بطء عمليات ترميم جسر الرقة… تكاليف ومعاناة إضافية على كاهل الأهالي

خاص (الحل) – ما أن تدخل إلى مدينة الرقة، كصحفي بعد أن خرجت المدينة من عباءة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» وتقابل احد سكانها العائدين، والذين بلغ أعدادهم إلى الآن حوالي الـ 500 ألف نسمة بحسب إحصائيات غير رسمية, يبادرون بالسؤال الذي يشغل بالهم: متى سيجهز الجسر؟ نريد منكم تسليط الضوء على الجسر الذي يعتبر جزءاً مهماً من حياتنا، عسى أن يلاقي آذاناً صاغية، ويتم إعادة ترميمه، وننتهي من هذا المعاناة المستمرّة على كاهلنا.

سؤال الأهالي هنا ليس من فراغ؛ بل آت من الاحتياج الشديد إلى أهمية هذا الجسر، فبعد أن تدمر الجسرين الرئيسيين في المدينة انقطع التواصل بين منطقة الشامية في الجنوب، والتي تعد مركز تأمين الخضار للرقة- وباقي مدينة الرقة- ولم يعد أمام الأهالي سوى خياران لا ثالث لهما، الأول الانتقال بالبركات «قوارب صغيرة» من ضفة إلى الأخرى؛ أو الانتقال عبر مسافة تتجاوز الـ100 كم للوصول عبر مدينة الطبقة وريفها إلى القسم الآخر من الرقة.

«داعش» والمفخخات
جسر الرقة القديم، والذي بني سنة 1942بواسطة شركة انكليزية آنذاك، تدمّر بشكل كبير نتيجة قصف طيران التحالف له، بالإضافة إلى تفخيخ تنظيم الدولة «داعش» لأجزاء منه, كما أن قواعده المعدنية تعرضت للكثير من الشظايا التي جعلت من انهياره أمراً ممكننا حتى إن لم يتم قصفه بشكل مباشر.

في منتصف العام الفائت 2018 بدأ العمل بإعادة بناء وترميم الجسر، وبحسب مجلس الرقة المدني، بلغ نسبة الضرر في هذا الجسر 50%، ويؤكد المجلس أن أكثر من 200 ألف نسمة ينتقلون من الجنوب إلى الشمال يومياً، كما أن خسائر الأهالي بالانتقال عبر القوارب أو إطالة المسافة بالذهاب نحو 100 كم باتجاه جسر الطبقة، ومن ثم العودة إلى الرقة تقدر هذه التكاليف بما يقارب 7 مليون ليرة سورية يومياً؛ أو ما يعادل 14 ألف دولار، وبعملية حسابية نجد أن تكلفة الترميم ما يعادل 400 ألف دولار، بينما خسائر الأهالي تتجاوز هذا المبلغ، إذ خلال سنة واحدة تصل لنحو خمسة مليون دولار، أيّ 10 أضعاف تكاليف الترميم، يتم دفعها على حساب راحة الأهالي وجيوبهم.

ترميم الجسر بحاجة إلى حكومة حقيقية
الجسر الرئيس، والمعروف بالجسر القديم كان المدخل الأساسي للوصول إلى المدينة من الجهة الجنوبية، حيث يقول المواطن «أبو مهند» وهو في طريقه على القارب منتقلاً من ضفة للأخرى: «الجسر كان نعمة على المواطنين، ولم يكن يتوقع احد في يوم من الأيام أن يصبح تجاوز هذه المسافة القصيرة بين الضفتين مكلفة بهذا الشكل».

يستغرب «أبو مهند» مكملاً حديثه بالكثير من التساؤلات: كيف لدول عظمى (قاصداً التحالف الدولي) وهي التي حاربت «داعش» وتم تدمير الجسر في هذه الحرب أثناء استهدافهم لتحركات التنظيم، أن لا تقوم بترميم ما دمرته بسرعة؟
يضيف «أبو مهند» معاتباً: «الحكومات الحقيقية تسعى لتخفيف العبء على مواطنيها بسرعة، ونحن نفتقد تلك الحكومة التي أصبحت حلماً، والإدارة في الرقة لا تستطيع تحمل هذه الأعمال المكلفة لوحدها».

القوارب خطرة جداً وتكاليفها كبيرة على المواطن
من جهته علي محمود وهو صاحب سيارة شحن صغيرة، ينتقل يومياً ببضاعته المتنوعة من المواد الغذائية والخضار بين الضفتين، عندما تكون سيارته محملة يدفع 1000 ليرة سورية، وفي العودة يدفع 500 ليرة، يقول أبو علي: «الأشخاص ينتقلون بمئة ليرة أما الدراجات النارية فسعرها مائتي ليرة، والسيارات تدفع حسب حجمها، الصغيرة 500 ليرة، والكبيرة 100 ليرة، ناهيك عن أن سيارات الشحن لا تستطيع الانتقال، مما نضطر هنا لتفريغ الحمل إلى سيارات أصغر، وكل هذه التكاليف الباهظة في النهاية يتحملها المواطن، وبالتالي ينعكس أوتوماتيكياً على سعر المادة المنقولة بزيادة سعرها أضعاف ولتزيد الأعباء على المواطنين»

في السياق ذاته «محمد الحسيني» وهو عامل في الخمسينات من العمر يتنقل عبر القوارب يومياً من جهة إلى الأخرى يقول «ننتقل يومياً عبر هذه (البركات) أنا ادفع كل يوم 200 ليرة سورية للانتقال، بينما كان في السابق مجاناً بوجود الجسر».
يضيف «محمد» في الشتاء «معاناتنا أقسى بكثير، تصور أن الشتاء الماضي توفيت طفلة بعد أن اصطدم قاربين يبعضهما، وكانت المياه أعلى من الطبيعي مما تتسبب بمشاكل، لذلك أخطار القوارب كثيرة».

