مشاركة

د. شوقي محمد
 
– تبلغ حاجة الحسكة من الأكياس لجمع المحاصيل 4 مليون يتوفر منها 1.5 مليون فقط.
– تبلغ حاجة سوريا من القمح اللازم للتحويل إلى طحين الخبز حوالي 1.5 مليون طن.
– يتوقع أن تنتج محافظة الحسكة أكثر من 600 ألف طن من القمح
– حددت حكومة النظام السوري سعر شراء كيلو القمح بـ 140 ليرة وكيلو الشعير بـ 110 ليرات.
 
 
لمّا كانت الأزمة السورية قد تسببت بإلحاق أضرار جسيمة بجسد الزراعة السورية منذ بدايتها وحتى الآن، إلا أن السماء بدأت تجود على الأرض بمكتنزاتها مما أدى إلى زيادة في كميات الإنتاج بعد أن شهدت السنوات الثلاث الأولى من عمر الأزمة قلةً في الهطولات المطرية بشكل عام أدت مع اشتداد المعارك والعمليات العسكرية إلى تراجعات كبيرة في إنتاجية القطاع الزراعي وانخفاض حجم المحاصيل الزراعية وخاصة الاستراتيجية منها، نتيجة التدمير الواسع الذي لحق بالبنى التحتية لهذا القطاع (قدر تقرير صادر عن وزارة الزراعة في حكومة #النظام_السوري أن حجم الأضرار بلغ حوالي 250مليار ليرة حتى نهاية 2016 )، ونزوح الفلاحين عن أراضيهم وقراهم أو صعوبة الاستمرار في زراعتها وسط أخطار الحرب المحيطة، إضافة إلى فقدان الأسمدة والأدوية الزراعية والبذار المحسنة من الأسواق، وإلى ارتفاعات كبيرة في تكاليف الإنتاج، مما تسبب بتراجعات كبيرة في كمية المحاصيل الزراعية بمختلف أنواعها، أدى ذلك إلى شح المعروض منها في الأسواق المحلية الأمر الذي أصاب أسعارها بارتفاعات خيالية لم يعد معها السوريون قادرين على تأمين قوتهم اليومي منها.
أهمية الزراعة في حياة السوريين.
تشكل #الزراعة مورداً للدخل لأكثر من 46% من السوريين، وكان القطاع الزراعي يساهم بأكثر من 18% في الناتج المحلي للبلاد إلا أن ما شهدته البلاد قضى على الكثير من مقومات الزراعة، وأدى إلى تراجع تلك النسبة إلى حوال 5% فقط، إضافة إلى ذلك فقد تقلصت المساحات المزروعة من الأراضي الزراعية البالغة حوالي6.5 مليون هكتار (كان يستثمر منها أكثر من 5.7 مليون هكتار) وإتلاف مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية نتيجة العمليات الحربية المستمرة على الأراضي والحرائق وعمليات التجريف التي يمكن أن تحدث في أي وقت أو أي مكان كان.
وكان القطاع الزراعي يشكل الركيزة الاقتصادية الرئيسية في #سوريا من حيث مساحات أراضيها الواسعة وتنوع محاصيلها المنتجة وأعداد العاملين فيها (يبلغ عدد العاملين في هذا القطاع حوالي 900 ألف عامل)، فضلاً عن تأمينها حاجة العديد من المنشآت الصناعية الإنتاجية من المواد الخام والأولية فكان بذلك مورداً هاماً لقطاع الصناعة من جهة، ويؤمن حاجة الأسواق المحلية من المنتجات الزراعية والغذائية بشقيها الحيواني والنباتي من جهة ثانية. ولا يخفى أن هذا القطاع استطاع أن يجعل من سوريا وبالرغم من الكثير من المعوقات والمشاكل التي كان يعاني منها دولة مكتفية من حيث توافر المنتجات الغذائية والسلع الاستراتيجية كالقمح والقطن والمواشي بل ومصدرة للفائض منها كالخضار والفواكه وزيت الزيتون واللحوم.
 
