بغداد 16°C
دمشق 11°C
السبت 28 نوفمبر 2020

“الخسائر البشرية المأساة الأكثر إيلاماً في الصراع السوري”


د.عبد الصمد اسماعيل:

  • -أكثر من 2.5 مليون ضحايا الحرب في سوريا بين قتيل وجريح.
  • -50% من المهاجرين السوريين إلى ألمانيا يحملون شهادات جامعية
  • -النسبة الأكبر من الخسائر البشرية كانت من فئة الشباب نتيجة مشاركتهم في القتال أو الهجرة
  • -من فقد طرفاً أو أصيب بإعاقة دائمة أو خسر أحد أبنائه أو أخوته ليس له سوى الألم ومرارته ليبقى يتجرعهما ما بقي حياً.

 

ما يزال السوريون يتجرعون منذ خمس سنوات ونيف الألم والضيم الذي لحق بهم نتيجة الخراب والدمار والحصار والقتل الذي ما زالت فصوله التراجيدية تنشر الرعب والظلام والمستقبل المجهول أمامهم، وفي كل الأحوال فما يحدث اليوم هو امتداد للأمس وما أحدثته #الحرب_السورية من مفارقات مؤلمة له امتداداته في حياة السوريين قبلها، فالبلاد التي كانت تحتل المرتبة الأولى كبيئة طاردة للكفاءات والعقول نتيجة تراجع المستوى المادي والمعيشي والفساد الإداري وتدني مستوى التعليم والبحث العلمي دخلت في أتون حرب تدور رحاها لتهرس كل ما يقع بين حجريها أو يقف في طريقها.

وإذا كانت #سوريا قد خسرت عقوداً من التنمية نتيجة لذلك وتزعزعت فيها أركان الدولة الاقتصادية والسياسية وتراجعت المؤشرات الاقتصادية في معظم قطاعاتها إن لم نقل جميعها وتبخرت مواردها المالية إما نتيجة لانقطاع مصادر تمويلها أو لتآكلها بسبب معدلات #التضخم التي ترتفع بسرعة صاروخية مما زاد من معدلات الفقر لتتجاوز 90% من السكان (خط الفقر بحسب #البنك_الدولي 1.9 #دولار للفرد يومياً) إلا أن الخسارة الأكبر كانت في الجانب البشري حيث هجر ونزح  الملايين من السكان بعد أن جاءت الحرب على مئات الآلاف منهم قتلى أو جرحى لتخسر البلاد خيرة أبنائها ونسبة عالية من شبابها حامل لواء التنمية وعمادها الرئيسي في بناء المستقبل.

syria 2حال الكوادر البشرية قبل الأزمة

كانت #سوريا تنفق سنوياً عشرات الملايين من الدولارات على تعليم أبنائها وتأهليهم، وإذا كان ذلك يعتبر اقتصادياً استثماراً في المورد البشري، فإنه لا بد أن يعود على البلاد بعوائد مستقبلية ولكن ما كان يحدث أن معظم الخريجين كانوا يتحولون إلى عاطلين عن العمل وينضموا لجيش #البطالة الذي كانت أعداده تتزايد باستمرار أمام عجز الحكومات السورية المتعاقبة عن خلق فرص عمل حقيقية أو تكوين بيئة عمل تستوعب القادمين إلى سوق العمل والذين كانت تقدر أعداهم بأكثر من 250 ألف قادم يبحث عن فرصة عمل لتبدأ رحلة المشاق والمصاعب في الحصول عليها لتسد رمق الحياة وتمنع العوز ليرى الشباب نفسه أمام معضلة حقيقية تؤثر على تصوراتهم، ورسمهم لمستقبلهم الأمر الذي كان يدفع بالبعض نحو ممارسة أعمال لا تتناسب وقدراتهم ومؤهلاتهم العملية أو تدفعهم بالتفكير نحو الهجرة خارج البلاد أو التوجه نحو ممارسة مهن غير مشروعة أنتجتها الأزمة وشرعنتها من جهة ثانية.

ولما كان أصحاب الكفاءات والمؤهلات يبدؤون في البحث عن فرص حياة أفضل خارج الحدود عن طريق تأمين عقود عمل في #الخليج أو في دول أخرى فإن ذلك كان يترك خسارة أكثر من مزدوجة على #الاقتصاد_الوطني فمن جهة لم تحقق النفقات المدفوعة على تعليمهم وتأهيليهم أي إيراد استثماري وبالتالي يمكن اعتبارها خسارة رأسمالية على مستوى الاقتصاد الوطني ومن جهة ثانية خسارة مساهمة الطاقات البشرية في العملية الإنتاجية سواء المهاجرة منها أو غير الموظفة في مكانها المناسب داخل البلاد مما يؤثر على مستوى الأداء والعائد بنفس الوقت داخل الاقتصاد الوطني هذا فضلاً عن العمل في مهن غير مشروعة يلحق أضراراً بالاقتصاد الوطني وقد يتسبب بأضرار اجتماعية ونفسية خطيرة.

