مشاركة

د. شوقي محمد

 

– ظروف النزوح والتشرد كانت سبباً لانتشار الكثير من الأمراض وارتفاع الطلب على الدواء

– ارتفعت تكاليف الإنتاج الدوائي لأكثر من 500%

– الارتفاع الأخير لأسعار الدواء تراوحت نسبته بين 70 إلى 600%

مع كثرة مشاهد الدمار والقتل والقصف والنزوح العاصفة بلا هوادة، جاءت الارتفاعات المتتالية في أسعار الدواء خلال سنوات الأزمة التي يمر بها الشعب السوري لتشكل عبئاً يثقل كاهل المواطنين ويتصدر اللوحة المعيشية لحياتهم اليومية. ذلك أن الدواء يشكل أحد أهم الحاجات الرئيسية للإنسان التي لا يمكن الاستغناء عنها، خاصة عند المرضى والأطفال وكبار السن ممن يتناولون أدوية الضغط والسكري وأصحاب الأمراض المزمنة. وفي ذلك لا تقل الأدوية من حيث الأهمية عن الخبز بالنسبة لأفراد المجتمع السوري.

وفي ظروف الحرب والنزوح التي تعاني منها البلاد، تعد قضية توفر الدواء وبالسعر المناسب من أهم القضايا التي يجب على الجهات المعنية أن تعيرها الاهتمام اللازم في ظل تراجع القدرات الشرائية للسوريين وانخفاض الدخول وانتشار العديد من الأمراض المعدية كاليرقان والسل مثلاً، بسبب ظروف النزوح وتجمع أعداد كبيرة من المواطنين في أماكن محصورة وغير نظيفة واستخدامهم مرافق الخدمات المشتركة، فقد كان ذلك كله سبباً لارتفاع حجم الطلب على بعض الأصناف الدوائية، وبالأخص أدوية الالتهابات والمضادات الحيوية ومضادات السعال العشبية.

قطاع الدواء في حالة مزرية

يعكس الارتفاع المستمر في أسعار الدواء خلال السنوات الماضية الحالة المزرية للقطاع الدوائي في البلاد، ويصور عدم قدرة هذا القطاع إلى جانب السلطات المسؤولة عنه عن ضبط الأسواق والمتاجرة بأمراض الناس.

هذا وقد عانى قطاع الصناعات الدوائية ما عانته باقي القطاعات الاقتصادية الأخرى في البلاد من تراجع في قدراته الإنتاجية بنسب تراوحت بين 20% و40%، وتوقفت الكثير من معامله عن العمل لأسباب تتعلق باستمرارية العمليات العسكرية من جهة، وللعقوبات التي فرضتها الدول الغربية على الاقتصاد السوري من جهة ثانية، والتي قيدت من إمكانات توفير المواد الأولية اللازمة للإنتاج، إلى جانب عدم توفر المادة الفعالة بالجودة المطلوبة، وصعبت من قدرات التمويل وتحويل الأموال إلى الخارج، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة تدهور سعر صرف العملة المحلية أمام الدولار الأمريكي.

ولما كانت هذه الصناعة تغطي حاجة السوق المحلية بنسبة تزيد عن 93% قبل الأزمة فإنها كانت توفر على الاقتصاد الوطني كمية من القطع الأجنبي تتراوح بين 2.5 إلى 3 مليار دولار على اعتبار أن أسعار الأدوية المستوردة تزيد من 5 إلى 6 أضعاف عن أسعارها المحلية حيث كان الإنتاج يبلغ حوالي 550 مليون دولار سنوياً.

إلا ما يمكن ملاحظته تماماً هو أن الجهات المعنية بقضية الصناعات الدوائية لم تتخذ الخطوات الكافية لإعادة الروح لهذا القطاع الاقتصادي الهام، حيث بقيت هذه الخطوات في إطار رفع الأسعار والسماح للمنتجين باستيراد المواد الأولية اللازمة بشرط توفيرهم للقطع الأجنبي اللازم، مما كان يدفعهم إلى القيام بتصدير جزء كبير من إنتاجهم المتراجع أصلاً أو تهريبه عبر الحدود إلى الدول المجاورة للحصول على القطع الأجنبي من جهة، وتحقيق حجم أكبر من الأرباح مقارنة ببيعها في السوق المحلية، مما أدى إلى تراجع حجم كميات الدواء المتوفرة في السوق وفقدان العديد من الأصناف كثيرة الاستخدام، وخاصة المسكنات الفعالة وأدوية الالتهابات، إلى جانب تلك الأدوية التي كانت ترد من دول الاتحاد الأوربي والتي فقدت تماماً من الأسواق في فترات عديدة كأدوية أمراض الدرق وبخاخات الربو وأدوية الأورام السرطانية والأمراض المزمنة كالضغط الشرياني والسكري وأمراض الكبد.

