اتفاقيات التهجير وصعود سوريا إلى الهاوية

د . مهيب صالحة       أ . يوسف صداقي

إن أقصر طريق لإدراك مدى سوء الحالة التي تعيشها القوى الوطنية السورية اليوم هو معرفة نوع الزعامات العسكرية والسياسية التي ألصقت نفسها بقيادة مصير الدولة السورية بإسم الاسلام السياسي “سني ، شيعي” . ومع الاستفادة من حالة عدم الإدراك العام في الشارع السوري الموالي للنظام لمخاطر انزلاقه في دوامة العنف، ومن ثم انزلاق الحراك الثوري الشعبي في دوامة العنف المضاد، نجح تيار الإسلام السياسي المعارض والميليشاوية الشيعية المؤيدة على شن هجمات شرسة على أي مكون وطني حتى تم تدمير بنيته العسكرية والمدنية لتتساقط القيادات الوطنية السورية النبيلة إما في أرض المعركة أو عبر الاغتيال أو الإقصاء السياسي لإخلاء الميدانين السياسي والعسكري للطائفيين الإسلاميين المتعصبين ولعملاء الدول الاجنبية المحليين والغرباء.

حالة تبعية تعيشها القيادات السورية المعارضة منها والموالية، لهذه الدولة أو تلك، حتى بات تعيين رؤساء الكيانات السياسية والعسكرية للطرفين أمراً منوطاً بقرار من أنقرة أو الرياض أو الدوحة أو طهران أو أحياناً ضاحية بيروت الجنوبية، وليصير أكثر هؤلاء الرؤساء مهتماً  بشؤون تجارته وبضاعتها الفاسدة أكثر من الشأن العام الذي يتلطون خلفه، وأصبحت نشاطاتهم الوطنية تدور في الحلقة المفرغة، وترسم حدودها عواصم الدول المتبوعة صاحبة القرار، ليشكلوا أعظم سبب وأقوى عامل أصاب الوعي الوطني السوري بالشلل، وغيّب القرار الوطني عن ممارسة أي دور أو فعل لوقف الحرب، وبدء عملية سياسية جادة تجنب سوريا المزيد من الدمار وإراقة الدماء ، وتضعها على سكة التغيير الديمقراطي وبناء دولة المواطنة والقانون .

وكان تصعيد المواجهات المسلحة اعتباراً من عام ٢٠١٣  بمثابة صعود الخيار الوطني السوري إلى الهاوية . ومع كل تصعيد  لوتيرة المعارك كان سقوطه يصبح أكثر حتمية لارتباط العمليات العسكرية منذ ذلك الحين باستراتيجية التهجير الممنهج الذي لا يقل شأناً عن دمار البنية التحتية وارتفاع عدد الضحايا.

إن تدخل حزب الله المباشر وتدفق المجاهدين المهاجرين كانا السبب المباشر لانحسار الخيار الوطني مقابل اجتياح ميليشات دول المنطقة، ولعل اتفاق حمص القديمة عام ٢٠١٤ كان أول معالم انتقال الشأن السوري إلى سلة استراتيجيات دول الإقليم . فقد  نص اتفاق حمص على الإفراج عن نحو 20 مقاتلاً ايرانياً في مقابل إخراج جميع المحاصرين في حمص القديمة البالغ عددهم  أكثر من ألفي محاصر إلى الشمال السوري. اتفاق لائم الجميع يومها عدا الحماصنة الذين فقدوا أرضهم . وكما انتشى النظام وحلفائه باستعادة حمص كذلك الائتلاف الوطني المعارض كان سعيداً حينها ودافع عن خيار التهجير على لسان رئيسه أحمد الجربا بقوله “ثوار الداخل هم الأقدر على تقدير الظروف “، وحتى الارهابي السعودي الجنسية عبد الله المحيسني  كتب عن الانسحاب واصفاً إياه بالعمل العسكري الناجح إذا حافظ القائد على سلامة “الكتلة البشرية” التي يمكنه من خلالها مواصلة الحرب من مواقع بديلة. لنعلم اليوم أن ما وصفه بـ “مواقع بديلة” حينها هي مناطق درع الفرات وعفرين وإدلب.

لقد مكن اتفاق حمص النظام وحلفائه في معارك محيط دمشق، التي تم من خلالها تقطيع أوصال المناطق الخارجة عن سلطة حكومة دمشق وتحويلها إلى كانتونات محاصرة. ليصبح الوضع العسكري لقوات المعارضة ميؤوساً منه، ويغدو الاستمرار في القتال على أغلب الجبهات لا طائل منه، لكن الجهات الإقليمية التي كانت لها مصالح حقيقية في الحرب لم تكن مستعدة لايقاف مساعيها  في دفع السوريين إلى الاستمرار في القتال. ليتكرر من جديد سيناريو حمص في عدة مناطق ، فرض حصار شديد واستدامة في العمليات العسكرية الصلبة حتى تتحول حياة الناس الى جحيم يسهل عمليات تهجيرهم من مناطقهم. وباتت عمليات التهجير تتم بشكل متسلسل وسلس باعتبارها الخيار الأنسب لاستراتيجية إيران في التغيير الديمغرافي، وفي الوقت ذاته تصب في خدمة المصلحة العليا لحكومة العدالة والتنمية في أنقرة إذ أن الدبلوماسية التركية كانت دائماً تلعب دور الوسيط غير النزيه في عمليات الإخلاء والتهجير بغية إعادة استخدام المهجرين كأدوات تخدم مصالحها بالوكالة حتى الحد الاقصى. هذا التناغم الايراني ـ التركي شجعته موسكو منذ تدخلها العسكري وساندته في ظل غياب أي استراتيجية واضحة سواء للرياض أو الدوحة أو عواصم الدول المتدخلة الأخرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية غير الدعم المالي للمعارضة المسلحة.