نزيف بشري في قطاعي الصحة والتعليم

هذا ويعتبر القطاعين الصحي والتعليمي من أكثر القطاعات التي أصيبت بنزيف في سوريا خلال السنوات التي سبقت الأزمة مما أثر على جودة #الخدمات_الصحية وأدى إلى تدني مستوى التعليم وأدواته وطرائقه وترك آثاره الواضحة على تركيبة البنية الثقافية والاجتماعية للبلاد.

فوفقاً لبيانات #الأمم_المتحدة بلغ متوسط معدل نمو أعداد #المهاجرين السوريين 6.03% بين عامي 1990 و 2010 وكانت الزيادة الملاحظة بوضوح خلال الفترة ما بين 2005 و2010 حيث بلغت الزيادة في معدل المهاجرين10.7% كان جلهم من القوة العاملة المؤهلة والكفاءات العلمية التي لم تكن تجد لنفسها مكاناً في سوق العمل يتناسب مع مؤهلاتها و قدراتها أو يحقق لها دخلاً مناسباً يعوض السنوات الطويلة التي قضوها في التعليم والتدريب واكتساب الخبرات والمهارات.

فبحسب تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2005 بلغت الزيادة في معدل نمو المهاجرين السوريين إلى دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية من أصحاب #الشهادات_العلمية إجازة جامعية فما فوق 5.4% حيث شكلوا نسبة 52% من مجموع المهاجرين إلى الولايات المتحدة و 39% إلى ألمانيا و54% إلى فرنسا وفي النظر إلى صعوبة شروط الحصول على تأشيرات الدخول لتلك الدول آنذاك يمكن الاستنتاج بأن النسبة الكبيرة من هؤلاء المهاجرين كانت عمالة نوعية ومؤهلة ومن أصحاب الكفاءات العلمية العالية التي جذبتها تلك البلدان.

syria 3الحرب السورية تخلف أكثر من مليوني ضحية

إلى هذا اليوم لم ينأ جبين الحكومات الأممية من هول الخسائر البشرية التي خلفتها الحرب في سوريا على مدار الخمس سنوات الماضية ولم يحرك أكثر من 2.5 مليون ضحية بين قتيل وجريح ضمير العالم للتدخل بشكل جدي لإيقاف المجازر اليومية التي ترتكب بحق السوريين، لدرجة أصبحنا فيها مقتنعين أن القتل والتدمير في سوريا يتم بشكل ممنهج إلى جانب خسارة البلاد الاقتصادية وتخريب بنيتها التحتية ولكن تبقى خسارة العنصر البشري هي التي لا يمكن تعويضها بأية حال.

فمن فقد طرفاً أو أصيب بإعاقة دائمة أو خسر أحد أبنائه أو أخوته ليس له سوى الألم ومرارته ليبقى يتجرعهما ما بقي حياً ولن تستطيع مليارات الدولارات التي سيتم ترصيدها لإعادة البناء إذا ما وضعت الحرب أوزارها أن تعيد الفرح إلى قلوبهم.

أوجه مختلفة ونتيجة واحدة ضحايا بالجملة

الوجه الأول:(القتلى والمصابين)

فعلى الرغم من محاولات التعتيم على أعداد القتلى والمصابين في #المعارك من قبل الأطراف المتصارعة إلا أن العديد من الجهات الناشطة على الأرض قد رصدتها.

فوفق تقرير نشرته صحيفة #الغارديان صادر عن #المركز_السوري_لبحوث_السياسات في شباط 2016 فقد وصلت حصيلة القتلى إلى 470 ألف شخص منهم 400 ألف تعرضوا للقتل عن طريق العنف المباشر في حين أن 70 ألف لقى حتفه نتيجة نقص المواد الغذائية وضعف الخدمات الصحية وشمل هذا الرقم أكثر من 12 ألف طفل و 8000 امرأة فوق سن الـ 18 عاماً.

syria5وبحسب التقرير نفسه فقد أصيب حوالي 1.9 مليون شخص ليشكل مجموع المصابين والقتلى ما نسبته 10.3% من مجموع السكان في سوريا مما سيلحق أضراراً خطيرة بمسيرة حياتهم أو حياة عوائلهم فضلاً عن خسارة الاقتصاد الوطني لمساهمتهم في الناتج المحلي.

