بين أفيخاي أدرعي ونصر الله.. من الصادق؟

رجا أمين

أمسى ضابط جيش العدو أفيخاي أدرعي شخصية إشكالية على مواقع التواصل الاجتماعي، فهو لا ينفك يخاطب الجمهور العربي بخطاب من الصعب إنكار ذكائه، فيستخدم لإيصال رسالته التي تخدم مصالح العدو والبروباغندا الخاصة به أمثالاً عربية وأغان لأم كلثوم، ويظهر متابعاً لمسلسل باب الحارة دون أن ينسى الاستشهاد في المناسبات والأعياد الدينية بالقرآن والأحاديث النبوية.

لكن أدرعي في 27 أيلول 2018 فجر عبر تويتر مفاجأة جديدة، إذ أعلن بالعناوين والصور عن مواقع تابعة لحزب الله لتطوير الصواريخ وتحسين دقة إصابتها ومستودعات لتخزينها في مناطق مختلفة من ضاحية #بيروت الجنوبية، منها مواقع قرب مطار رفيق الحريري الدولي.

هذه المفاجأة استجلبت بعد أيام رداً من حليف الحزب وممثل الديبلوماسية اللبنانية صهر الرئيس ميشال عون أي وزير الخارجية جبران باسيل، الذي اصطحب ديبلوماسيين وإعلاميين في رحلة إلى المواقع التي أعلن عنها أدرعي، ليقول أن كلام المتحدث الإسرائيلي لا أساس له وهدفه التهويل وتبرير الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان. ولكن شريطاً مصوراً ظهر على وسائل التواصل الاجتماعي يسمع فيه صوت صحفي شجاع يخاطب الوزير بصوت عال قائلاً أن زيارة الموقع الذي تظهره الكاميرا لا يعني شيئاً فهم لم يدخلوا المبنى المغلق ليروا ما في داخله، بينما حاول الوزير التصرف وطلب فتح المبنى وقد بدا عليه بعض الإرتباك. على أي حال من غير المتوقع أن تنظم زيارة كهذه دون أن يكون الحزب قد نظف مسرحها وحضّره بعناية.

ما هي إلا أسابيع وقد عاد أدرعي ليعلن في 22 تشرين الأول 2018 بالصور والشرح عن مواقع لحزب الله على طول الخط الأزرق متخفية تحت اسم جمعية بيئية اسمها “أخضر بلا حدود” تقول أنها تعنى بالغطاء النباتي والطيور المهاجرة، بينما أظهرت صور أدرعي عناصر بلباس شبه عسكري يصوبون مناظيرهم صوب الحدود. علماً أن الوجود المسلح لحزب الله في المنقطة الواقعة بين نهر الليطاني والحدود اللبنانية الإسرائيلية ممنوع بموجب الإتفاق الذي انتهت به حرب تموز 2006.

تبدو جدية موظفي “أخضر بلا حدود” المزعومين وأعدادهم التي تبدو كثيرة، والمسخرين بحسب الرواية الرسمية لخدمة البيئة ومراقبة الطيور، عصية على التصديق في بلد تنتهك الدولة البيئة فيه يومياً برمي القمامة في البحر وحرق بعضها الآخر والسماح بانتشار الكسارات والصيد العشوائي… إلخ

بالسؤال أكثر عن حقيقة ما يدعيه أدرعي بحق حزب الله، يبقى احتمال كذب المتحدث قائماً، فهذا ليس غريباً في مثل هذه الحالات، ولا من جهة كالتي يمثلها أدرعي، ولكن الكلام منذ حرب 2006 على أقل تقدير عن احتماء مقاتلي الحزب بالتجمعات المدنية، وإطلاقهم الصواريخ من ساحات المنازل القروية وبساتينها لا يثير استغراب أحد أو استنكاره من سكان الجنوب على اختلاف توجهاتهم، فهذه حقيقة يعرفونها جميعاً وكثيرون ممن بقوا في الجنوب خلال الحرب الأخيرة شاهدوا بأم أعينهم ممارسات مقاتلي الحزب التي استجلبت رداً إسرائيلياً على مصادر الصواريخ والنيران دمر البيوت وخرب أملاك المدنيين.

