مشاركة
.

د. شوقي محمد

-ارتفع مؤشر تكاليف الحياة بأكثر من ثمانية أضعاف خلال سنوات الأزمة الست.

-تحتاج أسرة سورية مكونة من 5 أشخاص لـ 230 ألف ليرة لسد نفقات معيشتها

-تراجعت القوة الشرائية لأصحاب الدخل المحدود بنسبة تزيد عن 85%

-الارتفاعات الكبيرة في الأسعار أفقدت موائد السوريين الكثير من أنواع الأطعمة والمأكولات

-ارتفاع قيمة الدولار مقابل الليرة انعكس ارتفاعاً في مستويات الأسعار بنسب تجاوزت 1000%.

صحيح أن معاناة الانسان السوري لم تبدأ مع اندلاع الحرب إلا أن الحرب زادت من أعبائه وجاءت أهوالها على كل ما هو أبيض في حياته، لتحوله مع سنواتها إلى سواد مليء بالرماد الذي إذا ما إن تضع الحرب أوزارها حتى يبدأ بالتوهج، وتأتي تبعات الحرب، وتدمر ما سلم منها فرماد الحرب أخطر من الحرب ذاتها.

وإذا كانت الأوضاع الأمنية والعسكرية لم تترك بيتاً أو عائلة سورية بدون مأساة فإن الأوضاع الاقتصادية وما أفرزته هذه الأزمة منها قد أثقلت كاهل السوريين جميعا ودفعت بالكثيرين منهم نحو خط الفقر نتيجة تعطل أعمالهم أو تركهم لأراضيهم وقراهم أو نزوحهم لمناطق غير مناطق سكنهم، لينتظر الآلاف منهم على أبواب المنظمات والجمعيات الخيرية دورهم في الحصول على حصصهم من المعونات أو السلال الغذائية، ومع هذه الأوضاع الصعبة بدأت الحياة المعيشية لغالبية السوريين تسوء يوماً بعد يوم دون أن تحرك المؤسسات صاحبة القرار وأولها النظام السوري ساكناً أو تقوم باتخاذ بعض الإجراءات التي قد تخفف من وطأة الحرب وآثارها على المواطنين، بل على العكس فقد جاءت معظم السياسات والإجراءات الاقتصادية التي اتخذها النظام سلبية أودت بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد نحو شفا الهاوية، فانخفضت قيمة العملة المحلية بأكثر من 90% وارتفعت معدلات البطالة لحدود 60% وحلقت معدلات التضخم لتتجاوز 1200% مع تراجع القدرة الإنتاجية في البلاد بنسبة 75% وارتفاع تكاليف الإنتاج للجزء الباقي بنسب تتجاوز العشرة أضعاف في القطاعين الزراعي والصناعي ناهيك عن العقوبات الغربية لتتجاوز مع كل ذلك معدلات الفقر الـ 85% بين السوريين.

مؤشر تكاليف المعيشة يحلق عالياً

بات هم المعيشة اليومية وتأمين مستلزمات الحياة الأساسية يتصدر قائمة المساعي الرئيسية لدى الأسرة السورية داخل البلاد، وذلك مع ارتفاع مؤشر تكاليف الحياة بأكثر من ثمانية أضعاف، حيث باتت الأسرة السورية المكونة من 5 أشخاص بحاجة لـ 230 ألف ليرة سورية شهرياً لسد حاجاتها الأساسية من السلة الاستهلاكية والتي تحوز الأغذية والمشروبات على النسبة الأكبر من الاستهلاك فيها، وهي بحدود 80% من الدخول، وقد تضاعف مؤشر تكاليف الحياة تقريباً منذ نهاية عام 2013 وحتى بداية العام الحالي فقد شهد العامان الماضيين بالتحديد تدهوراً كبيرا في قيمة الليرة السورية وقوتها الشرائية بسبب السياسات النقدية الخاطئة التي طبقها البنك المركزي فضلاً عن ارتفاعات كبيرة في الأسعار نتيجة غياب أجهزة الرقابة التموينية، تراجع دور الدولة في هذا المجال مع تمادي التجار في حالات احتكار السوق والتحكم برفع الأسعار دون رقيب أو عتيد.

