بغداد 11°C
دمشق 6°C
السبت 6 مارس 2021
موازنة 2016: التضخم يبتلع ما تبقى من الاقتصاد السوري - الحل نت

موازنة 2016: التضخم يبتلع ما تبقى من الاقتصاد السوري


بلغ حجم الموازنة العامة هذا العام 1980 مليار ليرة

حجم الموازنة يزيد بمقدار 27.4% عن موازنة عام 2015 بالليرة السورية

ازداد العجز في الموازنة من 2.2% (نسبة إلى الناتج المحلي) عام 2010 إلى أكثر من 40.5% عام 2014

سبب العجز الكبير في الموازنة العامة يعود إلى انخفاض الإيرادات الضريبية

قدرت الاعتمادات المخصصة للرواتب والتعويضات في موازنة 2016 نحو 372.07 مليار ليرة

 

د.عبد الصمد اسماعيل*

التراجع الكبير في جميع مفاصل الاقتصاد الوطني لم يثن الحكومة عن إقرار موازنة تضخمية بامتياز ستأتي على الأخضر واليابس من ما تبقى من الموارد المالية والنقدية للحكومة.

يبلغ العجز في موازنة 2016 مبلغ 621.7 مليار ليرة مما يرفع مجموع العجوزات المتراكمة منذعام 2013 إلى 2433 مليار ليرة سورية
وفق سعر الصرف السائد فإن الاعتمادات المخصصة للرواتب والأجور تقل بمقدار 626 مليون دولار عنها في عام 2015 مما يعكس تآكلاً واضحاً في دخول العاملين وأصحاب الدخل المحدود.

“التضخم وتضخيم الأرقام في موازنة 2016”

يعاني الاقتصاد السوري من حالة تضخم غير مسبوقة تتمثل في إرتفاع المستوى العام للأسعار بشكل كبير وتدهور في قيمة العملة المحلية وتآكل معظم الموارد المالية والنقدية للحكومة إلا أن كل ذلك لم يثن الحكومة #السورية عن إقرار موازنة تضخمية لعام 2016 نعتقد أنها ستأتي على الأخضر واليابس من ما تبقى من موارد الحكومة الآخذة بالتراجع الواضح أصلاً نتيجة الأزمة التي تعصف بالبلاد وما تتركه من آثار سلبية خطيرة على الواقع الاقتصادي والمعيشي وحجم الإيرادات المحصلة من جهة ونتيجة للسياسات الاقتصادية والمالية التي تتبعها #الحكومة في ظلها من جهة أخرى والتي تتميز بالاعتماد على تحصيل الإيرادات من الأفراد ضعيفي الدخل أصلاً وضعف نظام التحصيل الضريبي وآليات مكافحة التهرب منه ضمن منظومة #الفساد القائمة أصلاً.

الحقائق الاقتصادية لا يمكن تسويفها

وإذا كانت الحكومة تنوي من خلال إصدار الموازنة في توقيتها وبهذا الحجم الكبير من النفقات المعتمدة فهي بلا شك تريد من وراء ذلك إظهار قوتها أولاً وقوة الاقتصاد الذي تديره ثانياً ونجاع السياسات التي تتبعها للإبقاء عليه قوياً ومواجهاً ومتحدياً حالة الحرب التي تعيشها البلاد.

إلا أن الحقائق الاقتصادية لا يمكن تسويفها لهذه الدرجة لأن كل المؤشرات الاقتصادية والمالية تسير عكس ما تشتهيه الحكومة من تراجع في حجم الناتج المحلي إلى إنخفاض في التحصيلات الضريبية وإرتفاع نسب التضخم والبطالة وإرتفاع الأسعار لمستويات قياسية وتدهور شديد في قيمة الليرة السورية والحجم الكبير للديون المتعثرة للمصارف العامة وغيرها. كلها مؤشرات تفند الصورة التي تريد الحكومة أن تظهر عليها أمام الرأي العام المحلي والخارجي.

فسوريا تعيش حالة من التضخم المالي غير المسبوق تعصف بمعظم المفاصل الاقتصادية والاجتماعية للبلاد وعلى الرغم من ذلك فقد تميز مشروع الموازنة العامة للدولة لعام 2016 بأنه تضخمي بصورة ملحوظة نتيجة إرتفاع حجم النفقات العامة وتخلف الإيرادات عن تغطيتها بأرقام كبيرةالأمر الذي يترك عجزاً واضحاً فيها لا نعتقد بأن الأساليب والسياسات المتبعة من قبل الحكومة السورية قادرة على تمويلها دون أن تتزايد آثارها السلبية اقتصادياًواجتماعياً على المواطنين أولاً وعلى الحكومة أكثر كون جميع موارها نقدية.

