مشاركة

فايز سارة

درج #صادق_جلال_العظم في حياته على مواجهة تحديات كثيرة وخطيرة، وهو اليوم يواجه تحدي المرض، مما دفع كتاب سوريين وعرب لتحية الرجل في مرضه من أجل الانتصار عليه، وهذا ما فعلته رابطة الكتاب السوريين قبل أيام، وكلها خطوات جرى القيام به مرات ومرات، ليس من جانب السوريين فقط، بل من جانب آخرين من العرب والأجانب سواء في إطار التحية الفردية أو المؤسساتية. فالرجل قيمة معرفية وعلمية كبيرة، وهو بين القامات السورية العالية، بما اتصف به مفكراً وباحثاً ومناضلاً وطنياً ديمقراطياً، كان بين أوائل الذين وقفوا في صف #الثورة_السورية في مواجهة نظام الاستبداد والقتل.

تحية صادق جلال العظم هذه المرة، تبدو مختلفة عن المرات الكثيرة السابقة، لأنها ترتبط بمعاناته مع المرض، وباحتمالات غيابه الجسدي الذي هو قدر من أقدار الإنسان، وهي إعادة تأكيد وإحياء للدور البارز والنشط الذي قام به الرجل على مدار عقود، طرح فيها وعالج من خلال مؤلفاته وكتاباته وأبحاثه ومشاركاته في ندوات ومؤتمرات أهم قضايا وتحديات الواقع في أبعاده المحلية والإقليمية والعالمية من موقعه مفكراً وفيلسوفاً ريادياً، ولدوره في التعليم، وقد تتلمذ وتخرج على يديه عشرات آلاف الجامعيين في العديد من الجامعات في #سوريا والبلدان العربية والأجنبية ممن لم يكتسبوا العلم والمعرفة منه فقط، بل اكتسبوا منه طرق تعامله الإنساني والديمقراطي، وتعلموا طريقه انخراطه في الفضاء العام وقضاياه، وهذه مزية ربما كانت الأهم فيما تركه الرجل في علاقته مع الآخرين ومع تلامذته بشكل خاص، لأن العلم والمعرفة، يمكن أن تكتسب بطرق مختلفة، أما الأخيرة فلا تكتسب إلا بالمعايشة والتجربة المباشرة.

كثيرون (وأنا منهم) عرفوا صادق جلال العظم من خلال كتاباته، ولاسيما كتبه، والتي جاء بعضها بالمشاركة مع آخرين مختلفين ومتوافقين، ليعطي موضوعاتها مضامين ومحتويات، تزيد من أهميتها، وكان الأبرز بين كتبه: دفاعاً عن المادية والتاريخ وذهنية التحريم، وما بعد ذهنية التحريم ونقد الفكر الديني، وأثر الثورة الفرنسية في فكر النهضة، والإسلام والنزعة الانسانية العلمانية، ثم الأصولية الإسلامية: تحديد نقدى للمشكلات والأفكار والمداخل إلى جانب كتب أخرى.

غير أن معرفتي الأهم مع الرجل، كانت مع بدء #ربيع_دمشق في السنوات الأولى من العقد الماضي، والتي توجت بعمل مشترك مع فعاليات ثقافية وسياسية واجتماعية، غلبها هم إخراج سوريا والسوريين من واقع نظام الاستبداد والتخلف الذي كرسه في حياة السوريين وبلدهم، وهو العمل الذي انتج وثيقتي ربيع دمشق: بيان 99 وبيان الألف، قبل أن يتمخض عن التجربة الأهم في لجان إحياء المجتمع المدني، وقد لعبت دوراً ريادياً في السعي من أجل تغيير ديمقراطي ومتدرج وسلمي، خوفاً من ذهاب نظام الأسد نحو العنف العاري بالصورة التي صارت إليها الكارثة السورية.

صادق جلال العظم، كان في صفوف كوكبة السوريين، التي وضعت ملامح المسار الوطني الديمقراطي وتحولانه في سوريا، ثم ذهبت إلى الأبعد من القول وصولاً إلى الممارسة، ومن السر إلى العلانية، ومن الانغلاق على الذات النخبوية وما حولها وصولاً إلى الفضاء العام بما فيه من مواطنين لتعزيز إحساسهم بالمواطنة والمساواة والإصرار على الذهاب نحو الحرية باعتبارها قيمة عليا للإنسان وموجهاً أساسياً في حياته.

في ذاكرة تلك الأيام كثير من تفاصيل وحيثيات عن الطموحات والأهداف، عن الموضوعات والنقاشات الجارية حولها، عن الأصدقاء وعن المعاناة، التي كانت تحيط بهم من نظام الاستبداد وأجهزته، وكثير منها كان بيت صادق في المهاجرين أحد مسارح مجرياتها … الراحلة فوز، والعزيزة إيمان كانتا بين شهود تلك المرحلة، التي أعطى فيها صادق كثير من وقته وجهده لإغنائها مع أعزاء آخرين من أجل سوريا حرة رغم ما أحاط بالسوريين وبلدهم من كوارث، لن تمنع مجيء التغيير الذين حلم به صادق جلال العظم مع السوريين الآخرين وعمل على تحقيقه.


التعليقات

التعليقات

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/xZqNS