مونيتور: تركيا وإيران في مواجهة النفوذ الأمريكي شرق الفرات

نشر موقع مونيتور مقالاً تحليلياً تناول الخيارات الصعبة أمام تركيا التي تواجه اليوم معضلة جديدة في سوريا. فبينما تولي اهتماماً رئيسياً للمناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية SDF، بسبب صلات الأخيرة بحزب العمال الكردستاني PKK، كان من الأولى بها إعطاء الأهمية لـ إدلب بسبب الهجوم المرتقب على المحافظة، الأمر الذي يمكن أن يعرّض حضور أنقرة للخطر في شمال سوريا.
حيث يبين المقال الأسباب التي قدمتها تركيا من أجل عملية “درع الفرات” في الفترة الواقعة بين العامين 2016 – 2017 كانت معقولة لتعلقها بالأمن القومي، لكن تركيزها الحالي على إدلب هو أمر يصعب ترويجه خاصة لشركائها الإيرانيين والروس على مسار أستانا. وبسبب افتقار تركيا إلى الدعم الإقليمي في سوريا لتحقيق أهدافها في كل من إدلب وفيما يتعلق بقوات سوريا الديمقراطية، فمن المرجّح أن تتورط تركيا فيما يشتت تركيزها على اهتماماتها الرئيسية وهي الوضع شرق الفرات.

إن اتفاق سوتشي الموقع في 17 أيلول الماضي، والذي ردع عملية تلوح على أرض إدلب، ليست إلا تأجيل مؤقت للعملية. ولجعله تأجيل دائم يجب على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن ينهي تنفيذ الصفقة التركية وهي المساعدة في إنشاء منطقة منزوعة السلاح المتفق عليها، ونزع سلاح حلفائها من المجموعات المسلحة للتخلص من الإرهابيين، وفتح الطرق السريعة للنقل التجاري بحلول نهاية العام. وبحسب المقال، فإن إجبار المجموعات الفدائية على نزع سلاحها مثل “هيئة تحرير الشام” و “منظمة حرّاس الدين” و”الحزب الإسلامي التركستاني” هو مهمة صعبة.

من جهة أخرى، فإن إيران تولي الأهمية للضغط على الولايات المتحدة شرق الفرات. فهدف طهران هو استعادة الوضع الراهن في إدلب – تحت تأثير تركيا – وكذلك في شمال شرق سوريا، حيث تتمركز القوات الأمريكية. وتكراراً لالتزام إيران بسوريا الموحدة قال الرئيس حسن روحاني، في السابع من أيلول في قمة طهران التي جمعته بنظرائه الأتراك والروس: “نحتاج أن نحلّ المعضلة شرق الفرات وإجبار أمريكا على الخروج منها”.

وفي وقت سابق من هذا العام صرّح مستشار السياسة الخارجية للمرشد الأعلى الإيراني علي أكبر ولايتي بأن قوات محور المقاومة لن تسمح بالازدياد التدريجي لوجود الولايات المتحدة شرق الفرات! مضيفاً بأنه عاجلاً أم آجلاً سوف يخرج الأمريكان بالقوة. وبالاستناد إلى هذه المعطيات، فإن التقدم الاستراتيجي للتعاون الإيراني التركي في سوريا لم يسبق له مثيل. ففي العام 2016، تغيّر الموقف التركي من الإصرار على تغيير النظام في دمشق إلى توحيد المصالح مع إيران بهدف منع قيام أي كيان كردي. وبحسب المونيتور، فإن هذا التحول في موقف تركيا شجّع على حدوث تغيير في موقف طهران تجاه أنقرة, مما أدى إلى إشراك تركيا في عملية أستانا.

وقد أسفر التحول الأول عن تعاون سياسي واسع النطاق أحدث تغيرات على التطورات على الأرض. أما المرحلة الثانية من سياسة إيران فإن نتائجها بدأت تتكشف الآن وهي استيعاب مخاوف تركيا الإستراتيجية في شمال سوريا.
من الناحية النظرية، فإن تحديد أولويات إيران في المناطق الواقعة شرق الفرات يجعلها تستوعب مخاوف تركيا الإستراتيجية في المنطقة الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. وفي الوقت الذي ترى فيه تركيا حزب الاتحاد الديمقراطي PYD كمنظمة إرهابية، ترى طهران أن حلفاء PYD الأمريكيين هم المسبب الأساسي لزعزعة الاستقرار. لكن بشكل عام تتقاطع أهداف كل من تركيا وإيران بالتركيز على المناطق الخاضعة لقوات الـ PYD. لذلك فمن المرجح أن تعمل الدولتان على أرضية مشتركة في شمال سوريا. وإن موقف تركيا المعادي للـ PYD مفيد لإيران وذلك لردع الولايات المتحدة بفاعلية. وعلى نحوٍ مماثل فإنه لا يمكن لتركيا أن تتجنب مواجهة سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في سوريا فيما يتعلق بدعمها لـ PYD، ولهذا فهي بحاجة إلى إيران ومحور المقاومة. الأمر الذي قد يؤدي في الواقع إلى زيادة الضغط على الولايات المتحدة شرق نهر الفرات. ففي 24 أيلول الماضي, صرّح مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون بأن الولايات المتحدة لن تغادر سوريا طالما أن القوات الإيرانية خارج حدود بلادها، مضيفاً أن ذلك يشمل وكلاء وميليشيات إيران في المنطقة. ومثل هذا الخطاب يؤكد أنه لا يمكن لتركيا الاعتماد على الدعم الأمريكي لاحتواء التهديد الذي يمثله PYD.