332390

موازنة تضخمية بامتياز

تشير القراءة الأولية لحجم الموازنة العامة للدولة لعام 2016 في سورية والبالغة 1980 مليار ليرة سورية وفي ظل الظروف الاقتصادية المتردية التي تعيشها البلاد إلى الهوة الكبيرة بين حجم النفقات والموارد التي سيتم من خلالها تمويل اعتمادات نفقات الموازنة حيث يبلغ العجز المالي بحسب رئيس لجنة الموازنة والحسابات في #مجلس_الشعب 621.730 مليار ليرة #سورية خاصة مع تحليل البنية التركيبية لتك المواردالتي كانت تعتمد بشكل رئيسي على ناتج الثروات الباطنية والمعدنية واستجرار الفوائض المالية (فائض السيولة، فائض الموازنة) من المؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادي المصابة بحالة من الركود نتيجة للعقوبات الاقتصادية المفروضة على الحكومة السورية من جهة وخروج الكثير من المناطق بما فيها من معامل ومصانع وشركات وحقول نفطية من تحت سيطرتها، الأمر الذي تسبب في تراجع حجم إيرادات الحكومة مقابل تزايد إنفاقها بغية التخفيف من تبعات الحرب التي تعيشها البلاد وتمويل العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش في مختلف المناطق #السورية.

الأمر الذي أدى إلى تزايد #العجز في الموازنة العامة ودفع بالحكومة إلى التوجه نحو المصرف المركزي للإستدانة وإصدار كميات جديدة من أوراق البنكوت تزيد من كتلة النقد المعروض في السوق وتتسبب بالتالي في ارتفاعات متلاحقة في الأسعار وتزايد نسب التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية. ترافق ذلك مع سياسات رفع الدعم وتقليص الاعتمادات المخصصة.

safe_image.php_

القيم الحقيقية للأرقام الضحمة في الموازنة

وقد توزعت اعتمادات هذه الموازنة بين 510 مليار للإنفاق الاستثماري 1470 مليار ليرة للإنفاق الجاري خصص منها ما قيمته 973.25 مليار ليرة أي حوالي 2.5 مليار دولار للدعم الاجتماعي وبنسبة وصلت إلى 49.15% من الموازنة، خصص لبعض السلع والخدمات الرئيسية التي تقدمها الدولة كالكهرباء و #المحروقات والخبز والأرز و #السكر وهو يقلب حسب أسعار الصرف بنسبة 100% عن اعتمادات الدعم الاجتماعي في #موازنة 2015 والتي بلغت نحو 983.5 مليار #ليرة أي ما قيمته 4.91 مليار دولار وكان هذا الرقم قد شكل نسبة 63.28% من الموازنة، وهذا ما يعكس توجه الحكومة نحو تقليص حجم الدعم الاجتماعي وبالتالي زيادة حجم الأعباء على كاهل #المواطنين.

وإذا كان حجم هذه الموازنة يزيد بمقدار 27.4% عن موازنة عام 2015 بالليرة #السورية والتي بلغت 1554 مليار ليرة إلا أن هذه الأرقام لا تعكس حقيقة الواقع المالي لها في ظل إرتفاع سعر صرف الليرة السورية لمستويات قياسية بلغت أكثر من 390 ليرة مقابل الدولار وبالتالي فقيمة هذه الاعتمادات مقدرة بالدولار تصل فقط إلى 5.076 مليار دولار مقابل 7.7مليار دولار في عام 2015.

بالتالي فإن موازنة عام 2016 تقل بنسبة 34.07% عن موازنة عام 2015. في حين انخفضت بنسبة 69.23% عن اعتمادات الموازنة عام 2010 والتي بلغت اكثر من 16.5 مليار دولار. ولما كانت الحكومة قد اعتمدت 250 ليرة للدولار الواحد كسعر $صرف رسمي في #الموازنة فهذا يعني أنها تبلغ 7.92 مليار دولار ولكن باحتسابها وفق سعر الصرف السائد الآن تبلغ فقط 5.076 مليار دولار مما يعطينا مؤشراً آخراً على حجم التراجع الواضح في واردتها المالية من جهة والنسبة العالية من #العجز والتضخم الذي تعانيه هذه من جهة ثانية مع كل ما سيتركه ذلك من تبعات سلبية اقتصادية واجتماعية ويلقي بأعباء إضافية على الدين العام.

2363337366

العجز الحكومي يفوق التوقعات

تعكس الموازنة العامة للدولة الصورة الواقعية لجميع الأنشطة الاقتصادية التي تقوم بها الحكومة من جهة كما تعطينا صورة عن الوضع المالي لها من جهة ثانية.

