في محاكم دمشق.. شهادات الزور تباع علناً والأسعار من 3 آلاف حتى مليون ليرة

(الحل) تعتبر شهادة الزور من أقدم وسائل الإثبات في الدعاوى القضائية، وتكمن خطورتها بقدرتها على تغيير مسار القضية، ورغم اعتبارها بالظاهرة القديمة على المجتمع السوري، إلا أن ظروف الحرب في #سوريا فاقمت مسألة شهود الزور، وأصبحت مهنة لأشخاص يعتاشون عليها، فلكل قضية تسعيرة وفقاً لأهميتها وخطورتها.

وأصبحت المقاهي والأكشاك القريبة من #القصر_العدلي في العاصمة دمشق مركزاً لتجمع شهود الزور، فغالباً مايكونوا معروفين من قبل السماسرة وبعض المحامين الذين يعقدون الاتفاق بين صاحب #القضية وشاهد الزور مقابل مبلغ مالي يبدأ من 3 آلاف وقد يصل للمليون ليرة.

ضحايا شهود الزور

يعج القصر العدلي في شارع النصر وسط العاصمة دمشق بآلاف القضايا اليومية التي تتنوع بين ماهو مدني وعقاري وشرعي وجزائي، ولإثبات صاحب الدعوى مشروعية قضيته يحتاج إلى شاهدين للإدلاء بإفادتهم أمام #القضاة، ولكسب الدعوى (الباطلة) يتم الاعتماد على شهود الزور الذين عادة مايكونوا متمرسين بهذا النوع من العمل، بعد إلمامهم بتفاصيل القضية سواء من المحامي أو من السمسار الذي يعمل على القضية.

وقع (ربيع. ك) ضحية دعوى باطلة أساسها شهود الزور، بعد أن قامت زوجته بأخذ حكم بالوصاية على ولديه والسفر بهما خارج سوريا دون علمه، بعد مشاكل عائلية بينهما، فيقول “استغلت زوجتي فترة سفري إلى مصر التي لم تتجاوز شهرين بحكم طبيعة عملي، وقامت برفع دعوى وصاية على أولادي الاثنين، باستخراج ورقة من المختار تفيد باختفائي منذ 3 سنوات، ومن ثم الاتفاق مع أحد المحامين الذي بدوره استطاع تأمين اثنين من شهود الزور لإثبات اختفائي”.

وأضاف ربيع لموقع الحل “عند عودتي من السفر، حاولت التواصل مع زوجتي وأطفالي، فتفاجأت بخبر سفرها إلى تركيا، وعند ذهابي إلى المحكمة، أكد القاضي بأن زوجتي حصلت على الوصاية المؤقتة لأطفالي بعد اعتمادها على شهادات زور بأني مختفي منذ سنوات”، لافتاً إلى أن “القاضي قال لي حرفياً (تعيش وتاكل غيرها)، وأن مئات الحالات تتم بهذه الطريقة، وكل ما استطيع فعله هو رفع دعوى غيابية على زوجتي”.

لم يكن ربيع الشخص الوحيد الذي وقع ضحية قضية أساسها شهود الزور، فيقول (علي. و) الذي يعمل في محل للأدوات الكهربائية بدمشق “خسرت حقي في ميراث منزل يعود للعائلة، بعد أن رفع أبناء عمي دعوى قضائية بأني متوفي وإحضارهم لوثيقة من النفوس تفيد بذلك، إضافة إلى اعتمادهم على شهود الزور لإكمال قضيتهم”، مشيراً إلى أنه “تبين فيما بعد أن العملية تمت بناء على تخطيط من أحد المحامين بتأمين شهود الزور وتدريبهم على الكلام أمام القاضي مقابل مبلغ مالي وقدره 75 ألف ليرة لكل منهما”.

التسعيرة بحسب القضية

للتعرف أكثر على طبيعة عمل شهود الزور، والمبالغ المالية التي يتقاضوها، تواصل موقع “الحل” مع أحد المحامين في القصر العدلي بدمشق ويملك مكتباً في (زقاق رامي) القريب من المحكمة ومنطقة تواجد شهود الزور (فضل عدم ذكر اسمه)، فأكد أن “قضية شهود الزور ليست بالجديدة على المجتمع السوري، لكن ظروف الحرب سهلت انتشار هؤلاء الأشخاص، نتيجة قلة فرص العمل، ولتحقيق عائد مادي شبه يومي يتدرج بحسب نوع القضية المطلوب الشهادة فيها، وشخصية القاضي المطلوب المثول أمامه”.

