مسيرة «أبو لقمان» أحد زعماء الظل في تنظيم «داعش»

وكالات (الحل) – نشرت صحيفة «ليبراسيون» تقريراً تناول مسيرة حياة أحد كبار مسؤولي تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» ورئيس جهاز الأمنيات (الاستخبارات) في التنظيم. فقد لعب هذا الإرهابي، والذي يُعتقد أنه قد لقي حتفه بغارة بطائرة حربية أمريكية منذ حوالي سنة، دوراً رئيساً في العلاقة التي جمعت شركة «لافارج» الفرنسية-السويسرية للإسمنت بتنظيم الدولة الإسلامية. كما أنه قد لعب كذلك دوراً أساسياً في التخطيط للهجمات الإرهابية على الأراضي الأوروبية.
يبين التقرير بأن أوروبا ما تزال تجهل الكثير عنه، بالرغم من أن جزءاً كبيراً من الإرهاب الذي عاشته في السنوات الأخيرة يعود بشكل مباشر لهذا «الرجل الغامض». فمن يقف وراء الأعمال الإرهابية الأخيرة التي طالت كلّ من باريس ومانشستر هو الرجل ذاته، علي موسى الشوّاخ الملقب بأبو لقمان. إذ بدأ هذا الرجل حياته المهنية في ظل تنظيم «داعش» كمدرّب للجواسيس قبل أن يصبح رئيساً لجهاز الأمنيات الذي لا يرحم. ليجسد هذا الرجل بذلك أفظع أهوال دولة «الخلافة».

وهذه هي المرة الأولى التي تقدم فيها «ليبراسيون» سرداً مفصلاً لمسيرة حياة هذا الرجل، استناداً إلى وثائق التحقيقات التي تمكنت من الحصول عليها بالإضافة إلى مصادر متخصصة وبعض الأبحاث الأكاديمية. وهي تكرّس بذلك توثيقاً لأهمية «أبو لقمان» في الجهاز الأمني لتنظيم الدولة الإسلامية، لكنها في الوقت ذاته تبين وبدقة دور هذا الرجل في قضية شركة «لافارج» الإسمنتية إذ بدا من الواضح أنه قد تصرف وكأنه حاكماً للرقة. وبالرغم من الإعلان عن مقتله إثر ضربة جوية في السابع عشر من شهر نيسان لعام 2018، إلا أن ملاحقته ما تزال مستمرة!

وقد ظهر اسم «أبو لقمان» في قضية شركة «لافارج» المتعددة الجنسيات من خلال وثيقة رفعت عنها السرية من إدارة الاستخبارات العسكرية الفرنسية. فبعد أن سيطر على منطقة معمل أسمنت الجلبية، فإن تنظيم «داعش» قد وضع يده على غنيمة حربٍ حقيقية. ومنذ ذلك الحين، بدأت إدارة الاستخبارات العسكرية بتتبع مناورات تنظيم «داعش» للحصول على أكبر قدرٍ ممكن من المال. وبالتركيز في أحد المواعيد التي تم تنظيمها بهذا الخصوص في الثاني والعشرين من شهر كانون الأول لعام 2014 على الحدود التركية-السورية، كان هناك اجتماع بين رجال أعمال أتراك وممثلين عن تنظيم «داعش» لمناقشة المشاريع الخاصة لعمل مصنع الاسمنت المذكور. لتتأكد إدارة المخابرات العسكرية بعد ذلك بأيام عدة، أن من يقف وراء ممثلي تنظيم «داعش» هو أحد قادة التنظيم الملقب بـ«أبو لقمان».

هذا الاكتشاف دفع بالمحققين لبدء التحري عن هذا الزعيم غير المعروف. وفي تقريرٍ نشرته الإدارة العامة للأمن الداخلي الفرنسي في شهر أيلول من العام الماضي، فإن هذه الأخيرة تعتقد جازمة بأن «أبو لقمان» قد شارك في أكثر من اجتماع حول شركة «لافارج» للأسمنت وأن استمرار عمل ذلك المصنع كان أساسياً لإدارة تنظيم الدولة لمناطقها في سوريا. ولعل الاكتشاف المتأخر للدور المركزي لأبو لقمان يعود إلى مكانته المتميزة في التنظيم. فرتبته العالية تجبره على حماية نفسه من خلال عدم الظهور للعلن قدر الإمكان ليتمكن من القيام بمهام الحياة اليومية. لكن ما هو مؤكد للاستخبارات الفرنسية هو مشاركة «أبو لقمان» في إدارة مصنع اسمنت الجلبية.