هذا بعد أن كانت الـ 30ألف ليرة قبل الأزمة كفيلة بتأمين نفقات الأسرة السورية والذي كان يشكل حوالي 2.7 ضعف عن متوسط الرواتب والأجور آنذاك (11400ليرة) أما الآن فهو يشكل أكثر من ثمانية أضعاف متوسط الدخول الحالي مع الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع أو انخفاض مؤشر تكاليف الحياة، إذا ما تنقلنا بين المحافظات السورية نتيجة انقطاع طرق المواصلات وارتفاع تكاليف النقل ومدى توفر السلع والخدمات في أسواقها أو وقوعها تحت الحصار أو حكم الأطراف المختلفة.

وإذا ما علمنا أن متوسط الرواتب والأجور في البلاد يقارب 30 ألف ليرة سورية فقط يتبين لنا حجم الفجوة المعيشية الكبيرة بين الدخول ونفقات الحياة والتي تبلغ حدود 200 ألف ليرة سورية. الأمر الذي دفع بآلاف الأسر السورية نحو خط الفقر أو الاعتماد على المعونات الإغاثية أو تحويلات الأهل والأقارب من الخارج.

أما إذا عدنا للوراء قليلاً فقد كان الرقم القياسي لتكاليف الحياة عام 2009 بحدود 30900 ليرة شهرياً بحسب آخر مسح لإنفاق الأسرة قام به المكتب المركزي للإحصاء آنذاك وذلك لسلة سلع تكاليف الحياة الرئيسية المكونة من ثلاث عشرة سلعة وكان هذا الرقم يعادل حينها 600 دولار أمريكي مما يعني أننا اليوم بحاجة لـ 318 ألف ليرة شهرياً كمدخول لنعيش بمستوى عام 2009.

تدهور القوة الشرائية لأصحاب الدخل المحدود

تراجعت القوة الشرائية لأصحاب الدخل المحدود بنسبة تزيد عن 85% إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن سقف الرواتب قبل 2011 لموظفي الفئة الأولى من حملة الشهادات الجامعية والدراسات العليا من ماجستير ودكتوراه كان يقارب 50 ألف ليرة، وهوما كان يعادل بأسعار الصرف حينها 1000 دولار أمريكي، إلا أنه وبعد كل هذه السنوات العجاف التي مرت بها البلاد وصل سقف الرواتب للفئة نفسها لحدود 66 ألف #ليرة_سورية، أي ما يعادل الآن حوالي 125 دولار فقط، ولنا ان نقدر تدهور القوة الشرائية لدى الموظفين بشكل عام، ونحن نعلم أن متوسط رواتبهم يصل إلى 30 ألف أي ما يعادل 67 دولار فقط، وإذا اعتمدنا مؤشر خط الفقر الصادر عن المؤسسات المالية الدولية عند 1.9 دولار لكل شخص فهذا يعني أن أسرة مؤلفة من 5 أشخاص يعيلها موظف تحتاج شهرياً 285 دولار أي ما يعادل 151 ألف ليرة بحسب أسعار الصرف الحالية (530ليرة لكل دولار) لتعيش عند خط الفقر وأعلى سقف رواتب هو فقط 66 ألف ليرة كما ذكرنا فإذا كان مجموع العاملين لدى الدولة بحدود 2.5 مليون عامل بحسب رئيس وزراء حكومة النظام السوري السابق وبأخذ نسبة الإعالة 1 إلى 5 يكون حوالي 12 مليون سوري يعيشون تحت خط الفقر باعتمادهم على مصدر دخل واحد هو راتب الدولة، وهذا الرقم يشكل حوالي 63% من عدد السكان في سوريا حالياً.

