الحل في سوريا بين جنيف وأستانا وسوتشي .. إلى من تميل الكفة وما الفروقات بين تلك المؤتمرات؟

حسام صالح

بعد عام على انطلاق الاجتجاجات الشعبية في سوريا عام 2011 ومع ازدياد تعقد الوضع فيها وما ارتبط فيه من تطورات متسارعة واتخاذ الثورة طابعها المسلح، بدأت التحركات الدولية والإقليمية للتعامل معها مع الواقع السوري لإيجاد حل سياسي أو ربما لتكون سوريا ساحة لصراع المصالح وتقاسم النفوذ.

بدأت التحركات الدولية بمسار جنيف في عام 2012 الذي انطلقت منه 8 جولات، مروراً بمؤتمر آستانة الذي انطلق مع بداية العام 2017 وتم فيه عقد 8 جولات، وصولاً إلى مؤتمر سوتشي الذي من المزمع عقده قريباً والذي تم التحضير له بقمة ثلاثية جمعت #روسيا و #تركيا و #إيران، فكل مؤتمر يعقد تطرح فيه أوراق تتناغم مع تطورات الوضع على الأرض السورية والتحالفات الدولية.

كثير من السوريون يسمعون بكلمات “جنيف، استانة، شوتشي” ومفاوضات مباشرة وغير مباشرة وتيار مع، وتيار ضد الذهاب إلى المؤتمرات، لكن بعضهم لايعلمون الفروقات بين تلك المؤتمرات؟ وما هي الدول التي تقف ورائها؟ والتيارات السياسية التي تعارضها وتؤيدها؟ ويبقى السؤال الأهم في النهاية هل ستفضي أي من تلك المؤتمرات إلى حل سياسي في سوريا؟ أم إنها مجرد عامل لتضييع الوقت ولتميكن النظام من فرض سيطرته مرة أخرى على الأراضي السورية؟

جنيف وخريطة الحل السياسي

يعتبر مسار #جنيف الأول من نوعه حول بحث الملف السوري دولياً، والذي تم بوقت مبكر من انطلاق الاحتجاجات في سوريا، حيث عقد في 30 من حزيران عام 2012، وخرج ببيان سمي “جنيف واحد”، وكان أهم مخرجاته وقف العنف في سوريا، والإفراج عن المعتقلين وضمان حق التظاهر، ووضع مرحلة انتقالية وصولاً إلى انتخابات حرة، من هنا بدأ الخلاف حول الملف السوري عبر تيارين، الأول الأمريكي الذي اعتبر البيان تمهيداً لرحيل الأسد، في حين تمثل روسيا التيار الثاني، حيث قالت إن البيان لم يتطرق حرفياً إلى مصير الأسد، وبناء عليه قامت روسيا بالالتفاف والتمهيد لمسار تفاوضي جديد فيما بعد عبر “مؤتمر استانة” ومن ثم “سوتشي”.

بعدها توقفت العملية السياسية، إلى تاريخ 22 كانون الثاني من عام 2014، حيث تم عقد الجولة الثانية من محادثات جنيف، أبرز ردود الفعل قبيل المؤتمر كانت تصريح رئيس النظام بشار الأسد نيته الترشح لفترة رئاسية ثالثة، واستبعاد تقاسم السلطة مع المعارضة، وطلب التركيز على “الحرب ضد الإرهاب” في جنيف 2، في حين رفض الائتلاف الوطني المعارض حينها المشاركة دون ضمانات بأن الأسد سيتخلى عن السلطة، لكنه عاود وشارك بعد الضغوطات الدولية، فيما فشل المؤتمر على الرغم من حضور نحو 40 دولة ومنظمة.

من جديد تمت الدعوة إلى مؤتمر جنيف 3، وكان مؤتمر الرياض للمعارضة السورية الذي عقد بعد أيام قليلة من اجتماع فيينا قد أدى إلى ضم مجموعات المعارضة السورية، وتشكيل هيئة عليا للمفاوضات، لتمثل هذه الهيئة لأول مرة المعارضة السورية في جولة جديدة من مؤتمرات جنيف حضرها أيضا ممثلو النظام والدول الراعية وذات الشأن، تم الإعلان عن بدئه في الأول من شباط عام 2016، ثم أعلن مبعوث الأمم المتحدة حينها تأجيل المفاوضات لتاريخ 25 شباط، بعد اعتراض وفد المعارضة على استمرار هجوم قوات النظام على مدينة حلب.

عاودت الوفود مرة أخرى المشاركة في الجولة الرابعة التي أطلق عليها مؤتمر جنيف 4 في 23 شباط عام 2017، حيث تم التوصل فيها إلى جدول أعمال يتكون من 4 سلال هي إنشاء حكم غير طائفي ووضع جدول زمني لمسودة دستور جديد خلال 18 شهر تحت إشراف الأمم المتحدة، وإجراء انتخابات حرة وملف مكافحة الإرهاب، لكن فشلت هذه الجولة أيضاً لرفض وفد النظام مناقشة هيئة الحكم الانتقالي.

