مشاركة

د. محمد حبش

لعل أصعب أنواع الكتابة أن تكتب عن الحب في زمن الحرب، وعن المودة في زمن الكراهية، وعن اللاعنف في غبار الحرب…ولكن هذا القدر من التحدي هو ما يجعل الكتابة في هذا الباب جهاداً في سبيل الله وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وسداً لذرائع الأذى عن الأمة وفتحاً لذرائع الوصال مع الأمم.. وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا.

لا أعتقد أن في كوارثنا الثقافية كارثة أكبر من هذا الرعاب الذي يعيشه المسلم ضد العالم من حوله، وهو ما أدى بالتالي إلى رعاب مماثل من الشعوب الأخرى تجاه المسلمين، وخلق قطيعة فظيعة مع الإسلام وجعل شعوب الأرض تنظر إلى المسلمين نطرة ريبة وخوف تحول دون بناء ثقة ومحبة ومودة مع شعوب الأرض.

وفي الأيام الأخيرة كتب بعض الدعاة الإسلاميين تحيات لإخوتهم المسيحيين في يوم مولد #المسيح عليه السلام، ولكن صفحات التهنئة هذه تحولت فوراً إلى ساحات جدل عقيم، في جواز تهنئة الآخرين بأعيادهم، وأصبح آخر ما تتوقعه أن يكون هدف التهنئة بالفعل الوصول إلى شركائنا في الوطن وتبادل التهاني معهم، لقد نسي المهنِئون والمهنَّؤون هذا الهدف في غمار الجدل المحموم، وتحولت صفحات التهنئة إلى منابر هجاء للأديان وتصريحات ومقاطع فيديو تحض على الكراهية وتخترع أوهام الرعاب من الآخرين والتحفز والتربص بما يكيدون لنا ونكيد لهم، وهو يقتل كل رجاء بالأمل والعيش المشترك ويقضي تماماً على أشرف الآمال في انتصار ثورة الحق والعدالة، التي كرست في أيامها الأولى الجمعة العظيمة في وفاء واضح لرسالة المسيح وهديه وإنجيله الحكيم.

وتأكيداً لهذه الحقيقة فإن #القرآن_الكريم خص سورة كاملة للحديث عن ميلاد السيد المسيح ووصف تفاصيل هذا الميلاد بأدق ما يمكن من الوصف، من الحمل إلى الولادة إلى الكلام في المهد إلى الرضاع إلى الفطام إلى الصبا فالفتوة فالشباب، يكلم الناس في المهد وكهلاً، ثم ختم الحكاية بنص بالغ الوضوح: والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً.

ولو أننا قرأنا الآية دون زيادة أو نقص لكنا بالفعل نقدم أجمل تهنئة لجيراننا في الوطن من أبناء السيد المسيح عليه سلام الله ونوره.

من المؤسف أن نتحاور في جواز هذه المجاملة ونحن ننتمي إلى كتاب الله الذي يقول: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها.

من المؤسف أن تغلب علينا هذه الروح المتحفزة المتربصة ونحن ننتمي إلى رسول المحبة والسلام الذي أعلن رسالته بكلمتين: أفشوا السلام وصلوا الأرحام، ثم شرح السلام المقصود بقوله: وأن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف.

وعلى الفور سيتلقاك من يحدثك غاضباً كيف نهنئ من يقصف رؤوسنا ومدننا من النصارى الروس، الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة؟

من المؤسف أننا نطن أن هذه القوى المتوحشة يقودها دين أو كتاب، إنها قوى توحش طاحن لا مكان في ضمائرها المثقوبة لقيم الأخلاق ولا الأديان، وروسيا السوفياتية أكملت حربها على الدين كله منذ أكثر من مائة عام، وعاش المؤمنون فيها من مسلمين ونصارى اضطهاداً رهيباً لسبعة عقود متتالية، ولدى الاستبداد الروسي اليوم بعض كنائس تسير في هواه تشبه ما يملكه النظام من عمائم تائهة تسير في هوى الاستبداد، حتى وإن كان هواه في لعن المرسلين وشتم النبيين، واستجداء مزيد من القصف والقتل الروسي ضد إخوانهم في الوطن والدين.

وحين تتحدث عن جارك المسيحي وشريكك في أرضك ووطنك، والمشترك الهائل من الإيمان والتحديات المشتركة التي تواجه الإسلام والمسيحية فإنك تواجه بحملات لا تنتهي في الصحافة الصفراء والعالم الأخضر بالتذكير بمجتمع الغرب على أنه مجتمع الجرائم والخطايا والشذوذ والانحراف مع أن أدنى وعي بالمجتمع الغربي يحملك على القول بأن هذه الخطايا هي بالذات هي ما تحاربه الكنائس في برامجها وعظاتها ومسؤولياتها.

ويمضي العقل الانفعالي التائه إلى حد يقفز فيه فوق كل مسلمات الشريعة وينقل عن ابن القيم قوله: إن ارتكاب الكبائر كافة لا يعدل في الإثم تهنئة النصارى بعيدهم!!!!

إنها ذهنية التحريم في أشد صورها قتامة، ولست أدري كيف يسوغ أن يلقى كلام كهذا على عواهنه وينسب إلى إمام كبير وهو مخالف لكل ما علم من الدين بالضرورة، وفي القرآن الكريم: وقد فصل لكم ما حرم عليكم، في آيات غاية في الوضوح، ثم أنزل سورة كاملة فيها أكثر من عشرين آية تشير إلى غضب الله على من يحرم ما لم يأذن به الله، قل لهم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ثم قال: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون.

كيف يمكن لثورة قامت ضد الظلم والفساد والاستكبار أن تقبل فرزاً اجتماعياً في الحقوق والواجبات والسلطويات المجتمعية بهذه الطريقة الطائفية التي أصبحت مرفوضة تماماً عالمياً وحقوقياً وإنسانياً، وكيف يمكن للسوري الثائر أن ينبي شراكات صحيحة مع إخوانه في الوطن وهو يحمل في جعبته هذا القدر من ثقافة الكراهية؟ إننا نعيد إنتاج أسوأ ما مارسه الاستبداد من تمييز وقهر على أساس قومي إلى تمييز وقهر آخر على أساس طائفي.

لا أعتقد أن المطلوب الاسترسال في الأدلة الشرعية في مسألة كهذه ويكفي أن تقرأ ما سطره العلامة مصطفى الزرقا في هذه المسألة مما لا مزيد عليه في الوصوح والبيان.

إنني أشعر بالحرج أن يمضي جيل آخر إلى هذه الثقافة الارتيابية البائسة في معاداة العالم كله، وافتراض الشر والشرك والكفر في كل المجتمعات المسيحية وهي تبلغ نصف سكان الأرض!! ونحن ننتمي إلى قرآن بدأ خطابه بصيغة الحمد لله رب العالمين ولم يقل رب المسلمين ولا رب المؤمنين، وختم حروفه بقوله: رب الناس ملك الناس إله الناس، في إشارة واضحة لعلاقة المسلم بالعالم من حوله، وما بين المبدأ والخاتمة ألف دليل ودليل أن الأرض أرض الله والخلق عباده وأن الخلق كلهم عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله.


التعليقات

التعليقات

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/13PnI