بغداد 20°C
دمشق 23°C
الأحد 25 أكتوبر 2020

باسم الدين والمقاومة .. عين حزب الله على محلات الخمور في لبنان


رجا أمين

تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في #لبنان خلال الأسابيع الماضية اسم الشيخ زكريا جبارة من مسقط رأس أمين عام حزب الله حسن نصرالله في قرية البازورية من قضاء صور، الذي ظهر في مقطع فيديو على موقع فيسبوك يهدد طالباً إغلاق محل بيع للخمور في القرية، وإلا فالويل والثبور وعظائم الأمور.

الشيخ جبارة انتقد في الفيديو أهالي القرية الذين يدينون بالإسلام، ويسكتون على وجود محل لبيع الخمور، نازعاً عنهم صفة الرجولة، ومتهماً #حركة_أمل التي ينتمي إليها رئيس البلدية بالسكوت عن هذه “النجاسة”، وعن استعداد #حزب_الله في المقابل  للتحرك ضدها لو أنه يجد شريكاً له في أي فعل أو تحرك على هذا الصعيد.

اتهم الشيخ جبارة أيضاً صاحب المحل ذو الخلفية الشيوعية ببيع الخمور للقاصرين والأطفال وهو الأمر الذي نفاه مصدر في القرية، مؤكداً أن لو كان الإتهام صحيحاً لما سكتت القوى الأمنية عنه، خاصة مع انتشار فيديو الشيخ جبارة.

على أي حال تضمن الفيديو تهديداً واضحاً بالقتل وسفك الدم في سبيل الدين بحسب ما يراه الشيخ الغاضب، ولكن صاحب المحل المعني أحمد شهاب لم يخف أو يتراجع، فرفع قضية ضد الشيخ، ومن تلك اللحظة سارت الأمور على الطريقة اللبنانية، فكانت تدخلات سياسية حالت دون سلوك القضية مجراها القانوني، ودفعت الشيخ إلى اصدار شبه اعتذار لتطوى صفحة محل الخمور في البازورية حتى إشعار آخر.

سكان جنوب لبنان ليسوا شيعة فقط، فهناك المسيحيون والمسلمون السنة والموحدون الدروز، وحتى الشيعة في جنوب لبنان وفي البقاع حيث تجمعاتهم الرئيسية، ليسوا على قلب واحد ولون واحد ولو سيطر حزب أو حزبين سياسيين اليوم على مجمل حراكهم السياسي، فالأحزاب القومية والشيوعية واليسار عموماً له تاريخ طويل بين أبناء الطائفة الشيعية في لبنان، والحالة اليسارية في هذا المجتمع ولو تراجعت بمرور الأيام إلا أن أثراً واضحاً لها ما زال ملموساً، خاصة على صعيد العادات والممارسات وطرق التفكير.

من هنا يمكن فهم التنوع الداخلي في المجتمع الشيعي الذي بعد أن اغتال حزب الله في بداياته أهم مثقفي وناشطي المقاومة اللبنانية في هذا المجتمع ليحل مكانها، يتجنب اليوم الاصطدام غير الضروري مع أبنائه، ويمارس سياسة “ضربة على الحافر وضربة على المسمار” مطبقاً ما يريد رويداً رويداً دون اصطداماتٍ كبيرة وانقسمات في بيئته الحاضنة.

حادثة البازورية لم تكن الأولى في مناطق سيطرة حزب الله في جنوب لبنان، فقبل سنوات شهدت مدينة النبطية تحركاً مماثلاً لمنع بيع المشروبات الروحية، الأمر الذي أثار السخرية في مدينة لا يخفي أكثرمن نصف أعضاء بلديتها أنهم يشربون الخمر في المناسبات.

وقبل عامين أيضاً شهدت بلدة كفررمان صراعاً كبيراً بسبب محلات بيع الخمور فيها، وتوجه بعض رجال الدين الشيعة إلى جمع تواقيع أهل البلدة (2500 توقيع تقريباً من أصل 18000 نسمة) لإغلاق هذه المحلات بذريعة ضررها، مستغلين الضغط الاجتماعي، والاستناد إلى نفوذ حزب الله، وكأن لا دولة ولا قانون يحكمان البلد.

محلات عديدة في قرى مختلفة من جنوب لبنان، بعضها قرى مسيحية حتى، تلقى أصحابها مكالمات تهديدية مجهولة المصدر، وألقي على محلاتهم أصابع ديناميت أو قنابل يدوية، في محاولة لترهيب أصحابها ودفعهم للإغلاق خوفاً على حياتهم. ويسود بين أهالي القرى المعنية اعتقاد مفاده أن أحداً لن يقدم على مثل هذه الأفعال إن لم يشعر على الأقل أنه مغطى من قبل حزب الله أو حركة أمل.

تصرفات وظواهر أخرى تكشف الجانب الآخر للحزب في بيئته الأصلية، فمرة تجري محاولات لإغلاق مقاهي إنترنت مختلطة، وتارة تحرم الفتيات من المشاركة في حدث رياضي محلي يعتمد على الركض أو الهرولة…

لا يمكن لأحد أن يقبل بتجاوز محلات الخمور حدودها، كأن تبيع المشروبات للقاصرين أو تبيح الشرب في أماكن عامة، ولكن القضية ليست كذلك، بل هي في فرض وجهة نظر أحادية على جمهور متنوع، أي أن الحزب وجمهوره من خلفه يقرر، وعلى باقي الأهالي الإلتزام والتنفيذ. يجري هذا بينما يملأ مناصرو حزب الله مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام صراخاً أن الحزب بذهابه إلى سوريا منع داعش من أن تحتل بيروت، وأن الحزب قد أشبع اللبنانيين بمقاومته وشهدائه كرامة وشرفاً… إلخ

بالعودة إلى قرية البازورية، قال الشيخ زكريا جبارة في شبه اعتذاره، محاولاً التمييز بين داعش وسلوكه، أن “داعش هي التي تريد فرض حريتها على الآخرين، أما هو (أي الشيخ) فيحاول فقط فرض شرع الله ودينه وليس حريته الشخصية”. ولكن، أليست داعش أيضاً أردات أن تفرض شرع الله كما رأته وفهمته؟ صحيح أن رؤية داعش وفهمها لـ “شرع الله” فاسدان، ولكن “من قال أن رؤية وفهم الشيخ جبارة وحزب الله لهذا الشرع يختلفان عما كان لدى داعش؟”. سؤال لا يخفى عن أذهان معارضي الحزب في لبنان.


التعليقات