في زيارة هي الأولى.. أهالي ريف ديرالزور يطوفون حول قبور أحبابهم

عدي العبدالله

ليست مرارة الموت وحدها التي تصدم عند التجوال في مقابر ريف #ديرالزور الشرقي، بل مرارة قصص الموت التي حدثت لأهالي المنطقة على يد تنظيم الدولة الإسلامية (#داعش) في السنوات الست الماضية، حيث أعدم الآلاف منهم بطرق مختلفة وبشعة، وأغلبيتهم بات مصيرهم مجهولاً بعد أن تعمد التنظيم إخفاء مصير الجثث.

هذا أول عيد يأخذ فيه الأهالي الذين عادوا لمناطقهم بعد رحلة نزوح طويلة، حريتهم في زيارة المقابر، فالتنظيم منع الأهالي من زيارتها في العيد أثناء تواجده في المنطقة مثلما منع طقوسا أخرى كان يراها بدعة، كما لا توجد عائلة زارت المقابر إلا ولديها فقيد بسبب الحرب والعمليات العسكرية أو قتل على يد التنظيم.

في مقبرة الميادين الواقعة في بادية المدينة يجلس سعيد وزوجته قرب قبر ابنهما الوحيد ذو التسعة أعوام، صباح يوم العيد، يذرفان دموعهما على فراقه.

يقول سعيد العلي (من سكان مدينة الميادين) لموقع الحل إن “هذا أول عيد لم أشتر له ملابس العيد ولم يأتي إلي صباحا ليقبلني ويعايدني ويطالبني بمبلغ العيدية، فقد اختطفته شظية صاروخ من إحدى طائرات النظام سقط بالقرب منزلنا الكائن بالقرب من المشفى النسائي القديم ، في شهر شباط (فبراير) من العام الماضي”.

يحمل سعيد صورة ابنه قائلا “أتمنى أن أنزل معه للقبر الآن واحتضنه وأسمع منه أي كلمة، أتمنى اصطحابه معي للأراجيح واشتري له العصير والبسكويت والألعاب”.

أما والدته فلا تستطيع التحدث من البكاء سوى مخاطبة القبر وهي ترمي التراب فوقه كمن يغطي طفله بفراش وتقول له: “لماذا تركتنا؟ أريدك تعايدني وتحتضني، حياتي بعدك لا طعم لها”.

وتضيف “ألم تعدني بعد التخلص من داعش بالالتحاق بالمدرسة وأن تفرحني بنجاحك؟”.

وفي مكان آخر في المقبرة، تجلس عائلة سالم تقرأ سورة الفاتحة وتدعو له بالرحمة، أتوا له بطفلته التي لم يرها، يقول والده “سالم مواليد 1993 يعمل حلاقاً في المدينة، وقبل عامين اعتقل على يد أمنيي التنظيم من داخل محله، ولم نعرف السبب بالرغم من مراجعتنا لهم لمعرفة مصير ابننا”.

وروى الرجل أنه وبعد 10 أيام جاءهم أمر من التنظيم لمراجعة مقر المحكمة الإسلامية. “راجعناهم فأخبرونا بأن ابننا كان عنصراً سابقا بالجيش الحر ولم يقم بعمل دورة استتابة ولم يبين لنا ذلك، حيث تم تنفذ حكم الإعدام بحقه لأنه ثبت تعامله مع فصائل الحر”.

عندما سأل أبو سالم “بأي حق تقتلونه وتسلبونه حياته فهو شاب متزوج حديثا ويتمتم طفلة لم تولد بعد؟” صرخ أحد عناصر التنظيم بوجهه: اسكت يا (أبو المرتد).

أجبره أقاربه على ترك المبنى خوفا من اعتقاله من قبل عناصر التنظيم، والتوجه إلى مقر الحسبة لاستلام الجثة التي علّمت عليها رصاصات في الرأس والصدر. “فدفناه، وهذا أول عيد نتمكن من زيارته لأن التنظيم كان يمنع زيارة المقابر في العيد”.

ليس بعيدا عن هذا المكان، تجلس أربعة نسوة حول قبر يبكين بهدوء، لم يكن الاستماع إلى قصتهن أمرا سهلا.

قالت إحداهن “هذا شقيقنا الوحيد وهذه زوجته معنا قتله التنظيم بتهمة العمل في سلك النظام في منتصف 2016، حيث أن التنظيم يقوم برمي الجثث المرتدين بحسب زعمه وشرعييه ولا يسمح بدفنها في المقابر، إلا أن أقرباءنا عثروا على جثته ملقية بالقرب من قلعة الرحبة بعد أيام من إعدامه، حيث قاموا بنقلها سرا ودفنها في المقبرة بدون دراية التنظيم الذي يعاقب بالقتل على مثل تلك الأفعال، وعند سؤالنا عن وضع الجثة، أخبرنا أحدهم ان الجثة بلا رأس فقد تم نحره”.

وفي المقبرة ذاتها، شواهد لسبعة قبور حديثة حيث التراب يحكي قصة مظلومية أصحاب القبور.

توقفت سيارة ترجلت منها عائلة يحملون عبوات بلاستيكية فيها ماء (وهي عادة عند أهالي المنطقة حيث يرشون الماء لتبريد القبر على الميت).

على القبور وقف رجل كبير وطاعن في السن متكئ على عكاز. وعند سؤاله عن قصة هذه الشواهد الحديثة، رد الرجل “هذه ابنتي وزوجها وشقيق زوجها وأطفالهم.”

قتلت العائلة في مطلع العام الماضي بانهيار منزلهم عليهم في المدينة، ضريبة الحرب التي يقودها العالم بحجة القضاء على الإرهاب في المنطقة حيث دفعنا نحن أهالي المنطقة ثمنها من أبنائنا ودمائنا وأموالنا وحتى تاريخنا وحضارتنا.

رجا سليم

رجا سليم

صحفية سورية، معدّة برامج ومحتوى وثائقي، مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع.