بغداد 16°C
دمشق 11°C
السبت 28 نوفمبر 2020

الأسواق السورية تشهد ارتفاعات غير مسبوقة في الأسعار “قراءة في الأسباب والحلول الممكنة”


د. عبد الصمد اسماعيل

لم تعد أصوات الطائرات والمدافع ترهب #المواطنين السوريين فقد بات آذانهم متعودة على سماع دويها كما أنهم يدركون حتى في تلك المناطق الأكثر أماناً في سوريا أن #النزوح ممكن في أية ساعة ولكن ما لا يستطيعون تقبله حتى الآن تلك الارتفاعات المتسارعة والجنونية في #الأسعار والتي تشمل كل شيء فتقض مضجعهم قبل النوم وترهبهم عند سماع أرقامها عند الصباح.

 

ذلك أنهم باتوا عاجزين وبنسبة تفوق 90% عن تأمين احتياجاتهم اليومية الضرورية في الوقت الذي تنحدر فيه #الليرة السورية بشدة نحو الانخفاض ليفقد معها السوريون قدراتهم الشرائية وليصبحوا عاجزين حتى عن مواجهة نسق الحياة دون الطبيعية.

إلا أان المشكلة الأعظم عدم إيلاء الحكومة معيشة الناس أية أولوية لا من حيث السياسات الاقتصادية المتبعة ولا من حيث التفكير بوقف للمعارك ولا أثناء مفاوضاتهم الخلبية وتركيزهم على عدم تنازل أي طرف لآخر متناسين حياة هذا المواطن المسكين الذي تحفر فيها المصاعب حتى النخاع بات معها يتشرب الألم ويخسر من كرامته وعزته.

ص1
تآكل الاقتصاد الوطني والأسعار في ارتفاع مستمر
واصل النشاط الاقتصادي خلال العام الماضي تراجعه الواضح نتيجة تزايد العمليات العسكرية وإغلاق الكثير من المعامل والمصانع و #هجرة أعداد كبيرة من المواطنين، وخاصة العقول وأصحاب الكفاءت وتزايد أعداد العاطلين عن العمل وإرتفاع مستويات الأسعار و #التضخم وتآكل #الموازنة_العامة_للدولة وتدهور قيمة الليرة لمستويات قياسية.

كل ذلك يقر بتراجع جميع المؤشرات الاقتصادية لا سيما حجم الناتج المحلي الذي انخفض من 60 مليار #دولار عام 2010إلى أقل من 16 مليار عام 2015، في حين يعاني المصرف المركزي من انخفاض كتلة النقد الأجنبي لأقل من 2مليار #دولار بحسب تصريحات غير رسمية، مما يفتح المجال واسعاً حول التوقع أن تستمر مستويات الأسعار بالارتفاع لحدود غير معروفة طالما أن الحكومة القائمة لا تتخذ أية إجراءات حقيقية من شأنها كبح جماح الأسواق والعمل على إعادة عجلة الإنتاج للدوران على الأقل في تلك المناطق التي لا توجد فيها معارك بل تركز جل اهتمامها على #الإنفاق_العسكري وترك الأسواق عرضة لاحتكارت التجار وتجار الأزمة الذين لا يروون عطشهم في تحقيق أرباح خيالية على حساب شفط كل مقدرات ومدخرات المواطنين أمام أعين الحكومة التي تقف عاجزة متفرجة على تهاوي البنيان المجتمعي نتيجة الانحدار الشديد في المستوى المعيشي داخل البلاد.

وإذا كانت #الأسواق_السورية تشهد اليوم ولأول مرة في تاريخها ارتفاعات جنونية في الأسعار تصل إلى أرقام قياسية تعجز العقول السورية على استيعابها، فإننا لا بد وأن نشير إلى تلك المناطق الواقعة تحت الحصار التي تشهد فوق ذلك شحاً كبيراً في المواد الضرورية للحياة وفي حال توافرها بنسب قليلة فإن أسعارها تتجاوز عشرات الأضعاف مما هي في الأسواق الأخرى.

ص8

 

جملة من الأسباب تحلق بالأسعار عالياً
لذلك علنا نقف عند الأسباب التي أوصلت #الأسعار إلى ما هي عليها الآن ليس ابتداء بالأزمة وتجلياتها ومآلاتها فقط، وإنما لا بد من تناول الموضوع بعين أوسع والعودة إلى الوراء قليلاً وخاصة إلى سنوات ما قبل الأزمة وسياسات التحرير الاقتصادي التي باشرت بها #الحكومة السورية آنذاك وكان لها ما كان من نتائج سلبية على صعيد الاقتصاد الوطني والمستويات المعيشية للمواطنين، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بين عامي 2000 و 2010 من 33% إلى 70% وذلك بحسب المسؤولين الاقتصاديين بسبب إرتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة إرتفاع كلفة المواد الأولية المستوردة، التي ارتفعت أسعارها عالمياً على حد مزاعهم لتأتي الأزمة وتصب الزيت على النار وتحدث إرتفاعات مستمرة في الأسعار أقل ما يقال عنها.