إلى جانب ذلك أدت مسألة تراجع الرقابة الحكومية إلى انتشار تجارة الأدوية المهربة والمخدرات والأدوية المهدئة والتي تحتوي على نسب عالية من المواد المخدرة وانتشار بعض الأصناف الدوائية المزورة.

أسعار ترتفع والمستهلكون يعانون

ارتفعت أسعار الدواء في البلاد خلال سنوات الحرب الست عدة مرات فتسببت إلى جانب انخفاض الدخول وتزايد معدلات الفقر بتراجع قدرة الكثير من الناس عن تأمين أدويتهم خاصة أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة أو متقاعدين يعانون أمراض الشيخوخة وبذلك باتوا يتحملون عبأين، عبء المرض وعبء تأمين ثمن الدواء، وإذا ما علمنا أن مستويات الفقر في البلاد تجاوزت 85% بحسب مستوى خط الفقر الذي حدده البنك الدولي بـ 1.9 دولار لكل شخص يومياً، وأن الحرب وحالات النزوح وتراجع مستويات العيش قد نتجت عنها أمراض سارية كثيرة كانت البلاد قد ودعتها منذ زمن بنسب عالية فإننا سندرك حجم الكارثة وبالأخص عند الأطفال حديثي الولادة والشيوخ وكبار السن والمتقاعدين ممن قد تكون الحرب سرقت منهم معيلهم بطريقة أو بأخرى، والذين يحتاجون بشكل دائم وعلى مدى الحياة للعديد من الأدوية كمرضى الضغط والسكري والتهاب الكبد والقصور الكلوي وغيرها.

إذاً، إذا كانت المبررات الاقتصادية من ارتفاع كلف الإنتاج وسوء التصريف وصعوبات شحن المواد الأولية إلى داخل البلاد مع زيادة تكاليفها، كافية تماماً لرفع أسعار الدواء إلا أنها تترك آثاراً خطيرة داخل المجتمع السوري لجهة تثقيل كاهل المواطنين بأعباء مالية جديدة أضيفت إلى أعبائه السابقة والثقيلة أصلاً نتيجة النزوح والتشرد وفقدان مصدر الرزق أو لجهة عجزهم عن تأمينه نتيجة تراجع قدراتهم الشرائية كون الدواء يتميز بانعدام مرونة الطلب عليه بمعنى يبقى الإنسان مجبراً على شراء الدواء مهما بلغت أسعاره ومهما انخفضت إمكاناته المالية.

أربع مرات ارتفعت الأسعار وبنسب وصلت إلى 600%

في كل مرة كانت وزارة الصحة التابعة للنظام السوري تصدر قراراً برفع أسعار الدواء في السوق كانت تقدم مبرراً واحداً دائماً بأن الموضوع يتم في سياق تصحيح أسعار بعض الأصناف الدوائية المفقودة من السوق بهدف تغطية تكاليف إنتاجها من جهة وتوفيرها بكميات كافية للمواطنين من جهة ثانية.

  • وكانت أسعار الأدوية قد ارتفعت لأول مرة خلال الأزمة التي تمر بها البلاد في شهر شباط من عام 2013 حين وافقت الحكومة على تعديل أسعار الأدوية المحلية بناء على توصية اللجنة الاقتصادية وفق مبدأ الشرائح

 

الشريحة (السعر بالليرة) نسبة الرفع %
50 ليرة فما دون 40%
100ليرة فما دون 25%
300 فما دون 10%
500 ليرة فما دون 50%

 