لقد استعملت تركيا القوات العسكرية المهجرة في تصفية كل من يخرج عن هواها الإخونجي ومصالحها الجيواستراتيجية من القيادات العسكرية للحراك الثوري كقائد شهداء داريا في إدلب، أو تدمير الكيانات العسكرية في الشمال السوري كاستخدام أحرار الشام والمهجرين من جبهة النصرة “ريف حمص والبادية” في إنهاء وجود كيانات عسكرية مهمة كصقور الغاب، عدا عن عمليات التهجم أو التحييد لأي دور للضباط المنشقين عن الجيش السوري، لتكون الاستفادة الأهم هو استخدام القوات العسكرية المهجرة في حربها ضد الكيانات الكردية في الشمال السوري، سواء في عمليات درع الفرات عام ٢٠١٦ أو الاجتياح البري لعفرين اليوم ٢٠١٨.

أيضاً استخدمت تركيا المهجرين المدنيين في حربها الدبلوماسية على أوروبا كورقة ضغط إنسانية سواء باستجرار الأموال أو التهديد بفتح الحدود أمام المتدفقين إلى أوروبا طلباً للجوء، كما أن استيعاب أنقرة لآلاف الناشطين المدنيين ساهم في ترويج البروباغندا الإعلامية وقيادة الرأي العام السوري المعارض، خصوصاً مع التضييق الأمني والإعلامي الذي فرضته باقي دول المنطقة على المهجرين السوريين في أراضيها، والذي قاد في النهاية إلى استحواذ الإعلام الأردوغاني على عقول السوريين المعارضين والإعلام الايراني على عقول الجمهور الموالي للنظام.

في هذا السياق ، ونظراً لحالة اليأس والألم الشديدين اللذين سببهما الحصار اضطرت العديد من المناطق العودة إلى قبول إجراءات المصالحة الوطنية التي فرضها النظام بتواطؤ إقليمي . وفيما تتهم بعض القيادات العسكرية بالعمالة لصالح تركيا تارة وعمالة مزدوجة تارة أخرى،  فإن المأزق العسكري ليس هو السبب الوحيد لحالة القصور السياسي التي يتسم بها كلا الطرفين المتصارعين “المعارضة والنظام” ، إنما المسبب الأول لكل المأزق المذكور سابقا هو ارتهان جميع الأطراف الداخلية المتصارعة لأطراف دولية وإقليمية وتبعيتها السياسية لها .

لقد عمدت الأطراف الإقليمية بمعاونة روسيا على تشجيع المصالحات المشروطة بتهجير الجماعات المسلحة المعارضة مع عوائلهم من مناطق إقامتها، وتجميعها في محافظة إدلب الشمالية بمحاذاة الحدود التركية من جهة الغرب، وبجوار محافظة اللاذقية معقل النظام الأول وخزانه الطائفي من جهة الجنوب حتى يتم استخدامهم في المستقبل ورقة ضغط سياسية وعسكرية من قبل هذه الجهة أو تلك في بازار المصالح القذرة التي يدفع فواتيرها الشعب السوري من كلا الطرفين “السني و العلوي” طائفياً ” و  “العربي والكردي” إثنياً . وفي الشرق الغني بثرواته الطبيعية تجري عمليات تهجير مماثلة تمارسها أطراف كردية بحق العرب تحت نظر وسمع الولايات المتحدة الأمريكية بقصد تغيير التركيبة الإثنية للمنطقة تسهل إقامة فدرالية كردية تحت الانتداب الأمريكي، تقود في نهاية المطاف إلى تقسيم سوريا إلى كانتونات طائفية واثنية .

إن معالم الخارطة الجيوسياسية ، ومعالم الخارطة الديمغرافية بدأت ترتسم ليس فقط على الورق وفي الميدان بل الأخطر من ذلك أنها ترتسم في الذهنية السورية للموالاة و للمعارضة . وليس الخطاب التوحيدي الذي يتشدق به الطرفان في ظاهرهما سوى حجاب مزيف يسترون به باطنهما ، يفضحه كل يوم الانقسام الحاد حول شكل وجوهر الحل السياسي للمسألة السورية ، وتغطية هذا الإنقسام من الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة مما يؤدي إلى استمرار التهجير مع استمرار الحرب وصعود سوريا إلى الهاوية .



مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/IIfs9