العقوبات على إيران تؤخر تشكيل الحكومة اللبنانية .. وتحالفات جديدة تطفو على السطح

رجا أمين – بيروت

انتهت الانتخابات النيابية اللبنانية منذ قرابة 6 أشهر، وهي كانت قد خيضت على أساس قانون جديد أفرز نتائج محسوبة سلفاً، فتثبتت مكانة الثنائية الشيعية المكونة من حزب الله وحركة أمل، رغم كل الكلام الإعلامي السابق عن تبدل في أهواء الشارع الشيعي. وتراجع تيار المستقبل والتيار الوطني الحر رغم التحالفات الانتخابية المصلحية التي التزموا بها، بينما حافظ الحزب التقدمي الاشتراكي على وزنه وتقدمت القوات اللبنانية تقدماً ملحوظاً.

أفرزت الاستشارات النيابية تكليف سعد الحريري بتشكيل الحكومة، فبدأ العمل على التأليف في موازاة مسار إنقاذ اقتصادي انطلق رسمياً في مؤتمر سيدر في باريس، فقدمت فيه الدول المانحة والصديقة إلى #لبنان الذي يكاد ينهار اقتصادياً أكثر من 11 مليار دولار على شكل منح وهبات وقروض ميسرة ومساعدات، ولكن المسار الإقتصادي الإنقاذي يحول دونه تشكيل الحكومة التي لم تبصر النور حتى تاريخ كتابة هذه السطور!

كان واضحاً منذ بداية عملية التشكيل الاتفاق على تشكيل حكومة توافقية تشمل الأغلبية الساحقة من الأحزاب والتيارات اللبنانية، وبالتالي انتفاء وجود المعارضة، فالكتل البرلمانية ستكون كلها تقريباً ممثلة في الحكومة، فلا معارضة ولا من يعارضون.

اعترض تشكيل الحكومة عقبات عديدة تختص بأعداد الوزراء لكل كتلة نيابية، وتوزيع هذه الوزارات التي قسمت إلى سيادية كالخارجية والداخلية والدفاع، وخدماتية كالعمل والصحة والأشغال العامة… فكانت أولاً معضلة كتلة وزارية لرئيس الجمهورية التي أصر الرئيس ميشال عون عليها، رغم أنه كان قد أنكرها على سلفه ميشال سليمان في تصريحات علنية مسجلة، وعلى الرغم أيضاً من أنه يستند إلى كتلة نيابية كبيرة تتمثل في كتلة التيار الوطني الحر الذي كان يرأسه قبل توليه رئاسة الجمهورية، وكان الحل بقبول حصول الرئيس على وزراء يسميهم هو.

ثم كانت مشكلة التمثيل الدرزي إذ أصرت أطراف سبق وأن مثلت 8 آذار على توزير درزي من خارج إرادة جنبلاط هو طلال أرسلان، ليتم ضرب تمثيل جنبلاط الرئيسي للدروز، وهو الأمر الذي أبدى فيه جنبلاط تصلباً. ويبدو أن الحال سيكون في تسمية أرسلان وزيراً من حصة رئيس الجمهورية دون المساس بحصة جنبلاط الدرزية.

ثم كانت معركة تمثيل القوات اللبنانية التي رأى التيار الوطني الحر في تزايد عدد نوابها وحسن أداء وزرائها خطراً يهدده على الساحة المسيحية التي يتصدرها، فاتخذ قرار تحجيمها ولو خلافاً لنتائج الانتخابات، ورست حصة القوات بعد الكثير من الشد والجذب، والتهديد بحكومة من دون القوات على 3 وزراء دون أي حقيبة سيادية، بدل 5 وزارات إحداهن سيادية كما كانوا يطالبون.

هنا جرى الاعتقاد أن تشكيل الحكومة قد انتهى فعلياً ولم يبق إلا الشكل، بل صدرت تصريحات رسمية بذلك، ليخرج حزب الله مفاجئاً الجميع حاملاً لواء الدفاع عن “السنة المستقلين” التي كانت مشكلة تمثيلهم مطروحة نظرياً، ولكنها خارج البحث عملياً بسبب موقف الرئيس المكلف سعد الحريري منها، وبسبب عدم قدرة هؤلاء النواب –قبل تدخل حزب الله- على اجبار الرئيس المكلف على تمثيلهم.