صعوبات إنتاجية وأخرى تسويقية
تشكل المساحات والمحاصيل الزراعية المنتجة في محافظة الحسكة الدعامة الأساسية للقطاع الزراعي في سوريا ومعروف عن هذه المحافظة أنها كانت تشكل خزان سوريا الاقتصادي، وقد ساهمت انخفاض نسبة الاشتباكات والمعارك فيها نسبياً مقارنة مع باقي المناطق باستمرار العمل الزراعي، ولكن بمحاذاة العديد من الصعوبات التي باتت تعترض الحياة ليست فقط الزراعية وإنما الاقتصادية على وجه العموم في البلاد، سواء من جهة الإنتاج أو من جهة التسويق ويمكننا أن نجمل أهم تلك الصعوبات فيما يلي:
أولاً – صعوبات تتعلق بالإنتاج:
– انخفاض حجم المساحات المزروعة بنسب تزيد عن 35% بسبب ترك الكثير من الفلاحين أراضيهم والنزوح باتجاه المناطق الآمنة وعدم تنفيذ زراعة المساحات المخطط لها سوى بنسب وصلت لـ 70% في أحسن الأحوال بسبب عدم قدرة الجهات المختصة على تأمين مستلزمات الإنتاج والتمويل اللازم للإنتاج.
– ارتفاع تكاليف الإنتاج لأكثر من 12 ضعفاً وخاصة بعد قرارات رفع أسعار الوقود والمحروقات التي اتخذتها حكومة النظام السوري بشكل متواتر أمام الإمكانات المادية المتواضعة للفلاحين وتعرضهم لاستغلال التجار فيما يتعلق بتأمين مستلزمات الإنتاج الزراعي.
– تراجع إنتاجية الأرض بشكل واضح نتيجة فقدان الأسمدة الآزوتية أو ارتفاع أسعارها بشكل جنوني في حال توفر كميات منها (وصل سعر الطن الواحد إلى 300 ألف ليرة سورية) فضلاً عن عدم توافر الأدوية الكيماوية لمكافحة الأعشاب الضارة وقلة البذار المحسنة التي تتميز بوفرة إنتاجها.
– تزايد الاعتماد على الزراعة البعلية وتراجع كبير في المساحات الزراعية المروية نتيجة لعدم توفر الكهرباء لتشغيل المضخات المائية وارتفاع تكاليف الوقود البديل كالمازوت وعدم الجدوى الاقتصادية من استخدامه وفي ذلك فقد انخفضت المساحات المزروعة بالقمح في المحافظة إلى النصف تقريباً خلال سنوات الأزمة.
– ارتفاع تكاليف الحصاد نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وأجور العمالة الزراعية حيث تصل تكلفة حصاد الدونم الواحد ما بين 1200-1800 #ليرة_سورية مما يشكل عبئاً كبيراً على عاتق المزارعين.
– عدم قدرة المصرف الزراعي على تقديم التمويل اللازم للفلاحين الذين يعانون إلى جانب ارتفاع تكاليف الحياة المعيشية ارتفاعاً كبيراً في أسعار مستلزمات الإنتاج من بذار وأسمدة وأدوية وفي أجور الحراثة والزراعة والحصاد.
– اختفاء الوحدات الزراعية التي كانت تؤمن للفلاحين البذار المحسنة عالية الإنتاجية وباقي مستلزمات الإنتاج من سماد وأدوية وبأسعار معقولة بعيداً عن استغلال التجار وأحياناً مجانية حيث كانت تقدم بعض الأدوية والمبيدات الحشرية بدون مقابل.
 