وقد ولد علي موسى الشواخ في قرية الساحل في محافظة الرقة عام 1973. وهو ينتمي لعشيرة عجيل «السنية». وقد حصل على الإجازة في الأدب العربي من جامعة حلب في العام 2002. وفي العام ذاته, التحق بالخدمة العسكرية لينهي الدورة برتبة ملازم وينتقل بعدها لأحد فروع الأمن العسكري في العاصمة دمشق. إذ سمحت له الخبرة التي اكتسبها أثناء تأديته للخدمة العسكرية بتعلم الكثير من طرق التلاعب والحنكة. الأمران اللذان كانا سبب شهرته فيما بعد.

وفي عام 2003، بدأ «أبو لقمان» حياته السرية الجديدة بعد الغزو الأمريكي للعراق، حيث نشط تنظيم القاعدة هناك بقيادة أبو مصعب الزرقاوي. فقرر هذا الشاب «السني» الذي كان يعبد صدام حسين ويحتقر في الوقت ذاته القيادات العلوية التي تتحكم في جميع مفاصل الدولة السورية لاسيما الجيش، والالتحاق بالركب الجهادي السائد آنذاك. وانطلاقاً من مسقط رأسه، اعتنق «أبو لقمان» السلفية المتشددة على يد الداعية حامد الطياوي. ليعمل بعدها على إيجاد المرشحين للجهاد، إذ نشط في المنطقة الرمادية التي سمحت بها المخابرات السورية، المعروفة باستغلال الحركات الإسلامية لمصلحتها. وبذلك كان «أبو لقمان» يجنّد الجهاديين في الليل، ويعمل كمدرس للغة العربية في مدرسة قريته في النهار. ودامت هذه اللعبة حتى بداية عام 2010 عندما تم إلقاء القبض عليه بتهمة التحريض على الإرهاب. إذ قامت مخابرات نظام بشار الأسد، القلقة من اشتداد قوة الحركات الجهادية في سوريا، بسجنه في سجن صيدنايا على بعد ثلاثين كيلومترا من دمشق.

وفي هذا السجن المشين، حيث يمارس النظام التعذيب والإعدام دون محاكمات، بدأ «أبو لقمان» خطاه بالسير باتجاه تنظيم الدولة الإسلامية. فقد كان مسجوناً مع معارضين سياسيين أكراد وشيوعيين، لكنه تعرف كذلك على فواز محمد كردي الحجو، رجل سبق وأن حارب ضد الأمريكان في العراق. وتمتنت بذلك علاقته بهذا الإسلامي المتشدد، والذي سيصبح أحد أكبر قضاة تنظيم «داعش» بعد خروجه من السجن. ومعاً كان الرجلان يقاومان ممارسات السجانين في حق المعتقلين ويخططان لمستقبلهما في مرحلة ما بعد صيدنايا.

وبعد إطلاق سراحه في ربيع عام 2012، التحق «أبو لقمان» في البداية بتنظيم جبهة النصرة، فرع القاعدة في سوريا. لكنه وكما هو حال الكثير من الجهاديين المتحمسين، كان مقتنعاً بضرورة وأهمية إنشاء خلافة مستقلة بذاتها. فبدأ بالتقرب شيئاً فشيئاً من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» بقيادة أبو بكر البغدادي. فكان بذلك عميلاً مزدوجاً حقيقياً. حيث كان على اتصالٍ وثيق مع رفيق دربه في سجن صيدنايا فواز محمد كردي الحجو. ليقوم «أبو لقمان» فيما بعد بامتصاص تنظيم جبهة النصرة من الداخل كي يستطيع سحقه فيما بعد ويلتحق الجميع بتنظيم «داعش». كما أن «أبو لقمان» هو من أعطى الأمر بتصفية أبو سعيد الحضرمي، أحد أكبر قادة جبهة النصرة.
وفي شهر نيسان من العام 2013 كان أستاذ اللغة العربية السابق على رأس جيشٍ وصل تعداده إلى 2300 مقاتل. وقد تم آنذاك اعتقال وإعدام أكثر من 1200 مقاتل من الجيش السوري الحر. ليتم بعد ذلك إلقاء ما تبقى منهم في فناء مستشفى الرقة الوطني مع عبارة «انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية أو سوف تلاقون المصير ذاته». وبعد أسبوع من تلك الحادثة، التحق 5750 شخص بتنظيم «داعش».
وبذلك بات «أبو لقمان» اسم يرعب كامل سوريا، بعد أن التحق بجهاز الأمنيات، جهاز الاستخبارات في تنظيم «داعش». فحوّل المبنى الإداري لسد الطبقة إلى مقر عمليات له حيث كان يمارس التعذيب وقطع الرؤوس بحق الصحفيين المحليين والفارين وجميع المعارضين لحكم «داعش» وفي عام 2014, تم تعيين أبو لقمان ضابط تحقيق ومن ثم حاكم للرقة.