وأضاف المحامي أن “العملية بسيطة جداً، يذهب صاحب الدعوى برفقة المحامي الخاص به أو السمسار إلى شهود الزور في أماكن تواجدهم، ويتم إطلاعهم على تفاصيل القضية وبناء عليه يتم الاتفاق على السعر، فبعض شهود الزور يرفضون المثول أمام قضاة معينين كونهم يستطيعون كشف الشاهد بعد توجيه أسئلة دقيقة لهم، وبالتالي تعرضهم لخطر السجن”، لافتاً إلى أن “أسعار شهادات الزور تتدرج من القضايا البسيطة المتعلقة بتثبيت الزواج أو الطلاق ويكون فيها سعر الشاهد بمبلغ لايتجاوز 5 آلاف ليرة، لترتفع التسعيرة في قضايا الميراث كون صاحب الدعوى سيحصل على مبلغ مالي جراء كسبه للقضية فتصل تسعيرة شهادة الزور لـ100 ألف ليرة وأكثر”.

وأكد المصدر أن “أصعب أنواع شهادات الزور هي الجنائية، كونها تحتوي على تفاصيل كثيرة وتحتاج إلى أشخاص متمرسين في شهادة الزور، ناهيك عن مخاطر هذه الشهادة في حال تم كشفها من قبل القاضي، وتصل تسعيرتها للمليون ليرة في بعض الأحيان”.

وعند سؤال المحامي عن عجز السلطة القضائية في كشف حالات شهادات الزور، أوضح أنه “يوجد في القصر العدلي آلاف القضايا اليومية، إلى جانب قلة عدد القضاة والشرعيين، مايشكل عليهم عبئاً في كشف هذه الحالات، إضافة إلى أن ظروف الحرب سهلت من انتشار مسألة شهود الزور، ففي حالات تثبيت الزواج أو الإرث أو الوصاية المؤقتة فإن كثير من الوثائق في دمشق وريفها تعرضت للتلف والحرق، دون وجود مصادر إضافية للتأكد من صدقية الشهود، ناهيك عن تفشي #الرشوة بين القضاة، الأمر الذي بات معروفاً في الأوساط السورية”.

عقوبات ولكن!

ويمكن تعريف شاهد الزور في النصوص القانونية، بأنه تكليف شخص كشاهد يدعى إلى القضاء للإدلاء بأقواله حول حادثة معينة، فيقوم بالإدلاء بمعلومات منقوصة أو خاطئة أو مخالفة للحقيقة، بحيث يكون الدافع إما تحقيق منفعة مادية أو إلحاق الضرر بشخص معين (ذو طابع انتقامي).

وأفرد القانون السوري 5 مواد متعلقة بشهادات الزور، فنصت المادة /397/ على معاقبة #الشاهد الذي يبدي عذراً كاذباً لمدة 3 أشهر، في حين نصت المادة /398/ على عقوبة الحبس من 3 أشهر لـ 3 سنوات على شاهد الزور أمام السلطة القضائية أو القضاء العسكري أو الإداري، مقابل عقوبة الأشغال الشاقة لمدة 10 سنوات لشاهد الزور في المحاكمات الجنائية، وفي حال اعترف شاهد الزور بكذبه تخفف عنه العقوبة.

إلا أن مصادر قضائية في العاصمة دمشق، نفت لموقع الحل حالات لكشف شهادات الزور في المحاكم، لأسباب تتعلق بصعوبة التثبت من صحة أقوال كل شاهد وخلفياته، إضافة عن تقاعس أجهزة الأمن عن ملاحقة هؤلاء الأشخاص رغم معرفة أماكن تواجدهم والأشخاص المتعاملين معهم من سماسرة ومحامين، لتصبح بذلك مهنة جديدة تدر مبالغ مالية على أصحابها الذين يحتاجون إلى أداتين فقط وهما “التحدث بلسان طلق وحلفان يمين”.

إعداد: حسام صالح


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/V9i3c