كما أشار تقرير صادر عن منظمة الاسكوا التابعة للأمم المتحدة أواسط العام الماضي، أن 83.4% من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر فإذا أخذنا كلام المدير السابق لمكتب الإحصاء بأنه وبالاعتماد على السلسلة الزمنية للأحداث الاقتصادية منذ عام 2011 وبناء على رصد حركة الأسواق فإنه توقع ارتفاعاً في مستويات الأسعار خلال العام الحالي بنسبة قد تصل إلى 50% ولنا أن نتصور الآن كم هو العدد الذي يعاني تدهوراً في مستوى معيشته وصعوبة في تأمين حاجاته واحتياجات أطفاله وأسرته نتيجة الانخفاض الكبير في القوة الشرائية لديهم، وتآكل دخولهم بسبب مستويات التضخم العالية التي وصلت إليها الأسعار، وارتفاع معدلات البطالة لأكثر (من 60% بحسب مركز مداد للأبحاث الاستراتيجية الموجود في دمشق) أو بسبب فقدان الأسر لمعيلها. وبذلك فقد افتقدت الكثير من الأسر السورية للعديد من أصناف الأطعمة على موائدها بعد الارتفاعات الكبيرة في أسعارها فقد ارتفعت أسعار اللحوم الحمراء بحوالي 70% خلال العامين الماضيين والفروج بأكثر من 50% والبيض بـ 90% أما الخضار والفواكه فقد تراوحت نسبة الزيادة بين 50 إلى 150% في حين ارتفعت أسعار الزيوت والسمون أيضاً بنسب وصلت إلى 190% في حين ارتفعت القهوة بنسبة 400% والشاي بنسبة 133% كل هذه الأرقام بحسب دراسة صدرت عن جمعية حماية المستهلك في دمشق في شهر أيار من العام الحالي.

أسباب كثيرة وراء ارتفاع تكاليف الحياة

تتصدر الموجهات العسكرية والقصف قائمة الأسباب التي رفعت من تكلفة الحياة في البلاد قبل تكاليف المعيشة، لتأتي الأسعار التي وصلت إلى مستويات قياسية شهدت معها الأسواق السورية ولأول مرة في تاريخها ارتفاعات جنونية وصلت فيها الأسعار إلى أرقام تعجز عقول الناس عن استيعابها مقارنة بما كانت عليه قبل بدء الحرب.

ومع كل ما حصل ومما يزيد الطين بلة أن حكومات النظام المتعاقبة خلال السنوات الست الماضية لم تكف عن الاستمرار في تطبيق السياسات النيوليبرالية داخل الاقتصاد السوري، من سحب للدعم عن المواد الرئيسية، ورفع أسعارها لا سيما المحروقات والسلع الغذائية الرئيسية كالأرز والسكر، والتوقف عن تقديم الإعانات الإنتاجية والقروض الزراعية مما تسبب بانخفاض كبير في مستويات الإنتاج، وبالتالي قلة المعروض من السلع في الأسواق المحلية، مما أدى إلى ارتفاع أسعارها بشكل كبير يضاف إلى ذلك جملة من الأسباب الأخرى التي ساهمت بارتفاع الأسعار وتسببت بالتالي بصعوبة الحياة المعيشية لدى السوريين يمكن أن نذكر منها:

-الانقطاعات المستمرة في التيار الكهربائي والارتفاعات المستمرة في أسعار المحروقات خاصة المازوت والغاز، الأمر الذي انعكس مباشرة على ارتفاع تكاليف الإنتاج سواء الصناعي أو الزراعي وتكاليف النقل والتخزين مما مهد لارتفاعات متتالية أسعار السلع والخدمات.

-تراجع حجم الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 61 مليار دولار قبل الأزمة إلى ما دون 15 مليار دولار بحسب تقديرات غير رسمية وذلك بسبب توقف الإنتاج في معظم القطاعات الرئيسية في الاقتصاد الوطني النفطي والصناعي والزراعي والتجارة الخارجية، مما أدى إلى شح في عرض السلع والمنتجات في الأسواق انعكس ارتفاعاً مستمراً في أسعارها.

-ارتقاع تكاليف الإنتاج نتيجة ارتفاع أسعار المواد الأولية وأسعار الوقود والطاقة وتكاليف النقل من جهة وأسعار المستوردات اللازمة للإنتاج من جهة ثانية، بسبب تقدير قيمتها بالدولار أمام ارتفاع سعره مقابل الليرة. مما قاد إلى ضعف في الجهاز الإنتاجي داخل البلد وبالتالي انخفاض في حجم المعروض من السلع والخدمات تسبب في ارتفاعات جديدة في مستويات التضخم والأسعار.

