الرقة مدينة نهر الفرات وسده تشتري المياه كي لا تموت عطشاً

الرقة (الحل) – وجوه الأطفال والنساء في محافظة #الرقة، توحي بمآسي وواقع محبط، ففي الشمال من المحافظة، حيث الاعتماد على المياه هو الأساس في كل أعمالهم وأهمها الزراعة بات انقطاعها المستمرّ يشكل خطراً على بقاء الحياة.

وزاد في الوضع سوءاً معاناة 25 بلدة وقرية من الريف الشمالي لمحافظة الرقة من انقطاع مياه الشرب  منذ أكثر من شهر ونصف، والتي كانت تمدهم بها التدخل المبكر في #المجلس المدني للمحافظة.

وكانت «فرانس برس» قد سلطت الضوء على مخاوف من حالات تسمم نتيجة لجوء الأهالي في هذه المناطق إلى شرب مياه الصهاريج في تقرير لها.

 

الأهالي يستنجدون لإيجاد حل سريع

فريق التدخل المبكر عزى توقف إمداد المناطق المذكورة بالمياه إلى أعمال صيانة تتم في شبكة #المياه بالرقة والدكار الكبير الذي كان قد الحق بشبكة المنطقة بسبب عمليات تنظيم «داعش».

فريق الإعداد في هذا التقرير، لامس الواقع عن قرب الواقعة والتقى بعدد من المواطنين الغارقين في الفقر في هذه المناطق نتيجة توقف مشاريع الري، وبذلك توقفت الزراعة وتدنت مستويات الإنتاج الزراعي والحيواني فيها، كذلك الذين أكدوا أن انقطاع مياه الشرب عنهم زاد الطين بلَّة في هذه الأوضاع السيئة التي تمر على المحافظة بشكل عام؛ وعلى الريف الشمالي بشكل خاص.

يستند «أبو عبدالله» من قرية الجلاء على خزان المياه الرئيسة في القرية، الذي لا تصله المياه منذ أكثر من سنة بحسب قوله: «ابنتي عمرها سنتين منذ أيام عدّة، أسعفناها إلى الرقة، نتيجة حرارة شديدة وحالة استفراغ دائمة بعد فحصها الطبيب قال لنا إنها مسممة من المياه».

وأضاف أبو «عبدالله»: «مشكلتنا منذ سنة وليس شهرين فقط، ولا احد يستجيب لنا، نحن نشتري مياه الصهاريج التي تكون ملوثة والأطفال لا يتحملون هذه المياه وتكاليف شراء المياه المعدنية أيضا كبيرة، إذا كانت الصهاريج تثقل كاهلنا بشراء مياهها».

«مريم عبدي» في السبعين من عمرها تعاني من أمراض كثيرة إلا أنها لازمت الفراش الآن بسبب شرب المياه من الصهاريج، التقيناها وهي على فراشها ويبدو المرض قد نال منها كثيرا.

تحدثت مريم بصعوبة: «أنا مريضة كثيراً صحيح أنني عجوز ومريضة سابقاً، إلا أنني كنت استطيع المشي والانتقال إلى  باحة المنزل إلا أن هذه المياه ألزمتني الفراش وحالتي أصبحت بالويل».

تضيف السيدة العجوز بحزن وكأننا قد ضغطنا على جروحها أكثر بسؤالنا عن انقطاع المياه وحالات المرض بسبب تلوثها  قائلة: «لقد مضى بي العمر أنا والأمراض التي بي تكفلت بآلامي إلا أنني احزن على أطفال أولادي أكثر فكيف سيشربون هذه المياه، وسينال المرض منهم أيضا، وهم ما زالوا في بداية حياتهم؟».

الصهاريج المخصصة للمحروقات تحوّلت لنقل المياه

يبدو أن مشكلة المياه في قرى الريف الشمالي من الرقة، قديمة إلا أنها استفحلت مع المعارك الأخيرة إذ أن الخطوط المخصصة لنقل مياه الشرب لم تكن تعمل بشكل دائم.

يحيى العلي من إحدى القرى التي تعاني من أزمة المياه يوضح أن شبكات المياه القديمة هي أيضا سبب من أسباب تلوث المياه يقول: «شبكات المياه في الريف الشمالي للرقة مركبة منذ 40 سنة، ونتيجة الانقطاع المستمر فيها تآكلت وأصبحت تحوي مواد غير جيدة وأيضاً المياه في السواقي راكدة لذلك المياه تصل #متلوثة».

يونس محمد يؤكد أيضاً أن المياه الراكدة هي السبب الرئيس لحدوث الإصابات المرضية: «هذه الصهاريج التي تنقل المياه إلينا كانت أساسا مخصصة لنقل الفيول؛ والآن أصبحت لمياه شربنا التي نشتريها  فتصور ذلك, عدا عن المياه التي تأتي بالصهاريج يجلبونها من سواقي راكدة ومخزنة فطبعا ستكون مياه معفنة وغير صالحة للشرب».

يتابع «يونس» شكواه بعدم تواجد أيّة مساعدة لهم متسائلاً: عن سبب غياب المنظمات فيقول: «على الأساس لدينا الكثير من المنظمات المهتمة، أين هي من هذه القضايا؟ لم نرَ احدهم هنا؛ منظمة واحدة جلبت المياه لمدة شهر واحد وانقطعت بعدها».

