مشاركة

د.محمد حبش

فرض الانهيار الحضاري والمجتمعي الذي واجهناه في السنوات الأخيرة مراجعات عميقة تتناول الأصول والفروع، والثوابت والمتغيرات، ودعوة غاضبة لإعادة بناء الإنسان بناء يستقيم مع المستقبل الطافح بالتحديات والحاضر المعجون بالخيبات والماضي المنهك بالغرور.

ويطالب كاتبون كثير بأن لا يستثني النقد أحداً، بدءاً من سلوكيات رجال الدين اليومية إلى مواقف #الرسول_الكريم نفسه!!

وعادة ما يستدعي مثل هذا المطلب غضباً ونزقاً غير معتاد، ويعتبر الآخرون أن الاقتراب من مقام النبوة بأي لون من النقد هو عمل من أعمال الكفر توجب الردة وإحباط العمل، وتفرز بالتالي اتهاماً مباشراً بتآمر دولي ضد الرسالة والرسول وعمل تخريبي تديره قوى الشر العالمية ضد الإسلام، وهو ما عرفته الشوارع الإسلامية الغاضبة خلال السنوات الأخيرة في رد انفعالي ثائر ضد بعض الممارسات النقدية من صحف ومجلات أوروبية!!

في الواقع لا أرى مبرراً لهذا الغضب كله، وأعتقد أن العقل النقدي تجاه صاحب الرسالة هو موقف قرآني مباشر له ألف شاهد في الكتاب والسنة، فالقرآن الكريم لم يشأ أن يكتم تهمة واحدة مما ألقاه المشركون ضد الرسول، فقد ذكر كلامهم فيه أنه ساحر وأنه مجنون وأنه يملي أساطير الأولين وأنه افترى على الله الكذب، وكان بوسع #القرآن الكريم أن يسقط كل هذه التهم وأن يصرح بعد أن انتصر النبي الكريم أن الخلق جميعاً متفقون على نبوته وإمامته وأن لا شيء في الدنيا من إنس أو جن أو حجر أو طير إلا وهو يعلم منازل نبوته، وأن الشجر والحجر كان يسلم عليه وأن الغمام كان يظلله وهي الحكايا التي ما فتئ يرويها كثير من المحدثين والمؤرخين وكتاب السير على الرغم من لا معقوليتها وأدائها السلبي في فهم الرسالة والرسول.

ولكن الرسول الكريم لم يفعل شيئاً من هذا وترك العقل النقدي يمارس سلطته، وكان يجيبهم كلما طلبوا العجائب بقوله: سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً؟

وحين اعترضوا عليه تصريحه بأنه لا يعلم شيئاً من أمر الساعة والقيامة أجابهم بمنتهى التواضع ما المسؤول عنها بأعلم من السائل!!

بل إن القرآن الكريم نفسه واجه هذا الرسول الكريم باعتراضات بالغة  القسوة كما في سورة الأحزاب: وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه، وفي سورة الحاقة: ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين! فما منكم من أحد عنه حاجزين!، وفي الإسراء ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا سبيلا! وفي سورة الأعمى عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى!…

ولو شئت لاستعرضت مئات الآيات والاحاديث التي تشير إلى أن الرسول الكريم لم يكن خارج دائرة النقد وأن القرآن واجهه بهذه الحقائق مراراً وأن الصحابة  أنفسهم واجهوه بها، وفي دلالة قريبة فإن #عمر_بن_الخطاب على سبيل المثال أطلق موقفاً نقدياً شديداً في مواجهة الرسول سبع عشرة مرة مخالفاً لرايه، ومن العجيب أن الوحي في كل منها كان يأتي على وفق رأي عمر! بخلاف رأي الرسول، وكان الرسول الكريم نفسه يتعجب من ذلك، وفي احدى هذه الموافقات قال له الرسول  الكريم لو نزل عذاب من السماء لما نجا منا أحد إلا أنت يا عمر….

لا أرغب المضي للآخر في هذه الروايات التاريخية ولكن أؤكد مرة أخرى أن النقد حتى في شخص النبوة كان مادة متاحة للناس وأنهم مارسوه بحرية وشجاعة قبل أن يتحول الفقهاء فيما بعد إلى موقف استبدادي يجعل أي نقد للرسول مدخلاً للردة الموجبة للقتل وهذا لعمري هو أخطر تشويه للدين والرسالة والرسول.