وعلى هذا النحو، فإن المرحلة الأخيرة من سياسة إيران في سوريا تستند إلى خيارات تركيا المتقلصة في شمال البلاد التي مزقتها الحرب. فمخاوف أنقرة من تزايد قوة الأكراد في المناطق التي يسيطر عليها الـ PYD باتت مفهومة جيداً في طهران. كما يدرك الإيرانيون أن تخفيف خطر الـ PYD يحمل أولوية أعلى من إدلب في حسابات الأمن القومي التركي. وبالتالي فإن دعم إيران لتركيا في التعامل مع مخاوفها من الـ PYD لا يمكن أن يأتي إلا بعد استعادة إدلب وضمها إلى باقي سورية. ومن خلال وضع هذا التسلسل الزمني، فإن إيران تتصدى لتحدٍ طفيف يمهد الطريق لتحدٍ أكبر وهو مصير منطقة شرق الفرات. وفي هذه المعادلة، لا يمكن لتركيا الاستمرار في سياستها القائمة على القضايا المجمّعة وجني ثمار أستانا. ففي الواقع، فإن خيارات أنقرة المتقلصة بين إدلب وشرق الفرات تشير إلى التحديات العملية لنهجها القائم اليوم. لذلك سيكون عليها أن تختار إما العمل مع الولايات المتحدة الداعمة للأكراد أو ارتباطها بمسار أستانا ومواصلة العمل مع إيران. الأمر الذي يضعها في مكان صعب في مواجهة الولايات المتحدة شرق الفرات.

ويختم موقع مونيتور مقاله بالقول إن كان اتفاق سوتشي يشير، في خطوطه الأولى، إلى إعادة توجيه تركيا في إدلب، فإنه يمكن أن يكون مناورة لكسب الوقت. فبعد أسبوع من إبرام الاتفاق مع نظيره الروسي في 17 أيلول الماضي، صرّح أردوغان بأن تركيا ستتخذ إجراءات شرق نهر الفرات في سوريا وستفرض مناطق آمنة كما فعلت في شمال غرب البلاد. الأمر الذي لاقى الترحيب الأكثر من قبل طهران. لكن هناك اختلافات كبيرة بين إدلب وشرق الفرات, حيث تتمركز القوات الأمريكية وقد يكون ذلك محاولة من تركيا للتغلب على إيران وحلفائها في إدلب من خلال إعادتهم إلى السياسة التركية هناك على وعد أن تتعاون تركيا مع محور المقاومة شرق الفرات. غير أن عمل محور المقاومة مع تركيا لا يمكن أن يتحقق إلا بموجب اتفاق سوتشي.

وفي النهاية فقد أيدت كل من إيران وحزب الله والنظام السوري اتفاق سوتشي لإعطاء تركيا المزيد من الوقت لحل الأزمة في إدلب بسلام. ولكن لا يمكن أن يعتبر هذا، بأي حال من الأحوال، قبولاً للوجود التركي المستمر في المنطقة. وللتأكيد على هذه النقطة، ستواصل إيران تذكير أنقرة بأن الوضع الراهب في إدلب غير قابل للاستمرار، وأن المواقع الأمامية للوجود التركي هناك هي جزء من قرار توافقي في عملية أستانا. وبالتالي ستفقد قيمتها الأساسية إذا ما تراجعت تركيا عن موقفها والتزاماتها. ويمكن أن يتطور هذا الأمر إلى مواجهة عسكرية في إدلب والمناطق المحيطة بها والتي يعتبر محور المقاومة أكثر خبرة بها. وفي الوقت الحالي، يبدو أن إيران ومحور المقاومة متفائلان بشأن التعاون مع تركيا في شمال سوريا، شريطة أن تقدر تركيا الصلة بين إدلب ومصير منطقة شرق الفرات. وإذا لم يحدث ذلك, فإن النهج الأكثر تكلفة ينتظر الطرفين في شمال سوريا.



مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/2QI6q