ونتيجة لتراجع الموارد وتزايد الدين العام خلال سنوات الحرب فقد إزداد العجز في الموازنة العامة من 2.2% (نسبة إلى الناتج المحلي) عام 2010 إلى اكثر من 40.5% عام 2014، وفي ظل عدم تقديم الحكومة لأية بيانات مالية حول الحسابات الختامية لميزانيات الدولة عن الفترة الممتدة من عام 2012 ولغاية2015 لا يمكننا حساب العجز الحقيقي المتراكم خلال الفترة المذكورة إلا أنه وبحسب تقديرات الحكومة نفسها والتي عادة ما تكون أقل بكثير من الواقع فقد وصلت هذه العجوزات في موازنات الأعوام الممتدة من 2013 حتى 2016 مبلغ 2433 مليار #ليرة سورية أي حوالي 6.23 مليار دولار بأسعار الصرف الحالية (390ليرة).

ولما واصل النشاط #الاقتصادي خلال العام الماضي تراجعه الواضح وفق قراءة المؤشرات الاقتصادية لا سيما حجم الناتج المحلي الأمر الذي سيؤديحتماً لتزايد العجز خلال العام الحالي بشكل كبير.

ويعود السبب في العجز الكبير في الموازنة العامة إلى إنخفاض الإيرادات الضريبية المقتصرة على المتواجدين في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة ونتيجة الخلل في النظام الضريبي وتهرب كبار المكلفين وأصحاب النفوذ من دفع الضريبة إضافة إلى تراجع عائدات بدل تقديم خدمات الماء والكهرباء في الكثير من المناطق والمحافظات السورية فضلاً عن الإنخفاض الحاد في عائدات النفط والانعدام شبه التام لعائدات السياحة. حيث كانت هذه العناصر تشكل المصادر الأساسية في تمويل الموازنة. (شكلت نسبة الإيرادات الضريبية وعائدات النفط حوالي 7% من الناتج المحلي عام 2010 في حين تراجعت لأقل من 1.5% عام 2015).

Untitled-2-Recovered9

ففي تقرير لمنظمة الإسكوا أشار أن “العجز في الموازنة السورية اتسع مع زيادة مخصصات الإنفاق الجاري، وتقلّصت الإيرادات الضريبية وعائدات #النفط، فارتفع الدين العام ارتفاعا حادا”.

وفي معالجتها لمشكلة العجز في الموازنة اعتمدت الحكومة مجموعة من الأساليب التي تعتبر الأسهل من حيث الاعتماد عليها لسد الفجوة الواسعة بين إيراداتها المتراجعة بشكل كبير ونفقاتها المتزايدة بشكل أكبر:

– الاعتماد على #القروض الخارجية والمساعدات المالية من الدول الحليفة وخاصة إيران.
– الطلب من البنك المركزي القيام بإصدارات نقدية بدون تغطية إنتاجية أو من العملات الصعبة أوالذهب(التمويل بالعجز)
– فرض الضرائب والرسوم غير المباشرة مع ما تسببه من تدهور في الوضع المعيشي لأصحاب الدخل المحدود
– تقليص حجم الدعم المقدم سابقاً لبعض الفئات المجتمعية ورفع أسعار العديد من السلع والمواد الرئيسية كالمازوت والخبز والأدوية مما يزيد من معاناة فئات الشعب الفقيرة.

images

توطين اعتمادات الاستثمارات جغرافياً

من المعروف أن اعتمادات الموازنة العامة تتألف من شقين جاري بلغت 1470 مليار ليرة واستثماري بلغت 510 مليار ليرة بزيادة 100 مليار عن الاعتمادات الاستثمارية لعام 2015 منها 50 مليار ليرة الاعتمادات المخصصة لإعادة الإعمارواعادة تاهيل المنشات العامة والتعويض عن الاضرار التي لحقت بالمنشآت الخاصةأي حوالي 128 مليون دولار فقط والسؤال الذي يمكن طرحه هنا هل البيئة الاستثمارية في #سوريا قادرة على توطين هذا الحجم من الأموال.

من المعلوم أن الاستقرار السياسي والأمني من أولى أسس #الاستثمار والبلاد تعيش منذ قرابة الخمس أعوام اضطرابات امنية واسعة تحولت إلى مسرح للصراعات المسلحة كل ذلك يعني تلاشي البيئة الملائمة للاستثمار أوإقامة المشاريع الاستثمارية.

