على وقع الخوف من النزوح وضبابية المستقبل .. أصوات من شرق الفرات

جوان علي- القامشلي

 

بعد إعلان الانسحاب الأمريكي.. عودة النظام لشرق الفرات ليست أفضل من التدخل التركي بل “أقل كارثية”

تختلف ردود أفعال الناس في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية تجاه التهديدات التركية باجتياح المنطقة، إلا أن ما يجمعها هو الشعور بجديتها وتصاعد القلق بعد إعلان الرئيس الأمريكي انسحاب قوات بلاده من سوريا.

لكن مع صدور تأكيدات من الإدارة الذاتية حول عودتها إلى الحوار مع النظام، بات الناس يطرحون تساؤلاتهم ومخاوفهم حول احتمالية عودة الأخير إلى السيطرة على مناطق شرق الفرات، في ظل عدم وجود “مواقف جدية” من الدول الرئيسية في التحالف الدولي تجاه تقديم دعم سياسي للإدارة الذاتية.

الانسحاب الأمريكي ..”صدمة”

في القامشلي التي لم تتوقف فيها حركة الأسواق رغم التهديدات التركية، ذلك أن “سعر صرف الدولار لم يهتز مطلقا”، وفق ما يؤكده شيروان أحمد (صاحب محل صرافة في المدينة)، إلا أنه يقر بأن “إعلان الانسحاب الأمريكي، أدى إلى شللًّ في الحركة لعدة أيام، وهو ما عكس صدمة لدى الناس، لكون الإعلان أكسب التهديدات جديةً، وأعاد للأذهان ما حدث في #عفرين، وما جرت من اتفاقيات دولية تحت الطاولة، أدت إلى بيعها للأتراك”، وفق تعبيره.

“رغم أن مخاوف الناس تبدو مشروعة، لكن لم تصل بعد إلى دفعها للتفكير بالهجرة أو الاستعداد للنزوح” وفق ما يراه سرخوش محمد (صاحب محل زيوت في حي الصناعة)، والذي يلفت إلى أن “حي الصناعة الذي تحسنت في الحركة عقب هطول أمطار غزيرة مؤخراً، انخفض فيه النشاط بشكل لافت عقب إعلان الانسحاب الامريكي”.

 

عين عيسى ..”خشية من نزوح جديد بعد سنين من الاستقرار”

بالانتقال 240 كم إلى الغرب حيث بلدة عين عيسى التابعة أيضاً للإجارة الذاتية، لا يبدو حال الناس فيها مختلفاً مقارنة بالقامشلي، حيث “يخشى الناس من تدهور الأوضاع فجأة، خاصة بعد عودة الاستقرار إليها بعد 3 سنوات على إخراج داعش” وفق ما يذهب سليمان حسين (صاحب محل خضار) ذلك أن “الأمان متوفر والخدمات متحسنة بشكل كبير، لذا قد يؤدي أي تدخل تركي إلى عودة الأمور إلى نقطة الصفر”. وفق تعبيره

وكانت المدينة قد شهدت خلال الأسبوع الماضي لقاء بين قيادات عسكرية من التحالف الدولي مع المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية، قدم فيه التحالف “ما يشبه الاعتذار والتبرير على أن الانسحاب جاء بقرار مفاجئ من الرئيس الأمريكي، و في شكل يخالف رغبتهم”، وفقما أكدته مصادر من الإدارة (فضلت عدم الكشف عن اسمها).

أما سلمان يوسف، الذي يقف مع مجموعة عمال في أحد شوارع المدينة منتظرين فرصة عمل، فيقول لموقع الحل ” نخشى من عودة الحرب.. تعبنا منها طويلاً”،  مؤكداً أن “هاجس النزوح، هو أكثر ما يخيف الناس بعد توفر الأمن والاستقرار، أن خيرونا سنرضى بالغلاء وقلة العمل على النزوح مجدداً”.

بينما يضيف زميله حسن العايد  “كعامل بالأجرة اليومية وضعنا سيء للغاية، وغالبا ما نحصل على 500 ليرة لا تكفي لشيء، لذا فأمثالنا  لن يحتملوا يوم نزوح واحد. وضعنا سيئ حالياً، وما نخشاه في حال نشوب حرب أن يسوء أكثر”.

كوباني (عين العرب) “التهديدات لم تتوقف يوما”

إلى الشمال من عين عيسى حيث كوباني التي تبعد 85 كيلومترا على الحدود مع تركيا، يتحدث بعض السكان عن اعتيادهم على التهديدات التركية واستعدادهم للمواجهات في حال الاجتياح، ويجدون خيار النزوح أو ترك المدينة صعبا، خاصة وأن المناطق المحيطة مليئة بمخيمات النزوح.

ويقول أحمد عبدالرحمن من قرية بوطان شرقي بريف كوباني “ما عسانا أن نفعل مع هذه التهديدات التي لم تتوقف منذ سنوات، ليس لنا إلا أن نبقى في بيوتنا ومنازلنا، وليحدث ما يحدث”.

ويعبر أحمد عن خيبته  من “الصمت الدولي الذي يبعث على القلق”، ويوضح أن التهديدات التركية والانسحاب الأمريكي أديا حتى الآن إلى “تجميد الحركة في كوباني إذ أن الناس لم تعد تعرف ماذا تفعل، ومن كان لديه مشروع أو عمل بات مرتبكاً ولا يعلم ما إذا كان سيكمله أو لا”، وفق أحمد.