وخلال الحرب الدائرة انخفض معدل الأعمار في سوريا من 70 سنة إلى 55.4 سنة في حين ارتفع معدل الوفيات من 4.4 شخص لكل ألف شخص قبل الحرب إلى 10.9 شخص لكل ألف.

الوجه الثاني: (المفقودين والأسرى)

بحسب #المرصد_السوري لحقوق الإنسان فإن أكثر من 40ألف شخص لم يعرف مصيرهم وقد توزعوا ما بين أسرى لدى الأطراف المتصارعة أو مفقودين أو مختطفين سواء من القوات أو الموالين للحكومة السورية والجماعات المسلحة أو من المناهضين لهما.

الوجه الثالث: (الهجرة والنزوح)

KOS, GREECE - AUGUST 15 : Mostly Syrian, refugees and migrants celebrate upon arrival on the Greek island of Kos after crossing a part of the Aegean Sea between Turkey and Greece in Kos, Greece on August 15, 2015. (Photo by Evren Atalay/Anadolu Agency/Getty Images)

ومن أكثر المسائل إيلاماً لدى الشعب السوري التشتت الذي لحق بالعائلات والأسر السورية نتيجة #النزوح من المناطق الساخنة التي دارت فيها المعارك والمواجهات المسلحة أو نتيجة الهجرة إلى خارج البلاد واللجوء إلى دول الجوار أو إلى البلدان #الأوربية، فقد وصل عدد المهاجرين إلى خارج القطر أكثر من 4.5 مليون مهاجر بينما بلغ عدد النازحين إلى مناطق آمنة داخل البلاد إلى أكثر من 7.6 ملايين نازح.

وبحسب المفوض السامي لشؤون اللاجئين في #الأمم_المتحدة ” ما يفوق المليون شخص وصلوا إلى #أوربا عام 2015 عبر القوارب يمثل السوريون أكثر من 50% منهم وأن ما يقارب 50% من الوافدين السوريين إلى أوربا قد تلقوا تعليماً جامعياً”.

وذكرت صحيفة “دي فلت” الألمانية أنه وصل إلى ألمانيا 5آلاف شخص سوري يحملون شهادات عليا تتناسب مع معايير التعليم للحكومة الألمانية. كما جرى تسجيل مغادرة أكثر من 18 ألف ممن يحملون شهادات دكتوراه وطب وصيدلة خلال سنوات الحرب، مما يشير إلى أن سورية تخسر نتيجة للازمة التي تعيشها خيرة عقولها النيرة والمتخصصة في مختلف ميادين العلم والمهن من اطباء ومهندسين وأكاديميين وكيميائيين وجيولوجيين واقتصاديين وإعلاميين وأدباء ومفكرين سيكون لهم الدور الأهم في البناء وإعادة إعمار البلاد بعد انتهاء الحرب.

الخسائر البشرية فاجعة مجتمعية وخسائر اقتصادية

ATTENTION EDITORS - VISUAL COVERAGE OF SCENES OF DEATH OR INJURY A man carries a dead child after what activists said were barrel bombs dropped by warplanes loyal to Syria's President Bashar al-Assad in Aleppo's al-Shaar neighborhood November 6, 2014. REUTERS/Abdalrhman Ismail (SYRIA - Tags: POLITICS CIVIL UNREST CONFLICT)

لا شيء يساوي الإنسان ولا شيء يساوي غلاوته، إلا أنه أينما دارت الحرب يصبح الإنسان المادة الأرخص لأنه يعتبر الوقود الرئيسي لها على الرغم من عدم إمكانية تعويضه، ومن هنا فإنه ما خسرته سوريا خلال سنوات الحرب الخمس من الكوادر البشرية التي تعتبر حامل التنمية الأول سواء قتلاً أو فقداناً وخطفاً أو هجرة ونزوحاً يشكل ضربة قاصمة للاقتصاد السوري (الذي وصلت مجموع خسائره إلى 254 مليار دولار حتى نهاية 2016) سواء في الوقت الحالي أوفي المستقبل. لما له من أثار سلبية واضحة على حجم #الناتج_المحلي من جهة وضياع الأموال التي صرفت على تأهيلهم من جهة ثانية.