السنة المستقلون هم 6 نواب من سنة لا ينتمون إلى تيار المستقبل وخطه السياسي ومقربون من سوريا، سبق وأن شاركوا في الاستشارات النيابية السابقة للتكليف كلٌ مع كتلته التي ترشح معها، وليس ككتلة واحد تجمعهم، ثم عادوا ليجتمعوا دون إنذار في كتلة جديدة الهدف منها إضعاف التمثيل السني لسعد الحريري، فقد خرج أمين حزب الله في خطاب مؤخراً بلهجة تهديدية ووعيد غير معتاد منه، وأوضح أن تشكيل الحكومة لن يتم دون توزير أحدهم.

الحريري رد بمزيد من التشبث بموقفه برفض توزير واحد من السنة المستقلين ودخل وزير الخارجية رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل على خط التهدئة والوساطة ولم تثمر الجهود حتى اللحظة في حلحلة المشكلة.

إصرار حزب الله على وزير من السنة المستقلين، وخطاب حسن نصر الله عالي النبرة يسلط الضوء بحسب مراقبين على عدة نقاط:

أولاً، التأكيد على أن سلطة حزب الله هي السلطة الأعلى في البلاد، فبدون موافقة حسن نصر الله لن تشكل الحكومة ولو انتظر اللبنانيون “إلى يوم القيامة” على حد تعبيره في الخطاب. إذ يمكن للأحزاب اللبنانية والتيارات اللبنانية أن تمضي وقتها في حلحلة مشاكل التأليف وتوزيع الحصص والوزارات، ولكن الكلمة العليا والأخيرة ستبقى لحسن نصر الله الحاكم الفعلي للبلاد.

ثانياً، منذ انتخاب ميشال عون رئيساً فأزمة “اختطاف” سعد الحريري في السعودية وموقف عون مما حصل، يبدو أن التنسيق أمسى عالي المستوى وأكثر استقراراً بين سعد الحريري وميشال عون وإلى جانبه جبران باسيل، وربما يراهن الحريري على إبعاد الكتلة المسيحية التي يمثلها التيار الوطني الحر عن حزب الله مع مرور الوقت. هذا التنسيق الثنائي السني المسيحي بات يرسي بنظر حزب الله معادلة ثنائية لحكم البلاد لم يرض عنها، وهذا يؤشر في مكان ما على عدم ثقة الحزب بحليفه العوني تمام الثقة، خاصة مع تقدم عون في العمر وانتقال مسؤولية تياره إلى جبران باسيل الذي يبدو أقل تشبثاً –ولو بقليل- بهذه الشراكة من عمه.

ثالثاً، الإصرار على الحصول على ما يسمى بـ “الثلث المعطل” في مجلس الوزراء من قبل الحزب وحلفاءه ولو دون الاستعانة بوزراء التيار الوطني الحر، هذه الثلث المعطل يمكنه منع تمرير أي قرار بالتصويت ضده، وبالتالي تمسي الحكومة مشلولة في كل مرة يرغب فيها حزب الله شلها وتعطيل عملها.

رابعاً، وربما هي النقطة الأهم، أن حزب الله الذي لطالما اتهم منافسيه بتلقي أوامر خارجية لتأخير تشكيل الحكومة، لا يبدو هو بدوره اليوم مستعجلاً في تسهيل تشكيلها، فمع بدء العقوبات الأميركية الجديدة على إيران، يرجح أن الحزب أدخل عرقلة تشكيل الحكومة في لبنان كورقة تفاوضية بيد الإيرانيين الذي يريديون تحقيق مكاسب في وجه العقوبات مقابل أمرهم الحزب بتسهيل تشكيل هذه الحكومة التي ينتظرها المانحون الغربيون لتنفيذ إلتزاماتهم المالية التي قطعوها على أنفسهم في مؤتمر سيدر.