  • ثم عادت مرة أخرى في بداية العام 2016 وتحت تأثير مطالبة المنتجين وأصحاب شركات الأدوية برفع الأسعار نتيجة تدهور سعر الصرف الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج لنسب تجاوزت 500%، وجاء القرار حينها أيضاً وفق نظام الشرائح الذي أوردناه أعلاه بهدف توفير الأصناف المفقودة وتلك الأدوية التي تحتوي مواد ذات فعالية عالية وما تزال أسعارها منخفضة لتغطية تكاليف إنتاجها.
  • إلا أنها عادت في شهر تشرين الثاني من نفس العام وعدلت أسعار 495 صنفاً دوائياً جديداً ولنسب وصلت حتى 500% وذكرت وزارة الصحة في بيان لها صدر حينه “أن الغاية من هذا التعديل تأمين الأدوية المفقودة من السوق المحلية، ومنها أدوية الالتهابات والمضادات الحيوية وغيرها من الأدوية المستمرة وأن الوزارة طلبت من المعامل التي شملتها زيادة أسعار منتجاتها أن تعمل على توفير الأصناف الدوائية في السوق المحلية” الأمر الذي لم تلتزم به الشركات ولم يتم ملاحظته في الأسواق أبداً.
  • الطامة الكبرى كانت في نهاية شباط من العام الحالي عندما صدرت نشرات أسعار جديدة للأدوية متتالية على مدار أسبوع كامل لمعظم الأصناف التي تنتجها شركات الأدوية شملت على وجه الخصوص أدوية القلب والأعصاب والسكري والصادات الحيوية ولنسب تجاوزت 600% أحياناً كما في المستحضر الدوائي “كارباتيك” الفعال في علاج اختلاجات الأعصاب، حيث ارتفع سعره من حوالي 300 ليرة إلى 1850 ليرة أي ستة أضعاف وأيضاً ارتفع سعر المستحضر “التروكسين” الخاص لمعالجة أمراض الغدة من 280 إلى 930 ليرة أي حوالي 3.5 ضعفاً وبعض المسكنات المتداولة والرائجة بكثرة كالبروفين والبانادول اكسترا وشرابات الأطفال، وكعادتها لم تغير وزارة الصحة بما جاء في بيانها أن الرفع بهدف توفير الدواء ولتعديل أسعار الأدوية القديمة لتصبح مماثلة للأدوية الجديدة ومنعا لتهريبها خارج الحدود

والوزارة هنا كانت دائما تنزل عند رغبة المنتجين نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وتبحث عن المبررات غير الكافية وعن كل شيء إلا عن الوضع الكارثي الذي وصل إليه حال الكثير من المواطنين، فكانت تثقل كاهلهم بأعباء إضافية قد تصبح القشة التي قصمت ظهر البعير بعد الأوضاع المأساوية التي وصلوا إليها نتيجة الحالة الأمنية السيئة وظروف النزوح والتشرد والأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتدنية.

 

 

الجهات المعنية عاجزة عن تذليل الصعوبات

أسهل طرق الحل كانت رفع الأسعار حيث يعود السبب الرئيسي في رفع أسعار الأدوية إلى عجز الحكومة السورية عن تذليل التحديات والصعوبات التي تعيق عملية الإنتاج لدى الشركات والمعامل المصنعة للدواء في سوريا.

-لا من جهة رفع القدرة لتوفير التمويل اللازم لاستيراد المواد الأولية الداخلة في صناعة الدواء بالقطع الأجنبي أو قطع الغيار اللازمة للقيام بتعمير خطوط الإنتاج التي خربت أو دمرت أو سرقت.

-ولا من جهة السرعة في إعادة الخدمات المرافقة وخطوط الطاقة أي ترميم البنية التحتية التي دمرتها الحرب والعمليات العسكرية خاصة في حلب التي تضم أكبر تجمع للصناعات الدوائية في سورية (40%).

– كما لم تستطع الحكومة توفير مستلزمات وملحقات الصناعة الدوائية كزجاجات الشرابات أو علب الكرتون أو مواد التعبئة والتغليف بالأسعار المناسبة للمنتجين.

– ولا استطاعت أن تلقى حلا لمسألة فروق الأسعار نتيجة تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار علما أن مصنعي الدواء يعملون أصلاً في إطار من التكاليف المرتفعة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات وتكلفة النقل وتوصيل الدواء إلى أسواق التصريف وفقدانهم للكثير من الخبرات الوطنية التي فضلت الهجرة على البقاء ضمن الظروف الأمنية والعسكرية السيئة التي تعاني منها البلاد منذ أكثر من 6 سنوات.

وبالتالي فلم ير أصحاب المعامل وشركات تصنيع الأدوية بداً عن مطالبة الحكومة برفع أسعار منتجاتهم تحت طائلة التهديد بالتوقف عن الإنتاج أو احتكار أصناف محددة مما قد يساهم بتفاقم أزمة توفر الدواء داخل السوق المحلية الأمر الذي نفاه أصحاب عدة شركات للأدوية غير مخبئين رغبتهم في إيجاد حل لمشكلة ارتفاع تكاليف إنتاجهم وأجور النقل والتوصيل أمام انخفاض الأسعار.