فإذا اعتمدنا بعض المقاييس في حساب الكلف المصروفة للحصول على عدد من الشهادات التي هاجر أصحابها غالباً أو التحقوا بالمعارك فإنه يظهر لنا حجم الخسائر الهائلة التي لحقت بالاقتصاد الوطني السوري فوسطي تكاليف الحصول على شهادة دكتوراه في الطب أو الهندسة في سورية تصل لـ 216 ألف #دولار في حين تصل تكلفتها في  الاختصاصات النظرية لـ 200 ألف دولار كما تصل كلفة الحصول على إجازة جامعية في الطب أو الهندسة 64 ألف دولار و61 ألف دولار للاختصاصات النظرية تحملت الدولة تلك التكاليف في الاستثمار والإنفاق على القطاع التعليمي والبنى التحتية المرافقة كالمستشفيات والمكتبات والسكن الجامعي وغيرها أو دفعت كنفقات للإيفاد إلى الخارج دون تحقيق أي عائد أو الاستفادة منها بل استقبلتها دول اللجوء وحصلت عليها مجاناً مما شكل نزيفاً هائلاً للرأسمال البشري من جهة ولثروات البلد الاقتصادية وتبديدها من جهة ثانية.

حيث خسرت سوريا خيرة كوادرها البشرية التي كان من الممكن أن تساهم في رفع إنتاجية العمل وزيادة حجم الناتج المحلي في حين ستحتاج سوريا بعد إنتهاء الحرب إلى أولئك المتخصصين وأصحاب الشهادات والكفاءات العلمية والفنيين واليد العاملة لإنجاز مشروع إعادة الإعمار بأسرع وقت ممكن.

خسارة في قاعدة ومنتصف الهرم السكانيindex

من ناحية ثانية يمكننا الإشارة إلى معظم هذه #الخسائر_البشرية تعود لتلك الفئات داخل قوة العمل والتي كانت تساهم في عملية إنتاج الدخل والناتج القومي وأن هجرتها أو فقدانها أو موتها أو نزوحها من أماكن عملها لا بد وقد ساهم إلى جانب العديد من العوامل الأخرى كعدم الاستقرار الأمني ساهم في انخفاض مستوى التشغيل داخل الاقتصاد الوطني وبالتالي تراجعاً واضحاً في حجم الناتج المحلي في سوريا بنسبة تجاوزت 70% بين عامي 2010 و2016.

بقي ان نذكر أن المجتمع السوري قد تكبد خسائر كبيرة في نسبة فتوته حيث كان الشباب يشكلون النسبة الأكبر من الخسائر سواء لجهة القتل أو الهجرة والخوف الأكبر من المستقبل في بلد خسر أعداداً كبيرة من أطفاله الذين هاجروا مع ذويهم (20% من المهاجرين أطفال دون سن الخامسة بحسب تقديرات دولية) أو تسربوا من #التعليم (2.7 مليون طفل خارج التعليم بحسب منظمة #اليونيسيف) نتيجة النزوح أو التحول إلى سوق العمل تحت ضغط الظروف المعيشة الصعبة مما سينتج بلا شك أشخاصاً بثقافات غير سوية قد تدفع بهم إلى مهالك العادات السيئة ومجالات الحياة السلبية وإن غياب الوعي الثقافي والاجتماعي السوي لديهم سينعكس آثاراً سلبية على طريقة عيشهم وتريبة أبنائهم مستقبلاً أو على مساهمتهم في إعادة إعمار بلدهم.

خاتمة القول

ما زال الصراع المسلح في سوريا دائراً وما زال يحصد أرواح العشرات يومياً ويشرد المئات ويدفع بالآلاف نحو النزوح و #الهجرة ليبدؤوا ظروف حياة صعبة وذليلة وهنا يبقى هاجس الخسائر البشرية هو الطرف الأكثر مأساوية في هذا الصراع بأشكاله المختلفة من خلال ما يتركه من مآسي وآلام داخل الأسر والعوائل السورية ويحفر آثاره السيئة في عقول وذاكرة أطفالهم وأبنائهم ففوق خسارة البلاد لأبنائه وللأيدي التي كان بالإمكان أن تساهم في إعمار الوطن سواء من قتلوا أو من هجروا فإن من تبقى منهم ليس بأفضل حال فقد تركوا بيوتهم ومزارعهم ومصانعهم وأعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم وأصيب المجتمع بحالة من التشظي وتفتت بنيانه وشيئاً فشيئاً يفقد أبناؤه الأمل في حياة أفضل دفعوا كل تلك التضحيات لأجلها. ولا نملك سوى القول (فحتى لو لم نر أي ضوء في نهاية النفق يجب استمرار الاعتقاد بوجود ضوء ما وبقرب ظهوره).


التعليقات