حرب تموز 2006 المسماة من قبل الحزب بالنصر الإلهي قامت عن طريق الخطأ المتمثل بخطف مقاتلي حزب الله جنديين إسرائيليين ماتا أثناء العملية، وهو خطأ قال نصر الله عنه لاحقاً جملته الشهيرة “لو كنت أعلم” التي أفاد بعدها أنه لو عرف أن العملية ستؤدي إلى حرب لما أمر بتنفيذها، والحرب على أية حال انتهت بتدمير بنى تحتية واسعة في لبنان وسقوط مئات القتلى وألوف الجرحى وتوقيع اتفاق يمنع حزب الله من التواجد بمقاتليه وأسلحته جنوب الليطاني، هذا هو ما سمي بالنصر الإلهي.

طيلة الفترة التالية للحرب حاول الحزب بمختلف الطرق تجديد مستودعات أسلحته وتحصيناته وأنفاقه وتواجد مقاتليه في منطقة جنوب الليطاني المحظورة عليه بشتى الطرق. يكفي مراجعة تقارير دوريات قوات اليونيفل والحوادث التي جرت معها، فهي توضح كيف يمنع أهالي هذه المنطقة أو تلك “فجأة وعلى نحو عفوي” مرور عربات دوريات اليونيفل ليصلوا تلك المنطقة أو تلك، فيدفعون بالنساء إلى المقدمة عارفين أن جنود اليونيفل يدركون الحساسيات المحلية والبيئة المحافظ التي يعملون فيها، ما يجبرهم على الانسحاب دون تنفيذ دوريتهم وتفقد المنطقة التي منعهم الأهالي من الوصول إليها.

الاحتماء بالمدنيين يؤمن للحزب عدة منافع: فهو يمنع دوريات اليونيفل المكلفة بمراقبة خلو المنطقة من السلاح من الوصول إلى مواقع الحزب حين يلزم الأمر، ويسمح بسرعة تحضير الرمايات وتنفيذها خلال أيام الحرب، ويدفع إسرائيل التي تخشى رد فعل عالمي على جرائمها إلى التفكير مرتين قبل قصف تجمع مدني خرجت منه نيران الحزب، وأخيراً، في حال رد الإسرائيليون على مصادر النيران يمكن لإعلام الحزب إتهام إسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وقصف المدنيين العزل بدون سبب.

وعليه، من المرجح أن كلام أدرعي صحيح، وأن حزب الله يخزن صواريخه ويطورها بين المدنيين، ليس فقط في جنوب لبنان، بل حتى في العاصمة بيروت وعلى بعد 500 متر من مدرج مطارها. هذا الكلام يأتي مترافقاً أولاً مع توقف الغارات الإسرائيلية على سوريا لقصف مواقع إيرانية ومنع نقل أسلحة نوعية إلى حزب الله، وثانياً مع كلام عن تسليم إيران للحزب نظام توجيه GPS للصواريخ يحسن كثيراً من دقة الصواريخ وفاعليتها.

إسرائيل التي تراقب عن كثب وبقلق تطور قدرات حزب الله والتواجد الإيراني في سوريا، تحسب حساب قدرات حزب الله ولكنها تعلم أن القوة هي السبيل الوحيد في وجه هذه القدرات التي بلغت اليوم أعلى درجاتها، ومن هنا، الحرب المقبلة ستكون مختلفة عن الحروب التي سبقتها، دون أن ننسى أن الإسرائيليين قد صرحوا أن كل لبنان معني بأي حرب مقبلة، وليس الحزب فقط، فالسلطة في البلاد باتت بيد الحزب ولا يمكن فصل الدولة عن الحزب وميليشياته بعد الآن.


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/9DZka