مشاركة

رجا أمين

ها قد انتهت الانتخابات النيابية اللبنانية التي تم توقع أغلب نتائجها بناء على دراسة قانون الانتخاب الجديد والاستطلاعات والاستبيانات الشعبية، فيما شهدت بعض المفاجأت.

تحالف حزب الله وحركة أمل حصد كل المقاعد الشيعية إلا واحداً للنائب الشيعي في جبيل، إذ خسر مرشح حزب الله الذي نال أكثر من 9300 صوتًا تفضيلياً أمام مرشح شيعي آخر نال 259 صوتاً فقط على لائحة مدعومة من حزب الكتائب والنائب السابق فارس سعيد، فكان نجاحه بحسب الحاصل الانتخابي واحدة من عجائب القانون الانتخابي الجديد.

تراجعت حصة تيار المستقبل لتقارب 20 نائباً وليخسر مقاعد سنية لمصلحة “الثنائي الشيعي”، ودخول سنة جدد إلى الساحة كفؤاد مخزومي. الأمر الذي يعقد عملية تسمية رئيس الوزراء المقبل بعد التراجع السني للحريري.

في المقابل تقدم ملحوظ للقوات اللبنانية، وتقدم للتيار الوطني مع حلفائه مجتمعين، وخرق بمقعد أو اثنين وربما ثلاثة لـ”المجتمع المدني”. وبحسب هذه النتائج والمتغيرات، يحسب للمجتمعين المسيحي والسني تنوع المشارب السياسية فيهما وديناميكيتهما على خلاف نظيرهما الشيعي.

خطابات عديدة للسياسيين المعنيين احتفلت بالنصر أو اعترفت بالهزيمة، بما في ذلك خطاب متلفز لحسن نصر الله اعتبر فيه أن “المجلس النيابي الحالي سيشكل ضمانة لحماية المقاومة وحماية معادلة الجيش والشعب والمقاومة”، سبقه تصريح لوزير التعليم الاسرائيلي نفتالي بينيت أشار فيه إلى أن “مكاسب حزب الله في الانتخابات اللبنانية تظهر أنه لا فرق بين الدولة والجماعة الشيعية المدعومة من #إيران” وأضاف أن “إسرائيل يجب ألا تفرق بينهما في أية حرب مستقبلية”.

وفي مقابل دعوة نصر الله إلى التهدئة كان لجبران باسيل رئيس التيار الوطني الحر وصهر الرئيس اللبناني ميشال عون رأي آخر إذ تفاخر بنصر تياره وعبر عن سروره بإغلاق بيتين سياسيين “إقطاعيين” ووعد بالمزيد، حتى أنه اعتبر زيادة كتلة القوات يعد انتصاراً لتياره! الأمر الذي دعى بعض الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي إلى السخرية من قدرة باسيل على الانتصار دوماً وفي كل الحالات والظروف.

نسبة الإقبال على الانتخابات كانت دون الـ 50% بالمئة أي أقل مما كانت عليه قبل 9 سنوات في الانتخابات النيابية الأخيرة، والأمر له مؤشرات خطيرة منها تعقيد قانون الانتخابات الجديد، وفقدان الأمل من قبل الناخبين والاستسلام للأمر الواقع على اعتبار أن تغييره غير ممكن.

حدثت بعض التجاوزات التي يمكن وصفها مبدئياً بالمتوقعة والتي بقيت ضمن المستوى المقبول، كالضغط على الناخبين والرشاوى الانتخابية وخرق سرية الاقتراع… إلخ لم تمس بشرعية العملية الانتخابية ككل. وكانت هناك مقولات بأن أي انتخابات تجري في البلاد في ظل وجود سلاح #حزب_الله هي انتخابات مطعون في نتائجها.

في الحقيقة أن هناك عملية ديموقراطية إلى درجة ما قد تمت، وهي ستؤثر مباشرة على أحوال البلد لأربع سنوات مقبلة، ولكن مع تعليقات اعتبرت أن بشار الأسد قد عاد إلى لبنان عبر البرلمان بواسطة نواب كجميل السيد وألبير منصور وإيلي الفرزلي، وحفاظ حزب الله على مقاعده بل تعزيزها رغم كل الخسائر البشرية التي قدمها من البيئة الشيعية في معركته لدعم نظام الأسد يبدو أن أسئلة كثيرة يمكن أن تطرح حول الديموقراطية وجدواها!

في بداية الثورة السورية كان المعارضون السوريون يطمحون إلى ما هو أفضل من النموذج اللبناني ما بعد الطائف، ولكن مع تطور الأمور وتدهور الأحوال صار الأمل بطائف سوري يعد مغرقاً في التفاؤل، أي أن الحال السيئ في لبنان صار على علاته أفضل مما يمكن أن نصل إليه بعد سنوات من الثورة ومئات ألوف الضحايات وملايين اللاجئين والمهجرين والنازحين.

الاعتراف بالأمر الواقع لا بد منه، مرة أخرى ربما، هناك سيطرة إيرانية/شيعية تبدأ من الحديقة الخلفية لإيران في أفغانستان لتنطلق عبر إيران إلى العراق فسوريا وصولاً إلى لبنان، ما عدا كل التدخلات في قطر والبحرين واليمن. هناك فائض من القوة تشعر به إيران وأذرعها، يعبر عنها في أدق التفاصيل: ليس من العابر أن تحتفل المواكب الدراجة لحزب الله وحركة أمل بالانتصار الانتخابي حاملين الأعلام الحزبية ومطلقين المفرقعات في قلب حي الأشرفية “المسيحي” ذي الرمزية الهائلة لدى المسيحيين، على مسافة بضعة مئات الأمتار من الموقع الذي يُتهم حزب الله أنه اغتال الصحفي سمير قصير فيه قبل سنوات.

وأيضاً، أن يلف تمثال رفيق الحريري المنتصب في المكان الذي تم اغتياله فيه بعلم حزب الله الواسع الأصفر ليس بالأمر العابر: “علم القاتل يلف منكبي الضحية”، فكل إنكارات دور حزب الله في اغتياله لا تنفي التفاخر بهذا الدور في مجالس مناصريه المغلقة، أو حتى على العلن حين يلزم استعمال التهديد والتذكير بمصير من يرفع رأسه، في سلوك مشابه لسلوك مناصري الأسد في سوريا، فهم ينكرون تهمة استعمال السلاح الكيماوي عن رئيسهم بينما يتفاخرون بقضائهم على الإرهابيين وبيئتهم بالـ “بيف باف” كالحشرات.

فإذن، إن كانت هذه هي الديموقراطية، ما الذي نسعى من أجله وناضلنا دونه منذ سنوات؟ هل ليحصد حزب البعث والحزب القومي السوري أو الجناح السياسي لحزب الله السوري أغلب مقاعد مجلس الشعب السوري، وليصل علي مملوك أو جميل الحسن إلى تحت قبة البرلمان في انتخابات ديموقراطية بعد عقدين من اليوم؟!

إما أن ما جرى ليس بديموقراطية، أو أن المخاض ما زال طويل وبحاجة لسنوات طويلة، سنوات تعني الدم والنفي والاضطهاد، أو أننا بحاجة لمعجزة إلهية تعقّل شيعة بلادنا وسنتها لنبني أوطاناً حرة مستقلة لا قبائل تتحارب على قضايا لم يبق من جثامين أصحابها الأساس إلا التراب.


التعليقات

التعليقات

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/gCO6w