مشاركة

“جلبت الحرب السورية الويلات على رؤوس السوريين بشكل عام، واللاجئين في مخيمات الدول المجاورة بشكل خاص.. معاناة ومذلة لن ينساها أصحابها ما عاشوا، لكن أن تصل بهم لعدم وجود مكان يؤوي موتاهم.. فقد تجاوزت بذلك أزمتهم بذلك كل معاناة الإنسانية”..

بهذه الكلمات تفتتح الغارديان الحديث عن واحدة من أكبر الأزمات التي يعاني منها اللاجئون السوريون في #لبنان، وهي عدم وجود مكان لدفن موتاهم، فعن هذا الموضوع كتب كريم شاهين تقريراً في الصحيفة  نشر في الـ 30 من آذار جاء فيه:

من السهل تمييز قبور الأطفال الصغار في جميع المقابر، نتوء صغير على الأرض، محاط من الجوانب الأربع بقطع إسمنتية بحيث تحدد حجم جسم الطفل الموضوع فيه، وشاهدة تحمل اسم صاحبه.. ولكن، في مقبرة “الرحمة “، لا توجد أسماء منقوشة على الرخام للأطفال اللاجئين السوريين، هناك فقط أسماء غير مفهومة محفورة على الحجارة بأداة خشنة، ما هي إلا علامة لأحد الوالدين القانطين.

وفي لقاء للصحيفة مع عامل في المقبرة اسمه حسين شقيّف قال: “أترى هذه القبور الصغيرة المتواجدة على جانب المقبرة؟ إنها جميعها لأطفال معظمهم من السوريين .. هناك الكثير من الأطفال ندفنهم على الجوانب، في الزوايا، أو بين القبور الأخرى حيثما تتوافر مساحة فارغة”.

تجاوز عدد اللاجئين السوريين الفارين من بلادهم خمسة ملايين لاجئ بعد ست سنوات من الحرب، وتجاوز عدد اللاجئين المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة في لبنان المليون لاجئ. يُذكر أن عدد سكان لبنان قبل الحرب كان أربعة ملايين نسمة.. بحسب المقال.

يقول الكاتب أن السوريين تحمّلوا في هذه الدولة الصغيرة، بطوائفها الدينية الـ 18 الرسمية، الكثير من المذلة، بدءاً من إجراءات تأشيرة الدخول الشاقّة والمعاملة السيئة على الحدود وفي مكاتب الإقامة، إلى عمالة الأطفال والاستغلال الجنسي، والحياة الرثّة في الخيم البلاستيكية التي تنهار في الشتاء.. أما الموت.. فقد جلب الآن إليهم المذلة الكبرى، حيث تكافح عائلات الموتى السوريين في لبنان من أجل إيجاد مكاناً لدفن أحبائهم، وغالباً يتركون موتاهم لأسابيع أو أشهر في مشارح المستشفيات بينما هم يبحثون عن مقابر لإيوائهم. يكافحون من أجل جمع المال الكافي لدفع أجور المستشفى، يحملونهم أحياناً في صناديق كرتونية ويحفرون القبور بأيديهم العارية.

تتفاوض المنظمات غير الحكومية في بعض الأحيان مع البلديات على صفقات من أجل السماح للاجئين بمشاركة المقابر مع السوريين، لكن أعداد موتاهم تتزايد نظراً لعددهم الكبير حيث يبلغ أحياناً ثلاثة أو أربعة أضعاف عدد السكان المحليين.

كما لا تطيق إمكانيات معظم السوريين الممنوعين عن العمل في لبنان دفع تكاليف الدفن التي تتراوح بين 200 و 300 دولار، بما في ذلك أداء المناسك الإسلامية أو الأكفان وشاهدات القبر، في حين عدد المتبرعين أو الجهات المانحة قليل جداً.

وفي لقاء للصحيفة مع الشيخ هيثم تيمي، مدير جمعية التجديد والتطوير غير الحكومية، والتي تساعد السوريين في العثور على قبور ودفع ثمنها قال: “حتى في الموت لا يتوصل السوريون إلى الراحة”، ويضيف: “إنهم محرومون حتى من العواطف الإنسانية الحزينة التي تتمثل في الحداد والوداع عند فقدانهم شخصاً قريباً”.

