مشاركة

د. محمد حبش

إنه شعار نبيل وطاهر، يشبه في نبله وطهره شعار لا حكم إلا لله، فالأول دعوة للسنة والثاني دعوة للكتاب، وهما أول المسلمات لدى كل مسلم في العالم.

ولكن هل نملك الجرأة والوعي الذي ملكه الخليفة الراشدي #علي_بن_أبي_طالب حين واجهته الخوارج بهذا الشعار النبيل وقال لهم بشجاعة إنها كلمة حق أريد بها باطل؟

ليست المسألة في التحليل اللفظي للشعار ولا في إيراد الحجج والأدلة على صدقه ومطابقته للكتاب والسنة، ولكنها مسألة زمن وحكمة، ووعي ورشد.

كان الحراك وطنياً، يشمل كل سوري ذاق الظلم وكل شريف وحر في العالم يؤمن بالعدل وكرامة الإنسان، وقد حقق الحراك تضامناً دولياً وعالمياً مع هذا الشعب المنكوب، كصرخة حرية وعدالة وكرامة، وخلال شهور قليلة تميز الخير من الشر والكرامة من الاستبداد، والحرية من القمع، وقيل للناس هذا هو خيار الناس في #سوريا وهذا هو خيار الاستبداد، واحتشدت في #تونس فبراير 2012 سبعون دولة أعلنت قطع علاقاتها مع النظام والاعتراف بالمجلس الوطني ممثلاً وحيداً للشعب السوري.

ولكن الطائفية لا تنام وهي متوثبة متحفزة على الدوام، ويتقن النظام الاستبدادي تماماً كل أجراس التنبيه والتحذير والتثوير للخطاب الطائفي، وحين انطلقت الحناجر بصيغ طائفية فإننا على الفور أحرجنا شعوب العالم الأخرى في الدفاع عن قضيتنا كحراك إنساني يريد العدالة والكرامة إلى حراك ديني يخص المعتنقين لهذا المذهب، وفي الداخل السوري فقد أعادت هذه الشعارات تصنيف الناس حسب طوائفهم وأيقظت مشاعر الاصطفاف الطائفي بكل تداعياته، وبالتالي فقد وجد النظام ضالته أيضاً بهذه الروح الطائفية واستجلب من شتات الأرض الفصائل الطائفية المحاربة على أساس مذهبي وطائفي محض، وقال للعالم إنني أواجه اصطفافاً طائفياً مريعاً وأنني أداويها بالتي كانت هي الداء.

وبالمقابل فقد طرحت هذه الشعارات الثورة على أنها موقف فقهي وطائفي، وإن لم يكن هذا مقصد الثوار ولا أهدافهم، وبالتالي فقد تم تحييد تيارات أخرى تؤمن بالثورة ولكنها لا تريدها تحولاً فقهياً وتشريعياً بل تريدها تحولا نحو الانسانية والكرامة والخلاص، ويشترك في هذا أبناء الوطن من طوائفه المختلفة ومن علمانيين واشتراكيين وقوميين وكثير منهم عانى في سجون الاستبداد وزنازينه سنين طويلة.

ولكن الأسوأ هو بالفعل قيام كيانات طائفية دموية بسطت ذراعها الأسود في المناطق التي سيطرت عليها المعارضة وراحت تطبق أشد أشكال التوحش الطائفي قتامة وخطراً، وقدمت للعالم كله صورة بشعة سوداء للثورة السورية في اضطهاد النساء وظلم الأقليات والبطش بالمخالفين، ولا تزال #داعش حتى هذا اليوم تجلد المدخنين وتاركي الصلاة على الرغم من كل ما يحيط بها من تداعي الأمم.

لا نحتاج للتعامل مع هذه الشعارات أكثر من منهج القرآن الكريم نفسه الذي دعانا إلى سد الذرائع بوعي وحكمة، وحتى في مجال التوحيد الذي لا مساومة عليه فإن القرآن جاء صريحاً: “ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم”. ووفق منطوق الآية فإن مسائل كبيرة كالتوحيد يمكن تجاوزها والتغاضي عنها إذا كان الأمر فيها يتطلب وعياً

وحين دعا أهل الكتاب للتعاون والتكامل في مواجهة الجاهلية الوثنية المنكرة للخالق لم يشترط أكثر من مبدأين: الإيمان الذي يقبله الكل ومبدأ رفض الظلم والخضوع للمستبد الذي هو هدف الكل أيضاً، “قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله”، وحين تحلل الشروط التي طلبتها الآية الكريمة فلن تجد أكثر من شرطين اثنين: القبول بالخالق وهو ما يؤمن به كل الفرقاء من يهود ونصارى وهم أهل الكتاب، ورفض الظلم والخضوع لغير الله وهو ما يؤمن به الجميع أيضاً، وفي هذا السياق الاتفاقي جاءت الآية الكريمة بالدعوة إلى الكلمة السواء.

لم تأت الآية على مناقشة تفاصيل الصلاة والصيام والزكاة والحج، ولم تأت على تفاصيل التفويض والتأويل والذات والصفات وتوحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، ولم تناقش تحريم الخمر والزنا والربا، واعتبرت ذلك كله مسائل مؤجلة لا تخص مرحلة التعاون مع أهل الكتاب لمواجهة الجاهلية الوثنية التي هي تحدي المرحلة.

أي اصطفاف طائفي مهما كان حجمه ولونه هو في الواقع خدمة لمايسترو الصراع الطائفي الأسود الذي جلب أسوأ اشكال النكبة والكارثة.


التعليقات

التعليقات

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/BU4Ju