حتى الآن أنها جنونية والتي يمكن إرجاعها إلى جملة من الأسباب نذكر منها:

-البدء بسياسات التحرير الاقتصادي والتردد في تطبيقها لعدم وجود قاعدة اقتصادية وطنية تستوعب مثل تلك السياسات فضلاً عن تخلف نظام الدخول ونظام الضرائب وعدم تمتع المواطنين بقدرات شرائية عالية تجعلهم قادرين على التماهي مع الواقع الاقتصادي الجديد.

-سحب الدعم وبشكل جزئي عن السلع الرئيسية تمهيداً لرفعه نهائياً وخاصة عن #المشتقات_النفطية الأمر الذي انعكس مباشرة على ارتفاع تكاليف الإنتاج وتكاليف النقل والتخزين مما مهد لارتفاعات متتالية للأسعار.

-عدم إيلاء البعد القطاعي والجغرافي في مسألة التنمية الأهمية اللازمة مما ساهم بخلق تفاوت كبير بين طبقات المجتمع من جهة وبين مناطق البلاد، من جهة ثانية ساهم بغنى فئات ومناطق محددة على حساب غالبية الشعب ومناطق أخرى بقيت توصف بالمناطق النائية بعد عشر خطط خمسية جرت على البلاد وتعاقبت عليها حكومات متعددة.

-فتح السوق السورية أمام #المنتجات_التركية وتوقيع اتفاقية التجارة الحرة معها عام 2009، الأمر الذي تسبب في إقفال آلاف الورش الصغيرة في البلاد والعاملة في مجال الأثاث المنزلي والألبسة الجاهزة ودفع بالعاملين فيها ليصبحوا عاطلين عن العمل فاقدين مصدر رزقهم مع ما يرافق ذلك من حالة اقتصادية ونفسية واجتماعية سيئة.

-نشوب #الأزمة وتحول البلاد لساحة حرب مفتوحة عطلت من حركة الإنتاج وتوقف تدفق عوائد الصادرات النفطية مع انعدام السياحة وبدء #الليرة السورية بالتدهور نتيجة قصور السياسات النقدية التي انتهجها #البنك_المركزي منذ بداية الأزمة كل ذلك ساهم بالإختفاء التدريجي للسلع والمواد من الأسواق وأمام قلة إمكانيات الإستيراد التي تحتاج إلى قطع أجنبي أخذت الأسعار تنحو بسرعة نحو الأعلى تاركة وراءها ماضيها إلى الأبد.
-الإرتفاعات المستمرة في أسعار المحروقات وخاصة #المازوت و #الغاز وبعض السلع الرئيسية الأخرى، كالخبز مما انعكس ارتفاعاً في أسعار السلع والمواد نتيجة ارتفاع التكاليف من جهة والحالة النفسية حول تضعضع الأسواق من جهة ثانية.

-تلاعب التجار بحركة الأسواق والتجارة وتنامي ظاهرة الاحتكار مقابل تراجع الرقابة التموينية وضعف أجهزتها وخوف الحكومة من إثارة التجار.

-تدهور قيمة الليرة السورية لمستويات قياسية فقدت معها قدرتها الشرائية بنسبة تجاوزت 93% مع بقاء #الرواتب والأجور على حالها.

-تقدير قيمة السلع والمواد الداخلة في الإنتاج أو الموجودة في الأسواق بالدولار وبالتالي انعكاس ارتفاع قيمة الدولار مقابل الليرة السورية ارتفاعاً في مستويات الأسعار لنسب تجاوزت 1000%.

-عدم توفر الدعم اللوجيستي في مسألة توفير حاجة الأسواق من السلع والمواد وخاصة #المواد_الغذائية نتيجة العقوبات الغربية المفروضة على الحكومة السورية وما نتج عنها من صعوبة نقل المواد واستيرادها أو شحنها إلى داخل سورية والتي لم تستثن الغذائيات او المواد الرئيسية أو تلك الأولية الداخلة في صناعتها كالأدوية مثلاً.

-توقف دخول شاحنات #الإغاثة والموعونات في الآونة الأخيرة والتي كانت تدخل من الأراضي #التركية إلى #سوريا نتيجة سيطرة جماعات مناهضة لسياسات الحكومة التركية على معظم المعابر الحدودية معها مما أدى إلى شح في المواد المتوافرة في الأسواق وتزايد حجم الطلب عليها نتيجة تحول من كانت تصلهم تلك المعونات إلى طلبها من الأسواق.