وبعد عودته من سوريا، روى جهادي فرنسي للإدارة العامة للأمن الداخلي الفرنسي، الفظائع والأعمال البربرية التي شهدها الملعب الرئيس في مدينة الرقة. حيث قال: «لقد سمعت الناس يصرخون وهم يضربون ويتعرضون للصعق بالكهرباء. وكان يتم ربط الناس بالعواميد في الساحة وتركهم لساعات {…}. وقد أخبرني سوري أنه قد بقي في سجن (الأرنب) لمدة تسعة أيام. وهو قفص صغير يجبر السجناء على القرفصاء بداخله. كما أن هناك سجن (الأفعى) حيث يجبر المساجين على الاستلقاء فيه دون أن تكون لديهم القدرة على التحرك أو الجلوس».
وفي هذا الوقت، بدأ تنظيم «داعش» حملته الإرهابية على الغرب. وبالنسبة للعديد من أجهزة الاستخبارات الأوروبية، فإن هناك رجلان فقط يقفان وراء هذه العمليات: أبو لقمان وزميله في جهاز الأمنيات أبو محمد العدناني. وبحسب العديد من المصادر الأمنية والقضائية، فقد تم الإعداد للعمليات الإرهابية الخارجية على النحو التالي: يتم تحديد الأهداف والإستراتيجية من أعلى الرتب في تنظيم «داعش» ومن ثم توكل المهمة لمواطني ذلك البلد، والذين لديهم معرفة جيدة على الأرض، لضرب بلادهم.

وتكشف «ليبراسيون» بأنه وبحسب مصادر مؤكدة، فقد كان «أبو لقمان» مسؤولاً عن الإشراف على الخلايا المرسلة إلى البلاد الناطقة باللغتين الإنكليزية والفرنسية. وهو ما أكده الصحفي «ماتيو سوك» من صحيفة «ميديا بارت» في كتابه «جواسيس الرعب». كما أن هناك أمرين يؤكدان هذه النظرية: فأولاً، يعتبر «أبو لقمان» أحد الأعضاء الثمانية لمجلس الحكم في تنظيم «داعش» بقيادة أبو بكر البغدادي. وثانيا، قام أبو لقمان في بداية عام 2015 بتغيير لقبه ليصبح بعدها أبو أيوب الأنصاري.

وبعد لعبة القط والفأر التي طالت مدتها مع التحالف الدولي الذي كان يريد تصفيته، تم قتل أبو محمد العدناني في نهاية شهر آب من العام 2016 إثر ضربة جوية نفذتها طائرة دون طيار في مدينة الباب. وقد أصيب «أبو لقمان» الذي كان بجانب صديقه آنذاك بجروحٍ خطيرة. لكن هذا الأمر لم يمنعه من إكمال طريقه وتدرجه في جهاز الأمنيات. وفي شهر آذار من عام 2017, بات أبو لقمان الرقم واحد في هذا الجهاز. كما أوكل إليه مهمة إعادة هيكلة فرع تنظيم «داعش» في شمال أفريقيا. فقام على إثر ذلك برحلةٍ سريعة إلى ليبيا وعاد بعدها إلى سوريا ليكمل مسيرته.
وقد قام الجيش الأمريكي بمحاولات عدّة لإلقاء القبض عليه حياً دون نتيجة. وقد شوهد في الرقة في مبنى رخامي أصفر يعود لفرع حزب البعث في المدينة. لكن النهاية كانت في منطقة هجين بالقرب من الحدود السورية العراقية، حيث لقي «أبو لقمان» حتفه بغارة جوية، وفق الروايات المتواترة. لكن الإدارة العامة للأمن الداخلي الفرنسي غير قادرة حتى تاريخ اليوم على تأكيد هذه المعلومة.

تحرير: رجا سليم


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/JtGJ5