أسباب لا يمكن تجاهلها لرفع أسعار الدواء

لارتفاع أسعار الدواء العديد من الأسباب الحقيقية التي إذا ما تجاهلناها كمن يضع رأسه في الرمل مقتنعاً بأن لا أحد يراه وبالتالي لا يمكن إغفال تلك الأسباب إذا ما أردنا تصحيح الأوضاع في هذا القطاع أو على الأقل البدء بالخطوات الأولى لإيجاد الحلول فعلاج الأمراض يبدأ بتشخيصها ومن هذه الأسباب نذكر:

– تراجعت القدرة الإنتاجية لقطاع الصناعات الدوائية بنسبة تراوحت بين 20إلى 40% نتيجة الأزمة الأمر الذي ساهم بفقدان الكثير من الأصناف الدوائية من الأسواق وساهمت العقوبات الاقتصادية في صعوبة تأمين المواد الأولية وشحنها مما ساهم أيضاً بفقدانها من الأسواق.

-تدهور سعر الصرف وبالتالي ارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار المواد الأولية المستوردة الداخلة في صناعة الأدوية

-ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات المستخدم في معامل وشركات تصنيع الأدوية (سعر لتر المازوت 290)

-ارتفاع تكاليف النقل والشحن سواء المواد الأولية المستوردة من الخارج التي يضطر مستوردوها إلى شحنها لعدة مطارات وإدخالها أخيرا براً من لبنان إلى سوريا

-صعوبة نقل المنتجات داخل السوق المحلية وتصريفها نتيجة انقطاع الطرقات وفرض أتاوات مختلفة أثناء عملية النقل من قبل الفصائل المسيطرة على الأرض هنا أو هناك.

-ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الدوائي وملحقاتها من العبوات الزجاجية أو مواد التغليف والتعبئة.

-عملية تهريب الكثير من الأصناف الدوائية إلى خارج الحدود بهدف بيعها بأسعار تزيد بخمسة أضعاف أو أكثر عن أسعارها في السوق المحلية وبالتالي تحقيق أرباح عالية الأمر الذي يساهم بانخفاض المعروض محلياً وبالتالي ارتفاعاً في أسعارها.

التصدير وأثره في فقدان الدواء وبعض الأصناف من السوق

تشكل مسألة استيراد الأدوية إلى السوق السورية عبئاً كبيراً على كاهل القائمين عليها فضلاً عن نوعية الدواء الذي يمكن أن لا يكون بالجودة والمواصفات المطلوبة بالرغم من أن أسعارها تزيد لنسب تصل لأكثر من 500 % من أسعار الدواء المحلي، لذلك وأمام تراجع القدرات التمويلية لعملية الاستيراد عند الدولة اضطرت للسماح للمنتجين بتصدير جزء من إنتاجهم بهدف الحصول على القطع الأجنبي اللازم لتمويل مستورداتهم من المواد الأولية الداخلة في صناعة الأدوية وخاصة المادة الفعالة إلا أن هذا الموضوع ساهم بشكل كبير في فقدان الأصناف الدوائية التي يتم الطلب عليها من الخارج من الأسواق السورية وفاقمت هذه المشكلة من أزمة الدواء التي حدثت خلال عامي 2015 و2016 بعد تدهور سعر الصرف بشكل كبير وخروج العديد من المعامل والمصانع من دائرة الإنتاج نتيجة العمليات العسكرية والقصف والتدمير أو سيطرة الفصائل على بعض من المختبرات الدوائية الضخمة وخاصة في حلب.

كما ساهمت مسألة السماح بتصدير الأدوية إلى ضعف فعالية الدواء الذي يتم تحضيره للسوق المحلية بهدف استخدام الكمية الأكبر من المادة الفعالة في صناعة الأدوية المعدة للتصدير لفتح وكسب الأسواق الخارجية مبررين ذلك بأن سعر الدواء في السوق السورية لا يتناسب مع إمكانية تصنيعه بمواصفات عالية.

أخيراً

بقي أن نقول أن الاستمرار باتباع سياسة رفع أسعار الأدوية كأسهل الطرق على حكومة النظام السوري بين الفينة والأخرى لمعالجة مسألة ارتفاع تكاليف إنتاجها تزيد ولا شك من وطأة الأزمات المعيشية التي يعاني منها غالبية شعبنا اليوم بل لا بد لأي هيئة سورية اقتصادية ذات فاعلية من الشروع بسياسات اقتصادية صحيحة تساهم بتنشيط هذه الصناعة الحيوية الهامة اقتصاديا واجتماعيا وتوفير جميع المستلزمات والتسهيلات الممكنة للنهوض بها مرة أخرى حتى تعود لتأخذ مكانتها الصحيحة من حيث تغطية حاجة سوقنا المحلية من جهة والقيام بالتصدير إلى الأسواق الخارجية من جهة ثانية.

 


التعليقات

التعليقات

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/ws59a