-الاستمرار في سياسة التمويل بالعجز (العجز في موازنة 2016 بلغ 621.7 مليار ليرة) وارتفاع حجم الكتلة النقدية في السوق مقابل توقف الإنتاج وقلة المعروض من السلع والمواد الرئيسية في السوق، والاعتماد في توفيرها على #الاستيراد من خلال الاقتراض الخارجي في ظل تلاشي الاحتياطي النقدي من العملات الصعبة في البلد.

ص4الفجوة بين الدخل وتكاليف الحياة تتجاوز 175 ألف ليرة
فإذا علمنا أن متوسط الاستهلاك الشهري للأسرة السورية قبل الأزمة كان 30 ألف ليرة (600دولار) بحسب الرقم القياسي لأسعار المستهلك الصادر عن المكتب المركزي للإحصاء عام 2009 هذا يعني أن #الأسرة_السورية اليوم تحتاج إلى أكثر من 300 ألف ليرة شهرية لتعيش بمستوى عام 2009 وهذا غير ممكن في ظل تراوح متوسط الرواتب والأجور عند حدود 30 ألف #ليرة (60 دولار).

مما يعكس اتساع الهوة بين الدخل والأسعار التي ارتفعت عشرة أضعاف منذ بداية الأزمة في حين لم يزداد الدخل بأكثر من 30% الأمر الذي تسبب بارتفاع تكاليف الحياة واتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف الحياة وباقتصارها على الحاجات الرئيسية (13 حاجة بحسب المكتب المركزي للإحصاء وهي : الطعام، اللباس، المسكن،النقل، التعليم، الصحة، الاتصالات،الأدوات المنزلية، الترويج والثقافة، المطاعم والفنادق،المشروبات الكحولية، التبغ، سلع وخدمات متنوعة) فقط لأكثر من 175 ألف ليرة سورية للأسرة الواحدة وبالتالي انحدار أعداد كبيرة من السكان باتجاه مستوى الفقر الذي حددته المؤسسات الدولية بـ 1.9 دولار للشخص يومياً فإذا اعتمدنا أن سعر الدولار 510 ليرة سورية وأن الفرد الواحد يحتاج 1.5 دولار يومياً لقضاء حاجاته الرئيسية فهذا يعني أنه بحاجة إلى 755 ليرة يومياً وفي أسرة مؤلفة من خمس أشخاص تصبح حاجتهم اليومية 3775 ليرة أي في الشهر 113250 ليرة سورية ليعيشوا عند حدود خط الفقر فماذا يمكننا القول عندما نعرف أن متوسط الدخول أصبح أقل من 60 دولاراً في الشهر أي 30ألف ليرة سورية.

Syrians shop in the covered market in centreal Damascus on July 9, 2013 as they prepare for the Muslim holy fasting month of Ramadan. Damascus has been fragmented into distinct, self-sufficient security zones, "whose residents are now holed up", a resident of Damascus says as the capital continues to be hit by a string of cat comb attacks, killing dozens and wounding many more. AFP PHOTO / STR (Photo credit should read STR/AFP/Getty Images)
آثار خطيرة وراء ارتفاعات الاسعار

وعلى ذلك، فقد أشارت منظمة الإسكوا أن هذا الأمر لا بد سيفضي إلى تزايد نسبة #الفقر في سوريا مع استمرار النزاع الدائر لتصل إلى أكثر من 90% من مجموع السكان بعد ان كانت 18% في عام 2010وظهور مظاهر غريبة داخل المجتمع كالالتحاق بالجماعات المسلحة سعياً وراء المعاش والسطوة وانتشار السرقة والنهب العشوائي وغير العشوائي وتجارة المواد غير المشروعة والتهريب واستنزاف مقدرات وثروات الشعب والمتاجرة بها بأبخس الأثمان.

وفوق كل ذلك لم تعر الحكومة السورية مسألة ضرورة السيطرة على الأسعار الأهمية اللازمة ولم تنتهج سياسات اقتصادية سليمة خلال فترة إدارتها للأزمة مما يعكس إحدى حالتين إما قصورها عن إدراك حجم المصائب التي تمر على البلاد وتناسيها لدورها في قيادة البلاد والإكتفاء بخطوط الإئتمان التي كانت تفتحها مع الدول الحليفة كإيران وتوقف تلك الخطوط الآن نتيجة المآلات السياسية للأزمة.