وبحسب المقال، لا توجد بيانات شاملة لمعدل الوفيات بين اللاجئين السوريين في لبنان. ولا تعلم المفوضية سوى بحالات الوفاة التي تحصل لشخص يتلقى الدعم الطبي في المستشفى، أو للحالات التي تختار الأسرة إعلامهم بها، حيث أنها خطوة غير مرجّح حدوثها كونها تؤدي إلى خفض المعونة.. وقد أحصت المنظمة 2087 حالة وفاة في العام 2015، في حين من المرجح أن يكون العدد أكبر بكثير نظراً لعدد السوريين.

وبحسب متحدث باسم المفوضية، فإن المنظمة تدرك حجم المشكلة التي يعاني منها السوريون في إيجاد أماكن لدفن أحبائهم، لكنها لا تستطيع المساعدة في إجراءات الدفن. كل ما يمكنها فعله هو تقديم النصح ومحاولة إيصالهم لمنظمات غير حكومية يمكنها مساعدتهم.

كانت المقابر في الدول العربية سابقاً تحتوي قسماً يحمل اسم “مدافن الغرباء ” للزوار الذين توافيهم المنية في البلد. لكنها الآن عادة بائدة.

واعترف وليد لويس، مسئول في هيئة الأوقاف الإسلامية، بأن هذه القضية وصلت إلى حد الأزمة، وأضاف أنه حتى عندما تشتري الحكومة أرضاً لتحويلها لمقبرة، فإن الجيران غالباً ما يرفضون السماح بذلك. وعلى ذلك علّق التيمي قائلاً: “الأهالي لا يريدون مقابر بجوارهم، إنها خرافة شعبية، فهم يحبون الحياة، ولا يريدون فتح نوافذهم على شيء يذكرهم بما بعد الحياة. فالمقابر يجب أن تبتعد عن أنظارهم، بالرغم من أن أفضل جيرة هي جيرة الموتى، فلن يقدموا على إلحاق الأذى بأحد أبداً”.

وبحسب المقال، فقد توصلت بعض البلديات إلى حلول، حيث تسمح للسوريين الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين في المنطقة بدفن موتاهم في منطقة مخصصة لهم من المقابر، منها قرية العميرة التي تحتوي خمسة عشر ألف لاجئ سوري مقابل سبعة آلاف لبناني، وحيث يشغل موتى السوريين أكثر من نصف المقبرة .

محمد الأحمد، رئيس بلدية العميرة الذي ساهم في التوصل إلى حل لأزمة المدافن، قال: ” إنها أزمة حقيقية “، وأضاف: “تخيل مجيء شخص ما لا يستطيع إيجاد مكان لدفن حبيبه الميت، فيسألك: أين أذهب بقريبي الميت؟ أنا مشرد في #سوريا وهنا لا يمكنني حتى دفن قريبي! حينها لا تعرف ما العمل. لكنك بالتأكيد مقتنع بوجوب إيجاد مكان يؤوي موتاهم”.

يقول شخص رفض الإفصاح عن اسمه أنه اضطر لحمل جثمان والده في صندوق شاحنة صغيرة لساعات حتى تمكن أخيراً وفي وقت متأخر من الليل من إيجاد مكان يدفنه فيه من دون نعش. وأضاف وهو يقاوم دموعه بينما كان يبتعد : “إنهم يريدوننا أن نرمي موتانا في الشارع”.

وروى شاب يعمل متطوعاً في مجموعة شبابية في قرية #سعد_نايل التي تضم  26 ألف سوري كيف اضطروا لترك جثمان رجل خمسيني لمدة أربعين يوماً في المشرحة ! أن المستشفى غالباً ما تحتفظ بجثث الموتى إذا ما لم يكن لدى المتوفى أوراق تثبت هويته، أو إذا ما كان على العائلة دفع مستحقات المستشفى من المال.

ويؤكد شقيّف وصول رجل بسيارة أجرة إلى المقبرة، حاملاً ابنه في صندوق كرتوني وليس حتى نعش خشبي. ربما كان يستخدم هذا الصندوق لجمع البطاطا أو حتى الأحذية. مضيفاً أنه حفر قبراً بيديه لدفن طفله.. “إنه لأمرٌ مفجع حقاً”.


التعليقات

التعليقات

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/ubYkn