قناعتي أن جيل الإسلام الأول مارس بشجاعة وصرامة هذا النقد المباشر، واختبر ببصيرة ووعي قرارات الرسول الكريم، ومراراً وقف عمر بن الخطاب في اعتراض شديد يقول: ألستَ رسول الله؟؟؟ ألسنا بالمؤمنين؟؟؟ أليسوا بالكافرين؟؟؟ علام نعطي الدنية في ديننا؟؟؟

لا توجد أي رواية تزعم أن الرسول عاقب عمراً على مواقفه تلك، ولا توجد أي رواية تزعم أن الرسول الكريم أسرها في نفسه ولم يبدها لهم وأنه انتظر لحظة مناسبة ليبطش بهذه الانفعالات الغاضبة التي لا تعرف قدر النبوة ولا تقدرها قدرها، لقد تعامل معها كسلوك نقدي صحيح يمارسه أتباع عاقلون ببصيرة ويقين.

وفي يوم الحديبية شارك مئات الصحابة في موقف احتجاجي صريح على إبرام صلح الحديبية ورفضوا تنفيذ الأوامر، وحين أمرهم الرسول بالحلق والتحلل والقفول إلى المدينة لم يطعه أحد!! وفتحت حوارات متوالية لرفض قرار النبوة في الصلح، ودخل الرسول حزيناً على أم سلمة يشتكي أن الناس لم يستجيبوا لأمره، ولكن السيدة الصالحة أم سلمة ذكرته بأن عليه أن يتوقع مثل ذلك من الناس فهم لم يعودوا قطيعاً يمضي في تنفيذ الأمر بلا بصيرة، لقد أصبحوا أحراراً ومن مسؤولية القائد أن يقدم لهم تفسيراً يقنعهم عند اتخاذ أي قرار.

وفي يوم الجعرانة اختار الأنصار موقفاً نقدياً شديداً من أسلوب الرسول الكريم في توزيع الغنائم الجعرانة ورفضوا قراره التاريخي تحرير 4500 سبية وقعت في يديه وردهم إلى ثقيف بلا مقابل، فقد كانت هذه السبايا أكبر مغنم مادي في تاريخ الرسالة على الإطلاق ولم يكن العقل الجمعي ليستنكر السبي آنذاك، ورأوا في موقفه هذا تفريطاً لمغانم هائلة، ثم اعترضوا أشد الاعتراض على قيام الرسول بتوزيع الغنائم في سراة الأعراب والطلقاء وزعماء القبائل، وأرسلوا وافدهم إلى الرسول الكريم سعد بن عبادة يناقشه في أمر قسمة الغنائم ويؤكد رفض الأنصار لهذه الطريقة في قسمة الغنائم.

وهذه المواقف مفصلة في القرآن في سورتي الفتح والأحزاب، تشير إلى حجم الاعتراض الذي مارسه صحابة كبار في مواجهة الرسول.

لا يوجد أي رواية في التاريخ الإسلامي ولا في السيرة النبوية تشير إلى أن النبي الكريم أغضبه هذا الموقف النقدي أو أنه توعد المعترضين بالويل والثبور وعظائم الأمور، لقد كان يخاطبهم بوداعة معترفاً بحقهم في النقد ويقدم وجهة نظره فيما كان يتخذه من قرارات.

وفي مواقف متعددة أعلن للناس أنه يتراجع عن كثير من الآراء التي اختارها بعد أن تبين له أن الصواب كان في غيرها، فقد تراجع عن موقفه في القبلة إلى القدس ثم إلى مكة، وتراجع عن موقفه في التحصن بالمدينة يوم أحد، وتراجع عن موقفه في منع زيارة القبور، وتراجع عن موقفه في تحريم ادخار لحوم الأضاحي، وتراجع عن موقفه في تحريم رضاع الغيلة، وتراجع عن موقفه في قتل النضر بن الحارث، وتراجع عن موقفه في قتل سعد بن أبي سرح، وتراجع عن موقفه في قتل عكرمة، ويمكن أن نحصي أكثر من ثلاثين موقفاً تراجع فيها عن اختياره تحت ضغط الموقف النقدي الذي مارسه الصحابة.

وفي موقف أشد وضوحاً فقد كان يقسم على الشيء ثم يتراجع عنه حين يبدو عواره، والصادق لا يقسم إلا فيما هو يقين، وربما كان هذا النبي هو الزعيم الوحيد في التاريخ الذي قال بشجاعة: إني لا أحلف على يمين ثم أجد غيرها خيراً منها إلا فعلت الذي هو خير وكفرت عن يميني.

