د. محمد حنش
فقدت #سوريا أول أمس واحداً من أبرز علمائها ومفكريها العالم الناقد #جورج_الطرابيشي أكثر رجال الحكمة في سوريا نشاطاً وثقافة، وأغزرهم إنتاجاً في رحاب الفكر العالمي.
وأستهل رثائي لهذا المفكر السوري الكبير بأروع ما قاله الرسول الكريم في رحيل العلماء: “إن الله لا ينزع هذا العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب العباد ولكن ينزع هذا العلم بموت العلماء ……”.
وفي استطراد ضروري فحين صرحت الآية الشريفة في سورة فاطر: “إنما يخشى الله من عباده العلماء”، إنما كانت تشير تحديداً إلى علماء المناخ والزراعة والنبات والجيولوجيا والمعادن والبيولوجيا وعلم الحيوان، وهو ما يمكنك التأكد منه بوضوح لدى قراءة كامل الآية الكريمة من قوله تعالى: “ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء…”، إلى قوله “إنما يخشى الله من عباده العلماء”.
وحين نتحدث عن الطرابيشي فنحن نتحدث عن نحو أربعين كتاباً أغنت المكتبة العربية وترجمات للفكر العالمي تمكن الرجل من تقديمها للمكتبة العربية وفيها فكر هيجل وسارتر وماركوزه، ولكن الرجل عكف بشكل كامل على أعمال سيجموند فرويد في الفلسفة، وعلى نقد عابد الجابري في التراث، ويمكن تعريفه في المعرفة بشارح فرويد، وفي التراث بناقد الجابري، وبسبيل من ذلك كان آخر عمل قدمه للمكتبة العربية هو نقد نقد العقل العربي، ونعم أجر العاملين.
كان جورج طرابيشي ناقداً ولم يكن حاقداً، ومع أنه كتب في نقد كل مقدس ولكن من المستحيل أن تجد في كل ما كتبه لفظ تحقير لفكر أو ثقافة أو دين، لقد مارس فيه نقداً جوهرياً، واخترق زجاج القداسة ولكنه لم يسمح بالقفز من النقد إلى الحقد، وظل يبحث في حديقة الإلهي والبشري عن مشترك أرضي عالماني يمكنه أن يخدم الحياة، ويسهم في نهضة العرب.
طاف طويلاً في تأملات المعتزلة ورسائل إخوان الصفا وكتابات الرازي وابن طفيل وابن رشد وتمكن من اكتشاف الخيط العلماني في الإسلام، ورسم من خلاله الأصول المؤسسة لثقافة النهضة ونجح في ربطها بإحكام بحركة النهضة العربية ولكنه ظل دوماً يحذر من الردة التراثية التي تطبق على خيار العقول بسلطان النص التاريخي، وتمنع إعمال ما خلقه الله فينا من طاقة العقل وحكمة الشورى.
وفي الواقع فإن ما مكنه من احترام العقائد المختلفة هو واسع علمه واطلاعه على ثقافات الأمم، وقيامه بابرز دور في نقل التراث المعرفي بين العرب والحضارات الأخرى.
لم يشأ الطرابيشي في تفكيكه البنيوي للعقل الاستحفاظي أن ينال من احترام الناس لمقدساتها، ونجح تماماً في أن يقدم نفسه للتاريخ ناقداً لا حاقداً.
إننا نشهد اليوم جحافل من الكاتبين الثائرين على قيود التاريخ العتيقة، يبدؤون بإرادة نهضوية جامحة ولكنهم سرعان ما يتحولون من ناقدين إلى حاقدين، ومن محاورين إلى شتامين ضد كل رموز التاريخ الإسلامي الكبيرة، وبدلاً من فهم الظاهرة التاريخية في سياقها وسباقها ومحاكمة الناس على أساس من ظروفهم في الرواية والفقه فإنهم يتحولون إلى جلادين قساة ضد رموز التراث والرواية والتدوين خاصة أولئك الأعلام الذين نالوا احترام الناس على مر التاريخ كالإمام البخاري ومسلم ومالك والشافعي والطبري، وفي اتهامات مجحفة لا يترددون في رميهم بكل قبيح، مع أن ما قدمه هؤلاء ليس إلا خدمة تراثية لعصر كان يعتمد الرواية والمشافهة، ولا يمكن تحميل هؤلاء وزر ما قام به الاستبداد الذي استخدم كل أدوات السلطة في تثبيت سلطانه، كما لأنه ليس من العقل اعتبار ما قدموه من رواية هو الحامل الموضوعي للتفوق الحضاري العربي في العصر الذهبي للإسلام.
وفي نوادي الفيسبوك اليوم هناك من يرد أسباب الشر العالمي وسلوك التوحش الذي يمارسه نظامنا التعيس إلى روايات البخاري ومسلم!! كما لو أن هذا النظام عاكف على اتباع ما في البخاري ورواية ما في مسلم والعمل بمذهب الشافعي وأحمد!!.