ثانياً -صعوبات تسويقية
ما إن تبدأ بشائر الموسم الزراعي في الظهور حتى يتخاطر لذهن الفلاحين الكثير من الصعوبات التي تعترض عملية تسويق محاصيلهم وتسليمها لمراكز حكومة النظام أو بيعها للتجار وتتمثل أهم تلك الصعوبات بما يلي:
– صعوبة تأمين الأكياس الفارغة والتعرض لاستغلال التجار حيث صرحت مديرية الزراعة في الحسكة عن توفر فقط حوالي 1.5 مليون كيس في مستودعاتها وأنها ستوزع بسعر 714 ليرة للمزارعين على أن يتم تعويضهم بمبلغ 650 ليرة عند صرف الفواتير بعد تسليم أقماحهم للمراكز الحكومية علماً أن حاجة #الحسكة تزيد عن 4 مليون كيس.
– ارتفاع تكاليف نقل المحصول بسبب ارتفاع أسعار النقل بالسيارات الكبيرة حيث يتحجج أصحابها بارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الحياة فضلاً عن المخاطر التي قد يتعرضون لها في بعض الأرياف البعيدة، سيما أن حكومة النظام قد خصصت مركزين فقط لاستلام الأقماح على طول المحافظة المترامية الأطراف مما سيشكل عبئاً كبيراً على المزارعين عند نقل محصولهم إلى تلك المراكز من مسافات بعيدة تصل في بعض المناطق لأكثر من 100 كم.
– ارتفاع أجور نقل وتحميل المحصول بسبب ارتفاع أجور العمالة الزراعية أولاً لقلتها نتيجة هجرة عشرات آلاف السكان عن المنطقة وثانياً بسبب ارتفاع تكاليف الحياة واعتماد الكثير من العمال الزراعيين في تأمين مورد حياتهم المعيشية من الموسم الزراعي فقط على شكل عمالة موسمية.
– التأخر في تسليم ثمن المحصول نتيجة الروتين الإداري والمالي في صرف الفواتير مما قد يمنع الكثير من المزارعين عن تسليم أقماحهم للنظام وبيعها للتجار الذين يسددون القيمة فور التسليم ليتحكموا بأسعار بيعها فيما بعد سواء للدولة أو للمطاحن الخاصة التي انتشرت في المحافظة بأعداد كبيرة.
– الضغوط والابتزاز سواء من قبل السلطات المحلية من خلال جمع أتاوات وضرائب الموسم الزراعي من أصحاب الحصادات ومن المزارعين معاً أو تعرض السيارات المحملة من قبل الحواجز الأمنية المنتشرة على الطرقات لضرورة تسديد الأتاوات مقابل المرور والوصول إلى مراكز التسليم.
– عزوف الكثير من المزارعين عن تسليم محصولهم إلى المراكز الرسمية التابعة للدولة بسبب التخوف من حجز ثمن المحصول من قبل المصرف الزراعي وخاصة أصحاب المديونية مما يجعلهم عرضة لتجار السوق غير النظامية الذين يدفعون عادة أسعاراَ أقل من السعر الرسمي بكثير.
 
