مشاركة

فايز سارة

يمثل التوافق الروسي – الإيراني – التركي، وما نتج عنه، وخاصة اتفاق وقف إطلاق النار، نقطة تحول بارزة في القضية السورية. وطوال الوقت الماضي، كان ثمة اختلافات وتناقضات داخل مجموعة الدول الثلاث في الموقف من القضية السورية ومن تطوراتها ومسارات حلها، والسبب الجوهري في الاختلافات والتناقضات، إنما ينبع من اختلاف الاستراتيجيات والأهداف والسياسات العملية، التي اتبعها كل طرف في الموضوع.

وإن بدا أن ثمة توافقات جوهرية في الموقفين الروسي – الإيراني، أدت الى وقوفهما متحالفين إلى جانب نظام #الأسد لحمايته والحفاظ عليه من السقوط، بما بتجاوز دعمه السياسي والاقتصادي وصولاً إلى التدخل العسكري المباشر والكثيف من جانب #روسيا و #إيران، ودفع الأخيرة بميليشياتها اللبنانية والعراقية والأفغانية للقتال إلى جانبه منذ سنوات، فإن ذلك لا يعني عدم وجود تناقضات واختلافات بين الطرفين، الأمر الذي سوف تتزايد شقته مع احتمالات الحل السوري، والذي يمثل التوافق الثلاثي مقدمة لها، إذا أتيح له أن ينجح في مسعاه.

وبخلاف الوضع بين الطرفين الروسي والإيراني، فان التناقض والاختلاف التركي مع الطرفين ومع كل واحد منهما هو الأشد والأكثر وضوحاً بسبب تباينات في استراتيجية #تركيا، وما أعلنته من الأهداف وما اتبعته من سياسات حيال القضية السورية في السنوت الماضية، بدأ في إعلان طلاقها من علاقات وثيقة وقوية مع نظام الأسد بعد أن فشلت جهودها في عقلنته، ولجم كباح دمويته في التعامل مع المتظاهرين والمحتجين بداية الثورة، ثم أعلنت انحيازها لثورة السوريين، وتبينها لمطالب إسقاط النظام، وفتحت أبواب تركيا للنازحين والفارين السوريين من جحيم الحرب، وكذلك للمعارضة السياسية والتشكيلات المسلحة، وهذا بعض من عوامل أخرى، جعلت تركيا لاعباً رئيسياً في الصراع السوري، وما يتصل به.

لقد سعت تركيا في ضوء الحقائق السابقة إلى تأكيد دورها السوري، غير أن ذلك كان مرتبطاً بدور إقليمي – دولي، كان الأبرز في تعبيراته دور “أصدقاء الشعب السوري” الذي تولت فيه الولايات المتحدة دور القيادة والقرار فيه، مما منع #أنقرة من الذهاب إلى الأبعد في تدخلاتها السورية شأنها في ذلك شأن القوى الأخرى العربية والأوربية التي كانت قراراتها وماتزال مرهونة بالموقف الأميركي لاعتبارات سياسية وعسكرية، خاصة وأن تركيا ترتبط مع الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية في حلف شمال الأطلسي، مما يلقي بمزيد من المسؤوليات والالتزامات على أنقرة، ويلجم طموحاتها في الذهاب إلى غير ما يقرره الحلف بصدد #سوريا، وقد كان سقفه الموقف الأميركي الملتبس والضعيف كما هو معروف.

وإذ سعت تركيا لإحداث تغييرات في الموقفين الإيراني والروسي حيال القضية السورية، لكنها فشلت، دون أن يمنعها الفشل عن إبقاء روابطها الاقتصادية وتطويرها مع #إيران رغم الخلاف السياسي، وتبعت نفس السياسة مع #موسكو، غير أنها ومع ذهاب الأخيرة إلى التدخل العسكري في سوريا أواخر العام 2015، قامت بالتصعيد ضدها، وكان المؤشر الأبرز إسقاط الطائرة الروسية من قبل مقاتلات تركية، غير إن التطورات السياسية في المنطقة وفي القضية السورية، جعلت تركيا تعيد النظر بعلاقاتها مع روسيا، وتدخل معها في مصالحة وتفاهمات جديدة ثنائية وإقليمية، مهدت للتوافق الثلاثي بعد مشاورات بين كبار المسؤولين في البلدين استمر أشهراً.