أعتقد أننا نحتاج بالفعل إلى قامات كبيرة في النقد العلمي كقامة جورج الطرابيشي الذي استطاع أن يمارس أدق عمليات النقد الموضوعي في إطار من الاحترام والموضوعية والعقلانية في التاريخ الإسلامي.
وعلى الرغم من موقفه الصارم في تأييد علمانية الدولة العربية ولكنها لم يشأ أبداً أن يعتبر العلمانية إيديولجية محددة، إنها أسلوب حكم ليس إلا، وقد كتب طويلاً في رفض تأمثل الماضي وتأدلج الحاضر، وأعلن أننا نحتاج إلى دولة مدنية تقوم بخدمة المجتمع بعيداً عن كل إيديولوجيا، كما نحتاج إلى فهم الماضي بوصفه كفاحاً بشرياً وليس مثالاً مقدساً.
ومع أنه تموضع في النهاية كناقد محض، وأعلن أن هذا هو بالضبط مكانه النهائي، ولكن ذلك لا يلغي مشروعه الفكري الكبير الذي يطل به من ثنايا كتبه الكثيرة ويستخدم ببراعة مشارط سيغموند فرويد التحليلية لمعالجة الانكسار النرجسي العربي الذي أفرزه الفوات الحضاري، والذي أدى إلى قيام النهضويين العرب باستعداء الحضارة الغربية وتحقيرها في ردة فعل نفسية شائنة منشؤها ثقافة الياس نتيجة الانكسار الحضاري الذي يواجهه العرب.
جورج طرابيشي حدد رسالته مبكراً في رفض احتكار الخلاص، ومواجهة الأسلوب الإلغائي الذي نمارسه في عقلنا الباطن، على الرغم من تجميل هذا الباطن بخطاب المجاملة والمصانعة.
وفي مذكرات بسيطة كتبها بخطه صرح أنه اكتشف ما تنطوي عليه بنيتنا الفكرية العربية من إقصائية وإلغائية، في حصة الديانة التي كان يصر على حضورها وصولاً إلى حواراته في السجن مع رفاقه المسيحيين الغسانيين الذين كانوا ينظرون بإعجاب إلى ارتكاب جرائم الشرف.
وبلسان فرويدي مبين كتب جورج طرابيشي إن راس المشكلات في وعينا العربي ليست بكل تأكيد إسلامنا ولا مسيحيتنا، فمن الممكن تماماً أن يكون المسلم أو المسيحي حداثياً ليبرالياً وعلمانياً ديمقراطياً، ولكن هذه الممارسات ليس إلا القشرة السطحية للتفكير العربي الجمعي، حتى إذا ما دخلت إلى جوهر البنية الفكرية العربية صدمك العقل الإلغائي المريع المستكن في جوانا الذي لا يرى في الآخر إلا مشروع عدو أو كافر، وأن الناس جميعاً إلا من رحم ربك في ضلال مبين.
وفي سياق معرفته بالمشهد الحضاري العالمي أكد الطرابيشي ان ما يمارسه المثقفون العرب من رفض للحداثة والعولمة هو في الواقع رفض للحضارة، مؤسس على نظرة منحازة وغير مبررة فهذه الحضارة ليست رومانية ولا جرمانية ولا يونانية، ولا هي بالطبع أمريكية ولا كندية إنها في العمق حضارة إنسانية تشاركت فيها الأمم، وما يمارسه المثقف العربي من استعدائها وتخوينها ليس في التحليل النفسي الاجتماعي إلا عقدة أوديبية جامحة تتواثب في ردة فعل هائجة على الجرح النرجسي العميق الذي نكابده نتيجة الفوات الحضاري الماحق.
لم يكن جورج طرابيشي مسيحياً كما أنه لم يكن إسلامياً ولكنه كان عربياً مسكوناً بهموم النهضة، وكان يبحث في التراث الإسلامي والمسيحي عن خطاب مناسب ندخل به العالم بعد أن اجتاحت ثقافة العولمة كل بنيتنا الفكرية والمعرفية، وأصبح السؤال المشروع ليس كيف نوقف المد العولمي بل كيف نتعامل مع المد العولمي وكيف نزرع في خصب التربة العولمية ونحلب في آنيتها ونشرب من سواقيها.
إن أسلمة الحضارة أو مسيحيتها يعتبر جهداً تضليلياً، فالحضارة هي نجاح إنساني مستقل، ومن العجز أن نتصور أننا ضيوفها أو زوارها، أو أنها تقد على نسق أفكارنا وإيديولوجياتنا، إن مكاننا الطبيعي في المشهد الحضاري هو أننا شركاء فيه، لقد دفع أجدادنا كثيراً من العطاء والتفوق من أجل أن يجري هذا الدم الحضاري في عروقنا.
رحل الطرابيشي ولكنه سيظل النافذة البيضاء التي تطل من خلالها فلسفة التحليل النفسي الاجتماعي للمدرسة الدينامية الفرويدية، وستبقى ثقافتنا العربية مدينة له في ترجمة الفكر العالمي وفي العقل النقدي المتطور الذي اقتحمته كتابات الطرابيشي في شجاعة واحترام.