أما مصطفى القاسم، وهو شاب يسكن في منطقة الشاميات، وعمله في شارع تل أبيض بالرقة يتحدث عن حادثة خاصة جرت معه، وكيف انه نجا من الموت غرقا بسبب القوارب: «بداية الشتاء هذا العام ركبت القارب مثل كل يوم، وكانت الأمطار شديدة والبرد قارس اصطدم قارب آخر بقاربنا تحت تأثير الطقس، ووقعنا جميعاً في المياه، هذه الحادثة معروفة لدى الجميع لقد سبحت أنا إلى الضفة الأخرى ولكن النساء والأطفال الذين كانوا معنا كانت مشكلة كبيرة بالنسبة لهم، وراح ضحايا كثر لكن لا نعلم عددهم».

هل بالإمكان الاستعاضة بحلول بدائية وتقليل الأعباء؟
الإعلامي عيسى الصالح، وهو يعمل في مدينة الرقة في إحدى الإذاعات المحلية، ويتحمل أعباء الانتقال عبر القوارب يرى أن المشروع يسير ببطء شديد، ولن يتم قبل ستة أشهر أخرى. يقول «الصالح» «كان يمكن انجاز بديل بتحويلة صغيرة عبر المياه، وبطرق بدائية وبسيطة، إلا انه لم يتم لأسباب مجهولة تتعلق بمن يمتلك القرار».

ويضيف عيسى: «بهذه الوتيرة لن يتم إنهاء المشروع قبل ستة أشهر، إذ أن المجلس أعلن في مناسبات عدّة أن الجسر سيكون قيد العمل قبل نهاية 2018، ولم يحدث!».

الناشطة «بتول العمر» والتي تعمل في مجال منظمات المجتمع المدني تتفق مع الصحفي (عيسى) وترى أن الجسور الصغيرة والتي يستفاد منها القوات العسكرية، رممت بشكل سريع وبطرق بدائبة وخلال يوم واحد، بينما الرئيس لم يتم ترميمه».

تقول «بتول»: «في بعض المناطق تم طمر جزء من النهر بالتراب و(البحص) خلال ساعات، وأصبح الطريق سالكا، وأيضا في نقاط أخرى استقدمت جسور معدنية جاهزة من أكل المرور عليه، بينما الجسر الرئيس كان العلاج بالتوجه للترميم الكامل، وقطع الطريق والاستعاضة بالقوارب التي أصبحت حديث الساعة».

وتتساءل «بتول» أيضاً في حال انتهى ترميم الجسر، فهل سيكون قادرا على حمل الشاحنات الكبيرة، والتي كان الجسر المعروف باسم الجسر الجديد هو الطريق لها، والذي ما يزال مدمراً، ولم يبدأ أيّ عمل فيه لإعادة تجهيزه».

لجنة الإشراف على المشروع: العمل جارٍ بالترميم وبإمكانيات محلية
تكلف المجلس المدني في مدينة الرقة بعملية الترميم، بدعم من مجلس سورية الديمقراطي، وبميزانية بلغت 170 مليون ليرة سورية، ما يعادل 140 ألف دولار، والعمل جارٍ فيه ولكن ببطء بسبب غياب الأيدي الخبيرة في عمل الجسور.
احمد الخليل رئيس لجنة البلديات في المجلس المدني، يرى أن المشروع يسير وفق ما هو مخطط له، ولا يمكن أن ينجز بطريقة أو مدة أخرى، يقول في ذلك: «المشروع قيد العمل بأيادي وخبرات محلية، وقد أنجز منه ما يقارب الـ80%، ومن المتوقع أن ينتهي قريباً ويضع تحت الخدمة».
يضيف «الخليل» «أن (البركات) كانت البديل الوحيد رغم خطورتها، ولكن ليس هناك حل آخر، فالمسافة البديلة هي 120 كم، حيث يجب الوصول لسد الطبقة، ومن ثم العودة إلى الرقة مجدداً».
ينفي «الخليل» بشكل قاطع أن «يكون هناك أي حل آخر؛ أو تجهيز تحويلات من شانها تسهيل مرور الأهالي، وبضائعهم من هذه الضفة إلى الأخرى».

أهالي الرقة وإعادة بناء مدينتهم بجهودهم الخاصة
بعد مرور أكثر من سنة على سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، بدعم من التحالف الدولي على مدينة الرقة، وانتزاعها من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» ما تزال عمليات إعادة الإعمار محلية فقط؛ ومعظم الأهالي ممن قابلناهم في جولة «الحل السوري» قام بإعادة إعمار منزله؛ أو ترميمه بتكاليف شخصية على نفقته، وحتى بالنسبة للبنية التحتية للمدينة يسعى المجلس المدني في المدينة، وبعض المنظمات المحلية إلى إعادتها إذ أن توجه القوى الدولية نحو إزالة تنظيم الدولة «داعش» لم يتخط بعد إلى إزالة آثاره والدمار الذي ترك خلفه.

ويبقى آمال أهالي الرقة معلقة على سواعد أهلها، لإعادة جزء من حياتهم الطبيعية إلى ما كانت عليه قبل «داعش»، وتأمين أبسط مقومات العيش في مدينة كانت اسمها الرقة الرشيد وتعتبر رئة سورية الاقتصادية مع باقي أخواتها في الجزيرة السورية.

تحقيق: أختين أسعد



مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/IyrYz