأ آلاف الأهالي إلى مدينة #طرطوس، وسواها، ولو أنّ القصد طائفي فقط، لما كانت طرطوس وجهتهم باعتبارها مدينة فيها أغلبية “علوية”. بلدة #القصير في حمص أيضاً جرى الحديث فيها عن تغيير ديمغرافي طائفي، وطبعاً ضُخم مع رفع #حزب_الله لراياته حين احتل البلدة، وكان الحديث عن الإتيان بـ “شيعة” من سوريا وغير سوريا للاستيلاء عليها وعلى القرى المحيطة بها. القصير هذه لم يعد تقريباً أحد من سكانها المسيحيين ولا السنة، وما زالت على حالها.

#إيران، التي تعتمد في سياساتها على تطييف الشيعة ليصبحوا إيرانيين منذ انتصار الجناح السلفي في ثورتها 1979، فعلت الأمر عينه في #العراق و #لبنان من قبل و #اليمن وسوريا، وطبعاً تحاول “تشييع” السنة والعلويين والاسماعيليين والدروز، وأينما تستطيع إلى ذلك سبيلاً؛ إيران تغامر بسياسات طائفية لتفرض نفسها دولةً إقليمية، وقد ساعدتها الولايات المتحدة في سياستها هذه في #أفغانستان والعراق وسوريا، منذ عهد بوش الابن. من هنا أمرت إيران حزب الله “الإيراني” وميليشيات طائفية شيعية عراقية وأفغانية وسواها بمساندة النظام السوري، وحينما فشل الوكيل تدخل الأصيل، عبر حرسها الثوري.

لا شك أن إيران لن تتوانَ عن إحداث تغيير ديموغرافي في سوريا، لو تمكنت منه. هذا الإشكال معقّد للغاية؛ فالتغيير الديموغرافي يقتضي جملة مسائل، ومنها تغيير في الملكية، واستجلاب الأهالي والمحافظة على حياتهم ودفعهم للقتال المستمر، والتحول نحو أكثرية حقيقية في منطقة ما. بخصوص الفكرة الأخيرة أيضاً يجري الحديث عن تحويل “سنة” سوريا إلى أقلية، وطبعاً هذا ضرب من الوهم والشطح الطائفي، فهناك ملايين السوريين لجؤوا إلى طرطوس واللاذقية والسويداء ودمشق هرباً من همجية النظام وسياسات الجهاديين الإجرامية.

الحدث الذي فجّر موضوع التغيير الدموغرافي مجدداً، هو التبادل بين أهالي الزبداني بالتحديد وأهالي الفوعة وكفريا، وهو حديث كما قلت جرى سابقاً مع القصير ونبل والزهراء، وكما فشل السابق، سيفشل اللاحق، ولكن من يقود التبادل هي مجموعات إسلامية في الزبداني، وعن أهالي الفوعة إيران، وخلف ذلك صراع واضح بين #تركيا و #إيران.

الهام هنا، أن رفض أهالي الزبداني فكرة التغيير هذه هو من أوقف عملية الاستبدال الإيرانية، عدا أن كافة المناطق المحيطة بالزبداني لن يتغير من وضعها شيئ، وبالتالي الأمر لا يعدو أن يكون سياسات توظَّف إعلامياً بقصد الإعلاء من المسألة الطائفية وإعطاء النظام دوراً في المفاوضات القادمة، وكذلك ضمان مصالح إيران في سوريا ومحاولة خلق امتداد لحزب الله. التدخل الروسي وأجواء المفاوضات توضح أنه سينكفئ إلى لبنان، وأن إيران بدورها سيتقلص وجودها في سوريا كثيراً، فالتسويات تفترض خروجاً لإيران ودوراً مهيمناً لروسيا وتنسيقاً أكبر مع إسرائيل بخصوص سوريا، وهذا يفترض تهميش حزب الله ليس في سوريا فقط بل وفي لبنان كذلك.

لا شك أن هناك انتقال للأهالي في سوريا من مناطق كثيرة إلى مناطق ومدن أخرى، وهذا يشمل كل سوريا، ولكنها ورغم السياسات الإقليمية الطائفية، ورغم أخطاء المعارضة وتصوير ذلك من زاوية التغيير الديموغرافي الطائفي، فإن ذلك لن يأخذ أبعاداً ديموغرافيةً بالفعل.

ليس بمقدور كافة القوى الطائفية بممارساتها هذه أن تحدث أمراً عظيماً من هذا القبيل، فهذا كان ممكناً في عصور سابقة، أما وأن الأمر كما أوضحناه في سوريا ولأسباب عديدة فإنه لا يمكن تحقيقه على الإطلاق.

المعارضة معنية برفض فكرة التغيير الديموغرافي ولو كانت سياسة ممنهجة للنظام، ذلك أنها ستنتهي حالما تتوقف الحرب، وتتوضح خطط التفاوض والمرحلة الانتقالية والتغيير السياسي وعودة السوريين إلى مدنهم وبلداتهم. النظام لم يعد بقادرٍ على “الصمود والتصدي” بقواه الخاصة، وإيران تتهمّش تباعاً، وروسيا ستفشل كذلك في حال ظلّت معتمدة الخيار العسكري كخيار وحيد. الثورة وطموح السوريين يرفض كل السياسات والحلول البديلة عن أهداف ثورتهم في حياة أفضل، وبالطبع ليس من ضمنها القبول بسياسات تفريقية بين السوريين شبيهة بأفكار التغير الديموغرافي أو الطائفية أو التقسيم وسواها.


التعليقات