مشاركة

يوسف صداقي

رحل داوود اغلو عن إدارة الدبلوماسية التركية عام 2016 لكن المفكر الاسلامي المعتقد اخواني التوجه والذي كان قد دخل قائمة فورين بوليسي لأول 100 مفكر عالمي في عام 2010 لكونه أحد العقليات التي حققت النهضة التركية على المستوى الخارجي. والذي كان قد بيّن نظريته للسياسة الخارجية التركية في كتابه العمق الاستراتيجي والذي  نشر بواسطة مركز الجزيرة للدراسات. اعتمد سياسية اسماها “صفر مشاكل” التي فشل بسببها حزب العدالة والتنمية في خلق مكان ايجابي لتركيا إلا لسنوات قليلة، أما اليوم فتركيا غائصة في وحل من المشاكل الإقليمية والدولية لا يمكن التكهن بالطريقة الأمثل للخروج منها مجتمعة.

استراتيجية حزب العدالة والتنمية التركي الداخلية منذ وصوله للسلطة ارتكزت على التنمية الاقتصادية، ونتيجة الفقر الذي تعانيه #تركيا في موارد الطاقة، فقد كانت الخلافات بين #روسيا و #أوكرانيا سبيلاً استغلته تركيا لتحويل ذلك الخط الذي رسمت حدوده منذ عام 1984 ليمر عبر أراضيها بشكل مباشر دون أراضي دولة أخرى،  وعليه فقد رهنت تركيا علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي مقابل عقود خطوط الغاز مع روسيا الاتحادية. مع بداية عمل خط التيار الأزرق باتت تركيا تعتمد في وارداتها من الغاز الطبيعي على التصدير الروسي في نحو 57% وبإضافة 3% من الواردات النفطية، بات راسخاً الاستحكام الروسي في تعاملات أنقرة معها.

أوروبياً فشل حزب العدالة والتنمية في تأصيل دور تركيا وعلاقاتها مع دول البحر الاسود، في الوقت الذي استطاعت فيه روسيا أن توسع سواحلها في بحر تتشاركه مع 6 دول من أعضاء الناتو والاتحاد الأوروبي. وباتت المنظومات والمشاريع السياسية مع دول الحوض إما معطلة كمنظمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود، أو باتت من المشاريع المستغنى عنها كمشروع منصة الاستقرار والتعاون في القوقاز. كما أن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 حول من اتفاقية مونترو لعام 1936 إلى عنصر ضاغط أوجب على أنقرة الكفاح في سبيل إيجاد توازن بين واجباتها كعضو في الناتو وبين الحفاظ على مصالحها الأمنية والاقتصادية الوطنية مع روسيا. فتركيا هي موطن قواعد ومقرات أساسية لحلف الناتو منها قاعدة إنجرليك الجوية، مقر قيادة في إزمير، ومحطة رادار مراقبة (أن / TPY 2) في جوريسيك، وتشير بعض التقديرات أن قوات الناتو تستخدم 20  موقعاً عسكرياً داخل الأراضي التركية. مقامرة أنقرة اليوم تبدو أنها الأكبر منذ الحرب العالمية الأولى، فمقابل منظومة S-400 الروسية تخاطر أنقرة بعلاقاتها مع الناتو ككل و ترهن مشاركتها في مشروع تطوير طائرات اف -35 مع الولايات المتحدة، حتى مع تأخر موسكو في تسليم المنظومة.

بدلاً من الاصطفاف مع الحلفاء، عملت أنقرة على عدم التنافس مع روسيا في البحر الأسود في عدة مناسبات ابتداءً من الحرب الروسية مع جورجيا عام 2008، حين اتخذت تركيا موقف الحياد. الذي تكرر عند ضم روسيا لشبه جزيرة القرم الأوكرانية ففي المناسبتين لم يتعدى التحرك التركي صخباً إعلامياً بسيطاً، انتهى في نوفمبر 2015 باختراق روسي للحدود الجوية التركية نتج عنه اسقاط طائرة السوخوي الروسية. وليقوم عسكري روسي بخرق وقح اتفاقية مونترو حين وجه سلاحه باتجاه مدينة اسطنبول خلال عبور سفينة حربية روسية لمضيق البوسفور، لم تجاوب عليه تركيا إلا بالانتقاد.

بدءاً من اتهام الولايات المتحدة وأوروبا بدعم الانقلاب الفاشل عام 2016. كما أن التطهير العسكري الذي أعقب الانقلاب زاد الوضع سوءً من خلال قطع العلاقات الشخصية وتعقيد التبادلات غير الرسمية. وازداد التدقيق الإعلامي على قاعدة انجرليك في الولايات المتحدة بعد شائعات بأن القاعدة كانت مقفلة من قبل تركيا خلال الانقلاب، مما غرس رؤية تركيا كحليف غير مستقر. وهذا ما دفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في دور تركيا في استراتيجيتها ولتنقل الولايات المتحدة أغلب قواتها الجوية من القاعدة ذاتها إلى أفغانستان مؤخراً، والذي جاء بعد عام من اعادة توزيع للقوة الامريكية في شرق أوروبا في عملية اعادة هيكلة عسكرية واضحة.

النزاع الدبلوماسي اليوم بين واشنطن وأنقرة الذي لم يصل سابقاً إلى نظيره. ووفقاً لاستطلاع أجرته جامعة كادر هاس في يونيو / حزيران 2017، رأى 66.5 في المئة من المشاركين في تركيا أن الولايات المتحدة هي التهديد الأمني ​​الرئيسي للعالم. ولا يبدو أن الرئيس أردوغان ولا الرئيس ترامب راغبان في حل المعضلة مع ازدياد معارضة تصرفات تركيا في الكونغرس الأميركي والذي أنتج سابقاً عقوبات ثانوية ضد أفراد أتراك. وصولاً إلى تعليق عمل السفارة الأمريكية في انقرة لعدة مرات. في الوقت الذي ما فتئت أنقرة تثير مناوشات دبلوماسية وقضائية، وزيادة النزاع السياسي مع ألمانيا وأعضاء الاتحاد الأوروبي الآخرين، حتى استخدام حرس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان العنف ضد متظاهرين أرمن خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، والحملة التركية ضد بعض القيادات الاوروبية خلال انتخابات بلدانهم وصولاً الى الإتهامات برعاية الإرهاب لرفض تسليم القيادي الكردي صالح مسلم خلال جولته الأوروبية الأخيرة، وتجاهل واضح لكل الدعوات الأوروبية لوقف العمليات العسكرية التركية على عفرين السورية.

فيما تدرك الولايات المتحدة أن طبيعة العلاقة الثنائية مع أنقرة ليس غريباً عليها هذه اللحظات الصعبة، لكن إاهْتِيَاج انقرة من دعم قوات التحالف لقوات سوريا ديمقراطية، بات الأكثر إثارة للقلق، فأنقرة وعدا عن الأعمال العسكرية الاستفزازية في الشمال السوري، فإنها تشن حملة اعلامية تجيش فيها مشاعر العدائية، مما ينذر بالآفاق طويلة الأجل وقاتمة، لأن التوجهات السياسية تتفاوت بشكل متزايد.

يداعب استفسار أدمغة المتابعين، عن تفضيل تركيا لـ حلفها الثلاثي مع روسيا وإيران. فهل بقاء حزب العدالة والتنمية في سراي الرئاسة في أنقرة يتطلب فعلياً انشقاق تركيا عن الناتو؟ أم أن الأيام او السنوات القادمة سوف تبين شيئاً آخر؟


التعليقات

التعليقات

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/eTpMs