توقعات لمحصولي القمح والشعير في الحسكة
صرح وزير الزراعة في حكومة النظام بأن مجموع المساحات المزروعة بالقمح في سوريا لموسم 2017 بلغت 1.169 مليون هكتار يتوقع أن تنتج 2.17 مليون طن من القمح آملاً شراء ما لا يقل عن 600 ألف طن من تلك الكمية أمام حاجة سوريا لأكثر من 1.5 مليون طن من القمح لتحويله إلى طحين للخبز. حيث شهد عام 2016 عجزاً كبيراً عن تأمين الكميات اللازمة من القمح محلياً فقد استلم النظام فقط حوالي 400 ألف طن من أصل 1.3 مليون طن تم إنتاجه خلال الموسم السابق مما اضطره إلى استيراده من الدول الحليفة له وخاصة #روسيا.
تشكل محافظة الحسكة الشريان الأهم في زراعة القمح فقد حازت لوحدها على نسبة وصلت لحوالي 40% من مجموع المساحات المزروعة بالقمح، بلغت إجمالي مساحات القمح المزروع 443500 هكتار (منها 102500 مساحات مروية و 341000 بعلية) أي بنسبة وصلت لحوالي 52% من ما كان مخططاً له بحسب مدير زراعة الحسكة الذي توقع بأن كمية المحصول من القمح ستتجاوز خلال الموسم الحالي 600 ألف طن في حين بلغت المساحات المزروعة بالشعير 416050 هكتار منها 13050 هكتار مروي أي بنسبة 116% من ما كان مخططاً له عند بداية الموسم الزراعي في المحافظة من المتوقع أن تنتج 403 ألف طن من الشعير.
وأشار تقرير صادر عن مديرية زراعة الحسكة في حكومة النظام إلى أن المساحات القابلة للحصاد تبلغ حدود 396 ألف هكتار وأن الباقي بحدود 47 ألف هكتار من الأراضي البعلية غير قابلة للحصاد بسبب قلة الهطولات المطرية.
كما تضمنت خطة المديرية زراعة 50 ألف هكتار من الأراضي بالمحاصيل الطبية والعطرية إلا أن المحافظة شهدت زراعة ما يزيد عن 71 ألف هكتار جلها كانت لزراعة محصول الكمون الذي وصلت مساحات زراعته إلى 59250 هكتار حيث شهد إقبالاً كبيراً على زراعته بسبب قصر دورة إنتاجه من جهة وارتفاع مردوده المالي من جهة ثانية وتوزعت المساحة الباقية بين محاصيل الكزبرة والحلبان وحبة البركة وجدير بالذكر هنا أنه المحافظة منيت بعواصف غبارية ومطرية خلال الشهر الحالي مما ألحق أضراراً كبيرة بمحصول الكمون المحصود الذي تطايرت كميات كبيرة منه جراء الرياح، كما تسببت الأمطار بإلحاق الضرر أيضاً بمحاصيل الكمون والكزبرة والعدس وقد بلغت مساحات الكمون المتضررة 50% بينما تضررت مساحات من 20 إلى 25% من العدس.
محاولات حكومية لشراء أكبر كمية ممكنة
اتخذت الحكومة السورية عدة إجراءات إدارية واقتصادية بهدف الاستحواذ على استلام أكبر كمية ممكنة من القمح الذي سينتج في محافظة الحسكة ومن هذه الإجراءات نذكر:
– نتيجة فقدان الحكومة السيطرة على المفاصل الاقتصادية في المحافظة فقد خصصت مركزين رئيسين فقط لاستلام وتخزين الحبوب وذلك في فرع #القامشلي لمؤسسة الحبوب.
– بغية استلام أكبر قدر ممكن من الأقماح المنتجة في المحافظة رفعت الحكومة سعر شراء كيلو القمح إلى 140 ليرة وسعر شراء الشعير إلى 110 ليرات سورية لتشجيع الفلاحين بهذه الأسعار المدعومة نوعاً ما على تسليم محصولهم للحكومة.
– تنظيم واستعداد مركز جرمز القريب من مدينة القامشلي لاستلام المحاصيل من حيث تحضير المساحات الخاصة بالتخزين وتوفير مستلزمات عملية الاستلام والتخزين من شوادر وحبال ورقائق بلاستيكية وتأمينه أمنياً وعسكرياً.
– ورد على لسان مدير فرع حبوب القامشلي في حومة النظام أنه سيتم تسليم قيمة فواتير المحاصيل الزراعية للفلاحين بعد يومين من تسلمها منهم.
– أوفدت الحكومة السورية وفداً إلى المحافظة برئاسة وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك للاتفاق مع الإدارة الذاتية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي التي تسير شؤون المحافظة وتسيطر على مقدراتها الاقتصادية وذلك للاتفاق على شراء كميات من القمح منها قد تصل إلى 350 ألف طن.
وإذا كانت حكومة النظام قد اتخذت هكذا إجراءات فهي مدركة حاجتها الكبيرة لكميات متزايدة من القمح وإلا اضطرت إلى الاستيراد أمام صعوبة توفير التمويل اللازم بالقطع الأجنبي للاستيراد. كما شهدت المحافظة انتشاراً واسعاً للمطاحن الخاصة التي تجاوز عددها 400 مطحنة مقابل 10 مطاحن تسيطر عليها الدولة سينافس أصحابها إلى جانب التجار المراكز الحكومية على شراء أقماح الفلاحين ومحاصيلهم الأخرى.
أخيراً:
إذا كانت السماء قد جادت هذا العام بأمطار وثلوج وفيرة على محافظة الحسكة فالأمل يملأ قلوب الفلاحين بمحصول وفير سيما وأن معظم الأراضي المزروعة هي أراض بعلية كانت تنتظر رحمة السماء، وأن يتم حصاده وتسويقه في ظروف من الأمان وعدم التعرض للابتزازات والضغوط من أية جهة كانت، لعل ثمنه يسد جزءاً من تكاليف الحياة الصعبة التي يعيشها ليس فقط الفلاحون وإنما السوريون جميعاً.

التعليقات

التعليقات

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/7dG8w