إن عملية النقد لشخص الرسول قد تمت تاريخياً  ابتداء من عصر تنزل النص القرآني، ولا ينبغي أن يزعجنا استمرار هذه العملية النقدية طالما أنها مؤسسة على  العلم الموضوعي واحترام حقائق التاريخ.

ولكن هذا النقد المتتالي عزز حقائق مهمة لا يمكن الشك فيها وهي أن هذا الرسول كان بالفعل أروع نموذج للإنسان المؤمن بالإنسانية والمؤمن بالسلم والمؤمن بمكارم الأخلاق، ولعله الرجل الوحيد في التاريخ الذي جميع بين النبوة والدولة ونجح فيهما معاً وأسس عالماً من المشاعر الطاهرة والسلوكيات الرائدة التي يتوق إليها العقل والقلب وتلتمس روحانيتها وصفاءها القلوب حين تبحث عن الطهر والبراءة والاستقامة.

إن هذه الحقائق تدل لها كل فصول السيرة الكريمة لرسول الله، ولا يندُّ عنها إلا بعض روايات شاذة يجب مواجهتها بشجاعة ونحن نكتب فيها كل يوم وأشير إلى أهمها روايات العرنيين وشرب أبوال الإبل وروايات بني قريظة وما روي في العلاقات النسائية وهي روايات ساقطة بهرمونوطيقا العقل والرواية، على الرغم من ورودها في كتب تسمى بالصحاح، ولا يجد العقل الموضوعي أي حرج بالحكم بشذوذها روائياً وسقوطها تاريخياً.

إن البحث عن القدوة الحسنة المقدسة للناس هو أمر غريزي فطري، وحاجة إنسانية حقيقية، حتى لو كنت يسارياً لا تؤمن بالنبوات كلها فإنني أعتقد إن وجود شخصية تاريخية تشكل أسوة أخلاقية حسنة لمليار إنسان في الأرض هي هدف أخلاقي واجتماعي يتعين الحفاظ عليه واحترامه وتنقية ما لحق به من شوائب.

إنني أدعو اليساريين والعلمانيين لدراسة اجتماعية متجردة للبحث في الشخص الذي يتبوأ مكان المثل الأعلى في ضمائر البشر، ونتحدث هنا عن الخمسة الأكثر تأثيراً في التاريخ البشري محمد والمسيح وبوذا وكونفوشيوس وبراهما، الذين يتبعهم روحياً وعاطفياً أكثر من خمسة مليارات إنسان في العالم، يبلغون ثلاثة أرباع سكان الأرض، والذين ظهروا في التاريخ بمعدل شخص واحد كل خمسمائة عام، وهل يعتبر وجود هذا المثل الأعلى، والدفاع عن قداسته وطهره ضرورة اجتماعية وهدفاً تربوياً أم يعتبر ترفاً ودلعاً لا مبرر له.

إن فولتيير يصرح أن الله ضرورة أخلاقية للمجتمع وأنه حتى في افتراض عدم وجوده فيجب صناعة مقدس مقنع تلتف حوله القلوب وتنقاد إليه الضمائر.

إن تكريس مكان الرسول محمد كرمز مقدس ومثل أعلى وذات طهور يطوف حولها الإنسان في بحثه عن المثل الأعلى ليس مجرد كلام عاشق للرسول يرسم مشهد حبه بعواطفه وشعره، إنه موقف حكماء العالم الذين أدركوا بالبحث والبصيرة واليقين دور رسول الله الإنساني والاجتماعي وأعلنوه أعظم عظماء التاريخ.

لا نحتاج لتأكيد ذلك أكثر من أن نقرأ ما كتبه تولستوي وبرناردشو وجوته وغوستاف لوبون وجان جاك روسو وول ديورانت ومايكل هارت والمهاتما غاندي وتوماس كارليل وجورج ويلز ونلسون مانديلا…..

والقائمة تطول، ولا أظن أن أياً من هؤلاء الرجال حول دينه ليصبح مسلماً ولكنهم جميعاً أظهروا ابتهاجاً إنسانياً لوجود شخصية كهذه يلتزم الاقتداء بها مليار إنسان في الأرض، وهي تكرس فيهم دعوة للسلام والمحبة والإخوة

كتب الفيلسوف الفرنسي لامارتين: إذا أخذنا بكل مقاييس العظمة….. فلن يكون هناك في التاريخ أعظم من محمد.


التعليقات

التعليقات

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/4qggd