جولات جنيف 5 و6 و 7 عقدت خلال أشهر نيسان وآيار وحزيران من العام 2017، جميعها باءت بالفشل وسط تبادل الاتهامات بين وفدي النظام والمعارضة بالتعنت في موقفها جراء الحل في سوريا، واستمرار عقبة مصير الأسد محل الجدل الأساسي بين الأطراف.

آخر مؤتمرات جنيف كان في شهر كانون الثاني من العام 2017، كان الهدف منه تحقيق لقاءات مباشرة بين وفدي النظام والمعارضة، لكنه لم ينجح لطلب المعارضة تطبيق القرار الدولي 2245  المتعلق بوقف إطلاق النار وتنحية الأسد ووضع دستور جديد وتشكيل هيئة حكم انتقالي وهو مارفضه وفد النظام.

في الجدول التالي أهم المراحل التي مر بها مسار جنيف منذ بدايته حتى تاريخ إعداد هذا التقرير:

مسار جنيف تاريخ الانعقاد تمثيل المعارضة الدول الراعية القضايا التي تم مناقشتها نتائح المفاوضات
جنيف1 30/6/2012 مجموعة العمل من أجل سوريا

(كوفي عنان)

وقف العنف في سوريا، الإفراج عن المعتقلين وضمان حق التظاهر، ووضع مرحلة انتقالية وصولاً إلى انتخابات حرة. وثيقة يتم التأسيس عليها للمفاوضات المقبلة
جنيف 2 22/12/2014 الائتلاف الوطني المعارض روسيا والولايات المتحدة وممثل الأمم المتحدة (الأخضر الابراهيمي) النظام يطلب “محاربة الإرهاب” والمعارضة تطبيق بيان جنيف 1 عدم الاتفاق على جدول أعمال محدد
حنيف 3 25/2/2016 مجموعة الرياض، الهيئة العليا للمفاوضات روسيا والولايات المتحدة وممثل الأمم المتحدة (ديمستورا) تم التأكيد على تطبيق القرارات الدولية (2118-2254-2268). والتباحث في أربعة ملفات: الحكم الانتقالي، دستور جديد، الانتخابات، محاربة الإرهاب تأجيل المفاوضات لتاريخ 25 شباط، بعد اعتراض وفد المعارضة على استمرار هجوم قوات النظام على مدينة حلب.
جنيف 4 23/2/2017 مجموعة الرياض، الهيئة العليا للمفاوضات روسيا والولايات المتحدة وإيران وممثل الأمم المتحدة (ديمستورا) جاءت جنيف 4 عقب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في سوريا أواخر ديسمبر/كانون الأول 2016 الاتفاق على مناقشة السلال الأربع بينها مكافحة الإرهاب وهيئة الحكم الانتقالي
جنيف 5 24/3/2017 الهيئة العليا للمفاوضات روسيا والولايات المتحدة وإيران وممثل الأمم المتحدة (ديمستورا) الحكم والدستور ومكافحة الإرهاب والانتخابات تبادل وفدا المعارضة والنظام الاتهامات بشأن عدم تحقيق تقدم في هذه الجولة.
جنيف 6 16/5/2017 الهيئة العليا للمفاوضات وانسحاب ممثلي فصائل عسكرية روسيا والولايات المتحدة وممثل الأمم المتحدة (ديمستورا) مناقشة السلال الأربعة عدم وصول محادثات “جنيف6″لأي إنجازات كبرى،بحسب ديمستورا
جنيف 7 15/7/2017 الهيئة العليا للمفاوضات روسيا والولايات المتحدة وممثل الأمم المتحدة (ديمستورا) مكافحةالإرهاب، ومسائل تقنية دستورية الفشل في تحقيق مفاوضات مباشرة بين النظام والمعارضة
جنيف 8 15/12/2017 الهيئة العليا للمفاوضات روسيا والولايات المتحدة وممثل الأمم المتحدة (ديمستورا) مناقشة البنود الـ12 التي وضعها ديمستورا أبدى ديمستورا أسفه لعدم تحقيق تقدم في هذه الجولة، وعدم حصول ما وصفها بـ”مفاوضات حقيقة” بين الطرفين.

 

مسار أستانة والقضاء على جنيف

مع دخول العام 2017 ، وتزايد الوضع الميداني تعقيداً مع سيطرة قوات النظام على مدينة حلب في أواخر العام 2016 والتقارب التركي الروسي، وابتعاد الولايات المتحدة عن الملف السوري، تم عقد مؤتمر استانا 1 في 23 كانون الثاني عام 2017 ، وأهم ما جاء في تلك المفاوضات هو التأكيد على الحل السياسي في سوريا، وتوصلت وفود روسيا وتركيا وإيران إلى اتفاق على إنشاء آلية ثلاثية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار في سوريا، والجديد هنا أن وفد المعارضة يضم شخصيات عسكرية من الفصائل المختلفة بتمثيل واسع.