-تقدير قيمة السلع والمواد الداخلة في الإنتاج أو الموجودة في الأسواق بالدولار بالرغم من منع التعامل به رسمياً وبالتالي انعكاس ارتفاع قيمة الدولار مقابل الليرة السورية ارتفاعاً في مستويات الأسعار لنسب تجاوزت 1000%.

-تلاعب التجار بحركة الأسواق والتجارة وتنامي ظاهرة الاحتكار مقابل تراجع الرقابة التموينية وضعف أجهزتها وخوف الحكومة من إثارة التجار.

-تدهور قيمة الليرة السورية لمستويات قياسية فقدت معها نسبة 93% من قدرتها الشرائية مع بقاء الرواتب والأجور على حالها.

-تآكل النسبة العظمى من إيرادات الموازنة العامة للدولة نتيجة معدلات التضخم العالية ووقوعها تحت عبء عجوزات مالية جديدة أصبحت معها الدولة عاجزة عن تمويل إنفاقها العام مما أثر على مستويات المعيشة داخل البلاد لجهة تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان وتراجع حجم الخدمات العامة التي كانت تقدمها الدولة وخاصة على صعيد الصحة والتعليم من جهة ثانية.

مستويات مخيفة من التضخم داخل الاقتصاد

رسمياً وفي حزيران من العام الماضي وصلت نسب التضخم في البلاد لحدود 660% بحسب دراسة صادرة عن المكتب المركزي للإحصاء التابع لحكومة النظام، وأنه بالمتوسط يزداد معدل التضخم شهرياً بحدود 3% مما يعني أنها وصلت الآن إلى حدود 700% أما الواقع الفعلي في السوق فيعكس نسباً وصلت إلى 1200% لمعظم السلع والحاجات الأساسية للحياة من الطعام والمشروبات والملابس وأجور المنازل والمحروقات وتأمين الكهرباء البديلة والنقل والاتصالات الخليوية والصحة والتعليم وغيرها، وبالتالي فقد أحدثت تلك المعدلات العالية من التضخم موجة من الغلاء الفاحش في أسعار السلع والخدمات تراوحت بين 7 إلى 12 ضعفاً عن ما كانت عليه قبل بدء الأزمة الأمر الذي ترك مع عدم ارتفاع متوازي لمستويات الدخول آثاراُ سلبية واضحة على المستوى المعيشي لشرائح واسعة من الشعب السوري، بل سبب عجز فئات كبيرة منه عن تأمين مستلزمات حياتهم اليومية ودفع بهم نحو خط الفقر.

ومن هنا فقد تركت معدلات التضخم العالية تلك آثاراُ خطيرة على بنية الاقتصاد السوري وقدرة أفراد المجتمع على تأمين مستلزمات حياتهم اليومية من السلع والحاجات الرئيسية دون أي حديث عن حاجات كمالية أو رفاهية، ويمكن إذا ما استمرت تلك المعدلات بالارتفاع أن تقود المجتمع إلى منعطفات اقتصادية واجتماعية أخطر بكثير مما نشهده الآن، فتزايد معدلات الفقر والبطالة وتراجع القدرة على التعليم وفقدان أسس ومقومات التنمية المستدامة ستلحق ببنيان المجتمع الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي آثاراً سلبية ستفتك بمستقبله ومستقبل أبنائه.

بقي أن نقول بأن الصعوبات المعيشية لدى السوريين تتراكم يوماً بعد يوم وأن المعضلة في تأزم مستمر طالما الأبواب ما تزال مشرعة أمام استمرارية الحرب في سوريا، والتي تقف أمامها الهيئات الاقتصادية المسؤولة عاجزة عن الإتيان بأي دور من شأنه إحداث تغيرات جوهرية في الحياة الاقتصادية داخل البلاد، أو التأثير في المتغيرات الرئيسية للاقتصاد الوطني، فمادامت عجلة الإنتاج معطلة، والجهاز الإنتاجي في البلد غير قادر على توفير الجزء اليسير من مستلزمات أهلها والعجز في الموازنة يتزايد عاماً بعد عام ومستويات التضخم ومعدلات البطالة في ارتفاع مستمر والدخول تتآكل شهراً بعد آخر.


التعليقات

التعليقات

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/DGMzY