بغداد 21°C
دمشق 9°C
الجمعة 5 مارس 2021
رحيل العلامة الموسوعي مروان شيخ الأرض - الحل نت

رحيل العلامة الموسوعي مروان شيخ الأرض


ودعت #دمشق يوم أمس الجمعة العالم الموسوعي والكاتب الإسلامي #مروان_شيخ_الأرض، في مشهد مهيب يعكس الاحترام الكبير الذي ناله الرجل من السوريين على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم.

ويعتبر مروان شيخ الأرض في الحقيقة مهندس السيرة النبوية وأكثر الكتاب المعاصرين الذين قاربوا سيرة النبي الكريم بالدراسة والتحليل العميق واقتباس أدق العبر من التاريخ للحاضر المعاصر.

وقد صدر للراحل الكريم أربع كتب في السيرة النبوية وهي السيرة النبوية الأسس الدعوية والحضارية ورحمة للعالمين وأخلاق الحرب في السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين، وهي سلسلة متتابعة من دراسات التاريخ الإسلامي قدمها بعين بصيرة فآرب فيها بين كفاح النبي الكريم في بناء الحياة وبين رسالته في لناء الناس.

وأقرب الدراسات إلى ما قدمه شيخ الأرض هو تلك الدراسة الضافية التي قدمها في مطلع القرن الماضي السيد عبد الحي الكتاني في كتابه التراتيب الإدارية في الدولة النبوية وتحدث فيها عن البنية التنظيمية والإدارية في الدولة النبوية، وإرهاص المؤسسات المدنية والحضارية والهيكل الإداري في دولة الرسول.

وفي عطائه الطويل كان شيخ الأرض يكتب بشجاعة وحكمة بلغة لا تشبه في شيء لغة الواعظين السردية العجائبية، ونجح في رد كثير من الحكايات المروية بإسناد قوي إذا كانت لا توافق المعقول، ولكنه مع ذلك لم يتورط بفتح جبهات جدل عقيم مع سدنة الرواية مثلما فعلنا، وظل يحافظ على مسافة واضحة من الاحترام للجميع، وكان بصيراً بمعاذيرهم واجتهد أن يقول كلمته ويمشي بعيدأً عن صخب الجدل والجدل المضاد.

وكتابه أخلاق الحرب في السيرة النبوية يصلح أن يكون مرجعاً أخلاقياً لبناء السلام في #سوريا بعد سنوات الحرب الضارية، وقد كان شيخ الأرض واقعياً تماماً فلم يقدم الرسول الكريم على أنه غاندي العرب، ولكنه رفض أن يطرحه على أنه غيفارا أيضاً، لقد قدمه بقلم المؤرخ البصير رجل دولة، لا بد أن يتحمل مسؤولياته في الدفاع عن الناس ببصيرة وحذر ومسؤولية، وأيامه العنيفة كانت في هذا السياق وحده، ولكن من المستحيل أن تقف في سطور حياته المجيدة يوماً قاتل فيه بدافع الثأر أو الانتقام أو شهوة الاستبداد والتسلط، لقد كانت رسالته في السلم أوضح مقاصد سعيه، وحين فرضت عليه مسؤولياته كقائد للدولة أن يخوض بعض الغزوات كان يقدم أنبل الصور لأحلاق الفرسان في المروءة والنبل والشهامة، وكانت الصورة الأكثر وضوحاً في كل أيامه الحربية أنه كان لا يوفر فرصة لحقن الدماء، وأن هدفه الرئيس كان قتل الكفر والردة والشرك ولم يكن أبداً قتل المشركين والمرتدين والكافرين، وقد استطاع بالفعل بحكمة وبصيرة وسياسة أن يحول هؤلاء المرتدين والمشركين والكافرين إلى شركاء حقيقيين في بناء حضارته وأن يكونوا طلائع النسور الحازمة التي حملت رسالته وهديه إلى الآفاق البعيدة لتؤسس لمجد حضاري قادم يستمر لقرون وقرون.

ولعل أكثر ما انفرد به شيخ الأرض في حضوره الاجتماعي والعلمي أنه استطاع أن يحظى باحترام السوريين أياً كانت مواقعهم في هذا الصراع، ومع أنه لم يغادر الداخل ولكنهم لم يفلحوا أبداً في جعله مطية للاستبداد كما صنعوا بأقرانه من رموز الفكر الإسلامي في #سوريا، وظل مثالاً حياً على مسؤولية القلم والفكر في مواجهة غرائز الاستبداد الهائجة، وأصبح حرجاً لأولئك التعساء الذين اختاروا المداهنة والممالأة تحت عناوين مصلحة الدعوة، وتحت عنوان مصلحة الدعوة خلقوا جيلاً بوجهين وبلسانين، يبرر النفاق بكل أشكاله الثعلبية على أساس شعارات الاستضعاف البائسة: إنا لنبش في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم، واليد اللي ما تقدر عليها بوسها وادعو عليها بالقطع، وعين ما تقاوم مخرز إلى غير هذه الحكم السوداء التي كرست الاستبداد والظلم قدراً أسود ينبغي احترامه والشكر عليه!

وأقل ما أقوله في هذا الباب بان الرجل احترم علمه، وأعرض عن جعله مطية للأهواء، ولو أدركه أبو الحسن الجرجاني لعلم أنه المقصود بقوله:

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم …. ولو عظموه في النفوس لعظما

ولكن أذلـــوه فهـــــان ودنســـوا …. محياه بالأطماع حتى تجهمــــا

وحين كنا نتحدث عن مجلس حكماء يلتقي عليه السوريون بكل أطيافهم كنا دوماً نعدك على رأس هذه القائمة المأمولة التي لم تجد النور بعد، وأرجو أن نتمكن من رؤية مجلس الحكماء هذا قبل أن يطوي الردى زملاءك الآخرين، ونفتقد أثرهم في عالمنا الصخب فلا نجده، فقد غدا أهل الحكمة والبصيرة في هذا العصر الانفعالي أمنية عزيزة لا نكاد نجدها إلا كما توجد الحبة في إثر الحاصدين وخصلة العنب في إثر القاطفين.

ولكن حديثي عن الرجل كفكر وقلم لن يشغلني عن الحديث عنه روحاً دافئة وابتسامة مهذبة ونكتة حاضرة، جمعتنا مئات المجالس في جامع أبو النور وكلياته العلمية، ومجالسنا التي كنا نأنس بها معه على ضفاف بردى هي أخلد ما بقي في الأذهان والقلوب من ياسمين الشام الشريف وعطره وذكرياته.

عليك سلام الله أيها المعلم النبيل، وخالص العزاء للأسرة الفاضلة والمحبين من أهلك وإخوانك وتلامذتك في كل شراد يتيه في السوريون اليوم، وأرجو أن تكتب لي حسنة في كل صلاة غائب يؤديها عليك من يقرأ هذه الكلمات.


التعليقات