إلا ان ذلك يعني شيئاً واحداً فقط وهو توجه الحكومة جغرافياً نحو تلك المناطق الآمنة بالنسبة لها لتوظيف تلك الأموال وإقامة استثمارتها و”ستركز على موازنات الوزارات لاستكمال المشاريع الإنتاجية والخدمية والتوسع في قطاع الاتصالات” بحسب رئيس هيئة تخطيط الدولة في الحكومة السورية.

syria2

تآكل دخول العاملين وتراجع فرص العمل

في حين قدرت الاعتمادات المخصصة للرواتب والأجور والتعويضات في موازنة عام 2016 مبلغ 372.07 مليار ليرة سورية أي بزيادتها عن الاعتمادات المخصصة لها في موازنة 2015 بمقدار 56.02 مليار ليرة ولكن وباحتساب سعر الصرف الحالي فهي تبلغ 954.02 مليون دولار وهو مبلغ يقل عن نظيره في عام 2015 بمقدار 626 مليون دولار حجم الانخفاض الحقيقي في كتلة الرواتب والأجور بعد اعتماد اسعار الصرف الحالية.

ما يعكس تآكلاً واضحاً في دخول العاملين وأصحاب الدخل المحدود سيتسبب في تردي أوضاعهم المعيشية وصعوبة تأمينهم لمستلزماتهم الأساسية الأمر الذي سيدفع بأعداد كبيرة منهم نحو الوقوع في مهالك الفقر. وبحسب رئيس لجنة الموازنة والحسابات في مجلس الشعب فإن موازنة 2016 وفرت 64778 فرصة عمل أي بتراجع 29821 فرصة عمل عن عام 2015 مما يعني ضعف قدرة الحكومة في توفير الوظائف والفرص للداخلين إلى سوق العمل تضاف إلى تراجع قدرة القطاع الخاص بسبب الأوضاع الأمنية على توفير فرص عمل جديدة هذا إن لم تقوم بتسريح عامليها الأمر الذي سيؤدي بلا شك إلى ارتفاع نسب #البطالة وتزايد أعداد العاطلين عن العمل مما سيفتح المجال أمام التكهنات حول توجه أعداد منهم للعمل مع الجماعات المسلحة أو في أعمال غير مشروعة كالتهريب أو أعمال خطيرة كتكرير النفط بالأساليب البدائية.

gallery-preview

النتائج وخاتمة القول

في قرائتنا لبعض جوانب الموازنة العامة لسنة 2016 في سوريا وبعض المتغيرات الاقتصادية فيها يمكننا إيراد النتائج التالية:

– الفجوة الكبيرة بين الإيرادات والنفقات والتي بلغت أكثر من 621 مليار ليرة.

– الرقم الكبير للموازنة 1980 مليار ليرة كأكبر موازنة في تاريخ سورية لا يعكس واقعها المالي الحقيقي باعتماد أسعار الصرف ومستويات التضخم التي تجعلها الأدنى منذ 11 عاماً.

– تراجعت موازنة عام 2016 بنسبة 69.23% عن موازنة عام 2010.

– إن التضخم الواضح في حجم الموازنة مع مستويات الأسعار السائدة في السوق ونسب التضخم وتدهور قيمة الليرة ستؤدي إلى تآكل أكثر من نصف قيمتها خلال العام الحالي على أقل تقدير.

– تراجع قيم معظم المصادر الرئيسية الممولة للموازنة العامة كالضرائب وعائدات النفط.

أخيراً نشير إلى أن الرقم الكبير لموازنة 2016 لا يعكس حقيقة القوة الشرائية له في ظل تدهور قيمة الليرة السورية وان العجز المالي المتراكم خلال سنوات الحرب يؤكد أن الحكومة لم تقم بإدارة نفقاتها وإيراتها بالشكل المطلوب حيث كان المطلوب منها القيام بالبحث عن #موارد إضافية حقيقية لتمويل إنفاقها العامبدلاً من الاعتماد على التمويل بالعجز والاستدانة من #المصرف المركزي أو الحصول على القروض الخارجية وذلك عن طريق تحسين مستويات الأداء في المؤسسات الحكومية ذات الطابع الاقتصادي وتوفير السلع والمواد اللازمة للاستهلاك المحلي بما يعوض عن استيرادها، وفوق ذلك القيام بفرض إجراءات ضريبية عادلة تمنع من التهرب الضريبي وتوسيع المطارح الضريبية لتشمل كبار المكلفين وأصحاب القدرة التكليفية العالية من رجال أعمال ومؤسسات مالية ضخمة والمصارف الخاصة العاملة داخل الاقتصاد الوطني.

(أكاديمي وباحث سوري)


التعليقات