أو تركيزها على الجانب العسكري والإنفاق فيه وترك المواطنين يواجهون مصيرهم دون انتهاج أية سياسات كفيلة بلجم جماح الأسعار ورش الماء فوق لهيبها الذي بدأ يحرق حياة الملايين ويهدد بدخول البلاد في أتون أزمة معيشية غير الجديدة فوق أزمات النزوح والهجرة والقتل والحصار المستمرة.

ما يمكن أن تترك عملية إرتفاع الأسعار آثاراً أخرى على الحياة المعيشية للمواطنين تتجلى في تآكل قدراتهم الشرائية وعدم تمكنهم من تأمين مستلزمات حياتهم اليومية وخاصة من تلك الحاجات الرئيسية المأكل والملبس والمسكن فضلاً عن إستغناء الأسر السورية عن العديد من #السلع والمواد الغذائية التي كانت تعتبر صديقة المائدة لديهم كالبيض (سعر الصحن تضاعف 10 مرات) اللحوم الحمراء (سعر الكيلو تضاعف 7 مرات) الحليب والجبنة (سعر الكيلو تضاعف 12 مرة) اللبنة (سعر الكيلو تضاعف 10 مرات) وكلها أصناف تساهم في تنشئة الأطفال وتحفظ لهم نمواً سليماً مما يقودنا إلى القول أن الجيل الحالي من الأطفال لا بد وسيعاني مشاكل صحية مستقبلاً تتعلق بالبنية العضلية والذهنية مما سيؤثر على مسار حياتهم اليومية من جهة، وعلى مستقبلهم من جهة ثانية.

أضف إلى ذلك الحالة النفسية السيئة للأهل غير القادرين على تأمين طلبات أبنائهم واضطرارهم أحياناً وتحت ظغط ظروف المعيشة الصعبة إلى الدفع بهم نحو سوق العمل في سن مبكرة ليساعدوا في تأمين لقمة عيش الأسرة مما يدفعهم لترك المدارس والتعليم ويترك آثاراً أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها خطيرة على مستقبلهم اقتصادياً واجتماعياً.

ص6
الحلول الممكنة مع استمرارية الصراع
في بلد تراجعت فيه التنمية عقوداً إلى الوراء وجاءت الحرب فيه على الأخضر واليابس وزعزعت كيان الدولة الاقتصادي وبكل قطاعاته فأفقدته مصادر دخله وفرملت معدلات نموه ودفعت بأكثر من نصف شعبه نحو خط الفقر وهجرت الملايين منهم وأوصلت معدلات التضخم والبطالة لأرقام تفوق الخيال وما زالت الأطراف المتصارعة فيه تصر على الإقصاء ورفض أية حلول قد توصل البلاد إلى نوع من الحل السياسي.

وهنا نقف عاجزين حقيقة عن طرح أية حلول استراتيجية قد تعمل على كبح جماح الأسعار لذلك نورد فيما يلي بعضاً من الحلول الانية التي قد تساعد على تخفيض مستويات الأسعار وتحسن من الوضع المعيشي للمواطنين وهي:

-اتباع سياسات اقتصادية ناجعة تعمل على عودة عجلة الإنتاج إلى الدوران مما قد يؤدي إلى توفير السلع والمواد الضرورية لحياة المواطنين.

-بدلاً من رفع الرواتب والأجور الأمر الذي قد يؤدي إلى رفع نسبة التضخم وبالتالي زيادات جديدة في الأسعار نقترح تخصيص سلة غذائية وحصة تموينية كاملة للأسر السورية وبأسعار مدعومة أو منخفضة.

-تخفيض أسعار نواقل الطاقة وأسعار المشتقات النفطية مما قد يساهم بانخفاض تكاليف النقل والإنتاج وبالتالي تخفيضاً في أسعار السلع والمنتجات.

تقديم كل الدعم اللازم للقطاع الزراعي وخاصة زراعة الخضار والفواكه لتوفير حاجة الأسواق منها والتركيز على زراعة المنتجات الاستراتيجية التي يمكن أن تشكل مادة أولية في الصناعة كالقطن والقمح.

-منح قروض تشغيلية لمشاريع إنتاجية في مجال تربية الأبقار والدواجن مما قد يساهم في توفير كميات من اللحوم والبيض في السوق تسد حاجة المواطنين إليها وتساهم في تخفيض أسعارها.

-تخفيض نسب الضرائب والرسوم الجمركية على السلع والمواد المستوردة وخاصة التي تدخل في صناعة المواد الضرورية مما قد يساهم في تخفيض تكاليف إنتاجها وينعكس بالنتيجة انخفاضاً في أسعارها.

-زيادة دور #الرقابة التموينية على الأسواق وضبط عمل التجار ومراقبة الأسواق وواتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحق المحتكرين والمتلاعبين بقوت الشعب.

 

باحث اقتصادي سوري


التعليقات