اخترت «الدعارة» لأني أردت أن أعيش… حاسبوا المتسبب أسرتي والمجتمع أولاً

(الحل) – «أذكر ذلك الصباح، عندما أيقظتني والدتي وبيدها حقيبة صغيرة فيها بعض ملابسي. طلبت مني أن أغادر البيت وألا أعود مرة أخرى لأنني عار على هذا البيت» بهذه الذاكرة تسرد (س) التي تبلغ 25 عاماً في ماضيها، وهي حالة من بين ملايين القصص لفتيات حول العالم انتهى الأمر بهنّ لعاملاتٍ تحت صفة «فتيات الليل».

تبدأ (س) التي نشأت في إحدى القرى ذات التقاليد المحافظة على أطراف دمشق، رواية ما حدث معها منذ البداية، لمصلحة بحثٍ جامعي في مجال «الضحايا والعدالة الجنائية» فتبدأ من طفولتها: «كنتُ في الخامسة عشرة من عمري عندما أصبحتُ مسؤولة- مسؤولية كاملة عن شقيقتي- كنت أتمنى حقاً أن ألعب مع صديقاتي بعد المدرسة لكنني لم أجرؤ أن أطلب هذا من أمي العصبية المزاج، حتى جاء ذاك اليوم الذي قررتْ فيه المدرسة أخذنا في رحلة ليومين في الجبال».

تتابع (س) سرد قصتها: «ذهبت والفرحة لا تسعني إلى البيت لأخبر والدتي عن الرحلة، كل ما أذكره أنها بدأت بشتمي وضربي صارخة في وجهي: كيف تريدين تركي وحيدة مع شقيقتك وكل أعمال المنزل لمدة يومين؟ لا أذكر شيئاً بعدها سوى صوت ارتطام جسدي على درجات البيت الطويلة، وصوت أمي يبتعد بينما يتدحرج جسدي إلى أسفل السلم الخشبي. كانت تلك آخر مرة أطلب فيها شيئاً منها. نعم فهمت أنني هنا لأساعد والدتي وأنفّذ أوامرها فقط».

 

نقطة التحوّل

«استمر ذلك الحال حتى تعرفت على داني». تضيف (س) واصفة المنعطف الذي غير كل حياتها فيما يعد: «كان شاباً وسيماً جميلاً مشرقاً يبيع البوظة في الشارع المجاور لمدرستي، وجدت عنده الأمان والحنان الذين فقدت طعمهما منذ أمد، رغم كلامه الغريب أحياناً عن جمالي وعن أنني أستطيع استعماله لأصبح غنية وسعيدة».

تروي (س) بعد ذلك كيف تمكن الشاب من إقناعها في أحد الأيام بالبقاء معه بعد المدرسة: «لم أشعر كيف مرّ الوقت وحل المساء؟ وكم كنت خائفة من العودة إلى البيت ولكنني لم أجد حلاً بديلاً، استقبلتني والدتي بالصراخ كما توقعتُ، وعندما سألتني أين كنت؟ أخبرتها بسذاجة «كنت مع داني». كانت تلك آخر جملة تبادلناها ذاك المساء.

ذهبتُ إلى غرفتي لأنام لكنها تبعتني بعد قليل لتسألني: هل مارست معه الجنس؟ لم أستوعب سؤالها، ليس لجهلي بمعنى كلماتها، ولكن لم أصدق أن هذا ما كانت تفكر به. أجبتها أننا لم نفعل شئياً لكنها لم تصدقنِ. ضربتني على وجهي ورمت بي أرضاً، وهي تكرر سؤالها بشكل جنوني: هل مارستما الجنس؟ من شدة الألم والذل والتعب أجبتها: نعم نعم.. لقد نمت معه.. ارتحتِ الآن… لم أقوَ حتى على لفظ كلمة جنس أمام والدتي. تركتني مرمية على الأرض وغادرتْ، وفي الصباح وجدتها تحمل بيدها حقيبة تتضمن بعض ملابسي، وحينها طلبت مني ألا أعود مجدداً إلى المنزل لأنني عار عليه.

 

لحظة جنون «داني»

كان هذا هو اليوم الفاصل في حياة (س) بين حياة الطفولة والمصير الذي ستجرها إليه وقائع الحياة بعد ذلك. إذ هامت (س) وهي ابنة الخامسة عشرة في الطرقات حاملة حقيبتها، في طرقاتٍ لا تعرف أين تنتهي وجهتها. وبشكلٍ طبيعي اختارت الذهاب إلى المحل الذي يعمل فيه «داني».

«أردت أن أكذب عليه؛ ولكن علامات الضرب على وجهي والدموع في عيني فضحت الأمر». تروي (س) وتتابع: «أخذني إلى منزله، وأخبرني أنني أستطيع المكوث هناك، ولكن يجب أن أشاركه في دفع الإيجار. طبعاً لم أملك ما أبيعه سوى جمالي (هكذا أقنعني) وبمساعدة (داني) تعرفت على الكثير من الرجال وبدأت العمل. لمَ لا، إذا كانت والدتي تظن أنني «عاهرة» فلا بأس بذلك إذاً!

شهر بعد الآخر بدأت أشعر بالتعب الجسدي وعندما استيقظتُ من حالة الصدمة التي سببتها لي والدتي قررت أن أتوقف عن هذا العمل، ولكن الأمر لم يكن بسيطاً. عندما أخبرت «داني» جن جنونه ولم يعد ذلك الشاب الهادئ بل تحول إلى نسخة أخرى عن والدتي. ضربني وشتمني وأخبرني أنه سيتخلى عني إذا توقفت عن العمل.