الجولة الثانية من المفاوضات أقيمت في 15 شباط 2017، وأبرز ما جاء فيها الحديث عن تشكيل مجموعة عمل ثلاثية (روسية تركية إيرانية) لمراقبة وقف الأعمال القتالية، وتشكيل آلية لتبادل المعتقلين بين قوات النظام والمعارضة المسلحة، بعدها بشهر تقريباً عقدت الجولة الثالثة وتحديداً في 14 آذار قدمت روسيا من خلالها اقتراحات بوضع دستور للبلاد، انتهت بمقاطعة المعارضة المسلحة لهذه الجولة.

الجولة الرابعة من المفاوضات انطلقت في 4 مايو/أيار 2017، أبرز ما نتج عن هذه المفاوضات هو اتفاق مناطق خفض التوتر التي تشمل كامل محافظة إدلب ومحافظة اللاذقية ومحافظة حلب، وأجزاء من محافظات حماة وحمص ودرعا والقنيطرة، ومنطقة الغوطة الشرقية بريف دمشق، برعاية روسية لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد وقوبلت بإعلان المعارضة أنها ليست جزء من الاتفاق.

الجولتان الخامسة والسادسة من المفاوضات كانت بين شهري تموز وأيلول كان التركيز فيهما على رسم حدود مناطق خفض التصعيد في سوريا، وشكاوى من وفد المعارضة بعدم التزام النظام بخفض التصعيد، والملفت فيه مشاركة حركة أحرار الشام لأول مرة في استانة 6.

الجولة السابعة من المفاوضات انطلقت في 30 أكتوبر/تشرين الأول2017: وحضر المفاوضات غير المباشرة بين النظام السوري والمعارضة، وفود الدول الضامنة (روسيا وتركيا وإيران)، وعدد من الدول المراقبة، اقتصر التباحث فيه على موضوع تبادل الأسرى والمختطفين، في حين عقدت الجولة الثامنة من المفاوضات في الشهر الأخير من عام 2017 وتم التركيز فيه على ملفي تبادل الأسرى والجثث بين النظام والمعارضة.

مؤتمر سوتشي وتصفية العملية السياسية

في تاريخ 22 من شهر كانون الأول 2017 اجتمع رؤساء دول كل من روسيا وإيران وتركيا في منتجع سوتشي في روسيا، حيث تم التباحث فيه بخصوص (مؤتمر الحوار الوطني السوري-السوري) وتعزيز وقف إطلاق النار، وزيادة المساعدات للمتضررين من الحرب، ضمن إطار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، ويعتبرونه خطوة مساندة لعملية أستانة التي تم بموجبها خفض التصعيد في عدة مناطق سوريا، حيث من المقرر عقد المؤتمر الذي دعي إليه جميع الأطراف السورية في نهاية كانون الثاني الحالي، في حين تعتبره المعارضة خطوة للالتفاف على مقررات جنيف التي تقضي برحيل الأسد، خصوصاً بعد تصريح مبعوث الكرملين الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرنتيف بقوله إنه “لا مكان في سوتشي لمن يطالب بالرحيل الفوري لبشار الأسد”.

ماعلاقة المسارات الثلاث ببعضها؟

يرى مراقبون أن روسيا تسعى من وراء استانا وسوتشي إلى إلغاء مسار جنيف بشكل أو بآخر من خلال التركيز على كتابة دستور جديد وإجراء انتخابات ومشاركة المعارضة في السلطة وإعادة تأهيل الأسد سياسياً، وبالتالي يكون هذا التصور بديلاً عن “مرحلة الحكم الانتقالي” التي تناولتها ماباتت تعرف باسم وثيقة جنيف واحد 2012 وتم عليها بناء مسارات جنيف التي تلته.

بالتالي استطاعت روسيا الدخول إلى ملف المفاوضات السياسية مع إيران كطرف راع لها في الوقت الذي لم تكن تدع فيه إلى مؤتمرات جنيف الأولى باعتبارها طرف مساند للنظام السوري.

كما يلاحظ أن روسيا استطاعت من خلال استانة استمالة تركيا بالتالي الدعوة إلى مؤتمر سوتشي، إضافة إلى غياب الدور الأمريكي والأمم المتحدة، ودخول إيران على خط الراعي للمفاوضات.

وفي ظل رفض المعارضة المشاركة في مؤتمر سوتشي لاعتبارات عديدة، يرى المتحدث باسم هيئة التفاوض السورية يحيى العريضي أن  “الحل السياسي يرتكز على مسار جنيف والقرارات الدولية وتطبيقها الكامل لا الانتقائي الذي يؤدي إلى إجهاض الحل”، واعتبرت العديد من شخصيات المعارضة أن المسؤولين الروس وضعوا شروط على المعارضة السورية قبل أن يعلنوا أجندة مؤتمر سوتشي.

وبعد فشل مفاوضات جنيف8، أتاحت الجولة الثامنة من محادثات أستانا لروسيا ان تعيد اطلاق مشروعها لعقد «مؤتمر الحوار الوطني» السوري في سوتشي، وتحاول إقناع الفصائل المشاركة في أستانة للذهاب إلى سوتشي، وبالتالي فصل المسار السياسي عن المسار العسكري، وتمييع وثيقة جنيف لتكون كل محادثات استانا تخص خفض التصيعد وتبادل الأسرى والمعتقلين.



مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/wVg0u