رأس العين.. (نزوح جزئي)

في رأس العين (سري كانيه) أمضى الناس أيامهم الأخيرة بشكل اعتيادي، حيث احتفل كثيرون برأس السنة، رغم أنها شهدت قبل ذلك نزوح عائلات من حيي الخرابات والمحطة الملاصقين للحدود إلى الريف وإلى مدينة الحسكة، وذلك بعد بدء مجموعات من الوحدات الاستعدادات لمواجهة محتملة على أطراف المدينة.

ماذا عن احتمالية عودة النظام؟

لدى سؤال عن احتمالية عودة النظام إلى مناطق الإدارة الذاتية، كان واضحا أن الشيء المشترك بين ردود أفعال هو ذلك التوجس بداية من ذكر اسمائهم الحقيقة، مع حرصهم على استخدام اسماء مستعارة، ما يكشف جانب من التصورات التي تدور في أذهانهم، حول احتمالية عودة قبضته الأمنية و ما تعنيه من عودة لمحاسبة الناس على مجرد الحديث في السياسة أو الشأن العام.

إذ يتفق نشطاء مدنيين يعملون في منظمات محلية بالقامشلي على أن “سيناريو عودة النظام وإن كان أقل وطأة بالمقارنة مع تكرار سيناريو عفرين، إلا أنه سيتسبب بإيقاف عمل العشرات من المنظمات المدنية، لكونه يعتبرها معادية، حيث سبق أن قام بفصل المئات من موظفي دوائر الدولة، تحت تهمة العمل مع المنظمات المدنية، وهو ما يعني إنهاء للحياة المدنية في المنطقة”، وفقهم.

ويجد صحفيون من المنطقة أن الحالة هذه “ستنسحب ايضا على العشرات من وسائل الإعلام، ما يعني بقاء المئات من الصحفيين العاملين فيها دون عمل، وبالتالي سيضطرون كما الآلاف من الشبان المطلوبين للتجنيد ولأسباب أمنية إلى الهجرة من المنطقة” معتبرين أن “هذا الاحتمال سيكون أقل كارثية خاصة بالنسبة للكرد، حتى وإن كانت هذه العودة قائمة على أساس اتفاق ناجم عن مفاوضات مع الإدارة الذاتية، ذلك أنه لا يمكن الوثوق بهذا النظام الذي لم يمنح أحدا أي حق وهو في حالة ضعف فكيف به وهو الآن في أقوى حالاته، عدا ذلك فقد سبق وتراجع النظام عن تعهداته بالعفو في مناطق سورية أخرى، سواء في درعا أو الغوطة الشرقية أو غيرها من المناطق”، وفق رأيهم.

من عامودا “مؤشرات طمأنينة”

في مدينة عامودا التي تتخذها العديد من المنظمات المدنية مقراً لها، يؤكد أحد النشطاء العاملين ضمن منظمة دولية، إن المنظمات كان تتحضر للانسحاب من مناطق الإدارة الذاتية خاصة بعد إعلان الانسحاب الأمريكي، وكان العاملون قد بدؤوا بتوضيب حقائبهم، إلا أن الأمر لم يستمر أكثر من 3 أيام حتى غير المدراء رأيهم وعادوا ليؤكدوا على استمرارهم في العمل مع وجود خطة عملٍ لعام كامل، الأمر الذي فسره المصدر بـ “وجود تطمينات ربما يكون قد قدمها التحالف الدولي للمنظمات الدولية، كي تستمر بعملها”.

الفكرة ذاتها أكدها أحد المتعاقدين المحليين مع منظمة أطباء بلا حدود في المخيمات، حيث قال إن “الإعلان الأمريكي أدى إلى حدوث بعض الارتباك مدة يومين ضمن المنظمة، ولكن تبعها صدور برنامج عمل المنظمة لعام 2019 ، وهو ما يعني حصولها على تطمينات لاستمرار عملها”.

الدعوة إلى حماية كرد سوريا “فقاعات صابون”

رغم أن الرئيس الأمريكي ترامب والفرنسي ماكرون دعيا مؤخراً في تصريحين متفرقين إلى “حماية الكرد السوريين” في ظل وجود أنباء تتحدث عن جهود ألمانية ضمن ذات الاتجاه، إلا أن وجهة النظر الغالبة لدى قطاع واسع من الكتاب والصحفيين والمثقفين سواء المقربين أو المعارضين للإدارة الذاتية، تجد أن هذه التصاريح “لا تعني أي شيء عمليا أو سياسيا”. حيث يصف الفنان التشكيلي منير شيخي هذه التصريحات بـ “فقاعات صابون”، وهو يرهن جدية هذه الدول الثلاث “بدعوتها إلى تمثيل الإدارة الذاتية والشعب الكردي في سوريا بشكل عادل في لجنة صياغة الدستور وفي المؤتمرات التي تخص الشأن السوري “، بحسب قوله.

وفي حين يرى الصحفي والمسؤول في الحزب الديمقراطي الكردستاني عمر كوجري، إن “إعلان وزير الخارجية الامريكي مايك بومبيو أن بلاده تسعى لضمان ألا يقتل الأتراك الكرد في سوريا، له دلالات ومؤشرات خطيرة،” يجد الكاتب الصحفي شورش درويش  أنه “ليس من مهمة كرد سوريا إخراج إيران أو التضييق على روسيا، فهذا ما يستشف من الخطوة (ب) الأمريكية التي تلي القضاء على داعش والتي تطمح إلى تجيير الكرد في حروب كبيرة مُهلكة”، بحسب وصفه.

وويضيف “من المهم أن لا تتبخر الأطروحات التي ظهرت بعد الإعلان الأمريكي وتدعو إلى تحقيق تقارب قومي كردي، و تقارب كردي روسي، لما لها من أهمية في ظل إرجاء الولايات المتحدة انسحابها وسياساتها المضطربة”، وفق رأيه.

 



مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/TSJ4E