ويمثل التوافق بما تضمنه من إعلان موسكو، والإعلان عن مؤتمر استانة، ثم اتفاق وقف إطلاق النار في كامل الأراضي السورية بالنسبة لتركيا تحولاً في مكانتها ودورها في القضية السورية، تتركز إيجابياته في مجموعة نقاط الأبرز فيها:

أول النقاط، أن التوافق عزز وضعها كقوة مؤثرة في القضية السورية، تقارب أو تزيد عن المكانة التي تحظى بها #روسيا و #إيران، لتصير بين أهم ثلاث دول فاعلة في الموضوع السوري، والوحيدة من الدول غير الداعمة لنظام الأسد في التأثير على احتمالات تطور الصراع السوري ومستقبله، والأهم في هذا الجانب، أنه تم دون اعتراضات جدية في المستويين الإقليمي والدولي.

والنقطة الثانية لمكسب انخراط تركيا في التوافق الثلاثي، انها تثبت وجودها وتأثيرها القوي والميداني في الداخل السوري وخاصة في ظل ثلاث معطيات أساسية، أولها علاقتها مع التشكيلات المسلحة الرئيسية في المعارضة السورية ومع الائتلاف الوطني السوري، وثانيتها تشاركها مع قوات الجيش الحر الانتشار في غربي الفرات حيث تتطلع من جهة إلى مدينة الباب التي تسيطر عليها #داعش وإلى منبج التي تسيطر عليها #قوات_سوريا_الديمقراطية، والثالثة علاقاتها الخاصة مع #السعودية و #قطر أهم طرفين عربيين مؤثرين في القضية السورية.

والنقطة الثالثة، مع دخول إيران في التوافق الثلاثي وفي سياق المفاوضات الأخيرة، كشفت أنقرة الاختلافات الروسية – الايرانية، وهزت تحالفهما ليكشف كل طرف منهما عن ما خفي من سياساته، وهو ما ظهر جلياً في تنافس الطرفين على إحكام السيطرة على مدينة #حلب، حيث سارعت روسيا إلى إرسال مئات العناصر من قوات النخبة الشيشانية لضبط الأمن في حلب، فيما كانت إيران تسعى لإرسال مزيد من المستشارين العسكريين إلى حلب.

والرابعة، إن مشاركة تركيا في التوافق الثلاثي عزز الدور مكانتها السياسية إقليمياً ودولياً، حتى أنها دفعت الدول التي كانت مهددة للاشتباك معها مثل روسيا للعمل على إنتاج توافقات معها، ليس فقط على المستوى السوري، بل عقدت معها اتفاقات سياسية واقتصادية كبرى مثل مشروع مد أنابيب الغاز الروسية من الأراضي التركية نحو أوروبا “السيل التركي”، كما عزز مكانتها في الاتفاق الأوروبي – التركي حول موضوع الهجرة.

خلاصة الأمر، إن تركيا في ظل التوافق الثلاثي مع روسيا وايران، ورغم إنه توافق يتصل أساساً بالموضوع السوري، فإنه عزز مكانتها الإقليمية والدولية ودورها، إضافة لما يحمله من تأثيرات إيجابية على أوضاعها الداخلية خصوصاً لجهة كسب مزيد من الدعم في حربها ضد الإرهاب، وهي تواجه “داعش” وتطرف حزب العمال الكردستاني والذي تصف تركيا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا بأنه امتداد له.


التعليقات

التعليقات

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/pi3lC