 

شراء المياه تثقل كاهل الأهالي أكثر

بعد خروج محافظة الرقة، من عباءة تنظيم «داعش» بدأت رحلة أهالي المنطقة مع حرب اشد وطأة من الأولى، حرب إعادة إعمار ما دمرته «داعش» ومعركة البحث عن قوت بيوتهم مع غياب العمل، وغياب المشاريع الزراعية التي كانت حجر الأساس في اقتصاد المحافظة، والآن بدت مياه الشرب وتأمينها خطراً حقيقياً  وجديدا يهاجم اقتصاد أهالي الريف الشمالي على وجه الخصوص.

طالب «احمد السالك» من قرية الرويبان، والتي تعاني أيضا من أزمة مياه الشرب بإيجاد حل سريع وتأمين مياه صالحة لهم، وبحسب قوله لديه شخصين من العائلة مرضوا بسبب المياه مما اضطره لشراء المياه المعدنية لهم: «ابني عمره سنة ونص مريض منذ شهر بسبب المياه، ووالدتي كذلك وأنا الآن اشتري لهم مياه صحية، وهذه تكلفتها عليَّ كل أسبوع تقريبا لدي ألف ليرة فقط، مياه شرب لهما».

«هفل احمد» وهو نازح  من محافظة دير الزور، جاء مع عائلته إلى قرية تشرين في الرقة، ليسكن في مدرسة القرية منذ ما يقارب السنة والنصف يقول: «أسبوعياً اشتري خزان مياه بـ600 ليرة سورية، أصبحت احتار بين شراء الخبز أو المياه، إذ أصبحت احتياجاتنا الأساسية على مفترق طرق لدينا، فأما أن نأكل الخبز أو نشرب المياه».

يستمر «هفل» في سرد معاناته مع نقص احتياجات أسرته الأساسية «رغم الجور البارد وعدم وجود وسائل التدفئة لدينا، إلا أن احتياجنا للمياه والخبز اكبر منه، البرد نستطيع أن نتغلب عليه بالتغطية ببطانية أو أي شيء آخر ولكن الأكل والشرب ما لحل لهم؟».

إعادة المياه خلال 15 يوم

بحسب دائرة الري في مجلس الرقة المدني الأضرار في القناة الرئيسة للمياه بسبب الحرب، ويمكن الاعتماد عل بعض المنظمات العاملة وتحويلاتها، من أجل صيانتها لتأمين التوزيع النظامي على البلدات في ريف الرقة.

رئيس دائرة المياه بالرقة، المهندس جاسم الخلف، وفي حديث خاص لموقع «الحل» أكد أنهم اعلموا من دائرة الزراعة بقطع المياه في القناة الرئيسة للصيانة، ولم يكن هناك حل سوى الصهاريج: «اجتمعنا كدائرة مياه مع المنظمات لإيجاد حل ومنظمة «أي ار تي» عرضت تأمين المياه إلا أنها لم تلتزم إلا 13 يوماً».

وأضاف رئيس دائرة المياه في مجلس الرقة المدني حول خطة رفدهم للمناطق بالمياه قائلاً: «نحن نؤمن الآن الصهاريج للمناطق المتضررة، مثل (تل السمن، القادسية، الكشلة، وتل الوحل) بشكل كل يومين بإرسال 4 صهاريج مياه».

وأوضح المهندس خلف أن صيانة منظمات الري على القناة الرئيسة هي التي تسببت بالقطع المؤقت: « وعدت دائرة الزراعة بضخ المياه خلال 15 يوم، ونحن نقوم برفد المناطق بمياه الشرب النظيفة والآمنة».

من جانب آخر أوضح مسؤول المياه في لجنة إعادة الإعمار في تصريح سابق أن عدد الصهاريج المتوفرة غير كافي لرفد محافظة الرقة بمياه الشرب.

استمرار تلوث المياه ينذر بكارثة طبية

من جانبه قال الطبيب احمد العيسى إن أعداد كبيرة من الأهالي وصلوا إلى المشافي والنقاط الطبية في الرقة من الريف الشمالي بسبب تلوث المياه.

وأضاف أن جلهم من الأطفال «الأمراض الناتجة من تلوث المياه تكون آثارها كبيرة على الأجساد الغضة لذا كانت أكثر الحالات هي لأطفال دون سن السادسة ونساء كذلك».

وأوضح الدكتور «احمد» أن اغلب «الحالات كانت تعاني من الإقياء والغثيان وآلام في البطن، والوهن الشديد نتيجةً لاختلاط مياه الشرب بعنصر الرصاص المتواجد في المواسير التي تمشي فيها مياه الشرب، وأيضا في صهاريج نقل المياه».

ويؤكد الطبيب  أن «السرعة في معالجة أسباب الأمراض الناتجة عن التلوث هي رادع لعدم تحولها إلى كوارث طبية لا سمح الله مثل انتشار الكوليرا أو الزحار».

من الجدير ذكره، أن هذه ليست المرة الأولى التي تعاني منها هذه البلدات من انقطاع المياه، ففي أوقات سابقة قطعت المياه عن أكثر من 30 بلدة بسبب توقف الضخ عبر قناة الريّ الرئيسة الواصلة إلى محطة العدنانية، لدواعي صيانة المحطة كذلك.

 

تحقيق: أختين أسعد


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/PDAGs