 

لم أعِ كم كنت أستحق الحياة…

«كنت في وضع لا أستطيع فيه أن أتحمل خسارته، فأنا لا أعرف إنساناً هنا. كنت أحبه، وهو يحبني- أو هذا ما اعتقدته على الأقل- كان دائماً يخبرني أنني يجب أن أعمل أكثر كي نستطيع توفير المال لنتزوج، وبعدها أتوقف عن العمل. كنت أريد أن أتزوجه لذا استمريت بالعمل سنة كاملة، ثم أخرى- وأكمل أخرى- وكلما حاولت أن أتوقف كان يهينني ويقول لي أنني فاشلة لا أعرف أن أفعل شيئاً آخر في الحياة».

في هذا الجزء «المكمل» من قصة (س) سنتوقف على ملاحظة هامة تكاد تكون العنصر ذاته في جميع حالات الاتجار بالنساء، ويحضر حتى في العلاقات الزوجية والعاطفية المسيئة للمرأة، إذ يعمد الطرف الآخر دائماً لتحطيم صورتهن عن أنفسهنّ، وإقناعهن بطرق مباشرة؛ أو غير مباشرة بأنهنّ غير قادرات على الحياة دون وصاية وإشرافٍ منه.

حتى المدرسة التي كانت حلمي الجميل تركتها، بعد أن تركتني والدتي للشارع. أذكر أننا اختلفنا ذات مرة بشكل كبير حول «زبون» يريدني أن أمارس معه الجنس بشكل عنيف ومؤلم؛ لم أعرف وقتها المقصود بكلمة «سادي» ولكن «داني» المفترض أن يكون زوجي في المستقبل، أجبرني على القبول. كانت النتيجة أنه نقلني في تلك الليلة إلى المشفى بين الحياة والموت.

كنت أستحق الحياة ولكنني لم أعِ ذلك. كنت أنظر إلى نفسي على أنني «رخيصة» وحيدة غير جديرة بالمساعدة. جاءت الشرطة في تلك الليلة إلى غرفتي في المشفى بحسب الإجراءات الرسمية- كما أخبروني- وسألوني عمن فعل بي هذا. تذكرت كلمات «داني» لي حين قال: «لا أحد سيصدق فتاة مثلك، انتِ لست ضحية، سيزجون بك في السجن«. لكنني تشجعت وأخبرت الشرطة بكل حكايتي… وليتني لم أفعل!

 

الشرطة: «أنتِ لست ضحية»

أربعة رجال من الشرطة قاموا بالتحقيق معي، كل على حدة، قاموا باستجوابي مرة بعد أخرى. قالوا لي أنني أتممت الثامنة عشرة منذ أيام، ولذا لم أعد قاصراً، ولست ضحية هنا، لأنني مارست هذا العمل بمحض إرادتي. طلبوا مني أن أروي لهم تفاصيل ممارساتي الجنسية مع الرجال. كيف يمكنني أن أخبر رجلاً كل أسلوبه في الكلام يشعرني بالإهانة عن أكثر ما يشعرني بالخجل؟ سألوني ذات الأسئلة مرات عدّة، وكنت أتلعثم فيتهمونني بالكذب. لكل إنسان سرٌّ خاص يشعره بالخجل أو بالعار، كيف يمكن أن يتحدث عنه أمام الناس بصوت عالٍ دون أن يتوتر؛ أو يخطئ في السرد؟ لا أفهم. ألا توجد امرأة واحدة في هذا القسم لتتحدث معي، قلتها بصوت عال؟

يبدو أن «داني» كان على حق. سأعمل على «لملمة» القصة وأحاول إغلاق القضية، وأعود إليه نادمة معتذرة، علَّه يسامحني ويعيدني إلى العمل. الشرطة والعاملون في المشفى كانوا ينظرون إليّ نظرة أسوأ من تلك التي أراها في عيون «زبائني» إذ كنت؛ وعلى الرغم من الأسى، أقول في نفسي على الأقل مع هؤلاء أشعر أنني إنسانة، يتحدثون إليّ عن أنفسهم وعن رغباتهم وفي أحايين كثيرة عن زوجاتهم، وهذا ما لم أفهمه حتى اللحظة!.

نسيّ الجميع؛ أو تناسى بعضهم تلك الفتاة المراهقة الصغيرة التي جَنت عليها والدتها ورمتها في ظلمات الحياة، حتى أنا نسيتها وبالتالي نسيت أنها كانت ضحية لرجل قرر أن يستغل حاجتها، ويتاجر بها كـ«سلعة جميلة» ويلعب بما تبقى من قلبها فتعطيه كل ما تجني. نعم أصبحت تلك الطفلة الناضجة رغم قسوة الحياة  وأتمت الثامنة عشرة لتصبح هدفاً سهلاً لمن يريد أن يزايد عليها، ويشعرها بالعار أكثر، الذي هو في الحقيقة عارهم.

 

مشروعية التحرّش في الشرق

أصبح كل الحي يعرفها بعد تلك الليلة، ويعرف عملها، فلا يحدثها أحدهم إلا ليتحرش بها أو ليشتمها. «نعم شكراً لكم جميعاً لقد عدتُ إلى صوابي، عدت إلى عملي، إلى التاجر الحبيب «داني» الذي يأخذ معظم أجري مقابل وعوده المستمرّة لي بالزواج. شكراً لرجال الأمن الذين منحوني كل الإهانات المبطنة والصريحة، ولم يتعبوا أنفسهم بطلب المرشدة الاجتماعية لدراسة حالتي، شكراً لوالدتي لأنها لم تصدقنِ عندما أخبرتها أنني لم أقم بأيّ عمل يجعلها تشعر بالعار، ومع ذلك أصرت على استجوابي لتقويل ما لم أفعله، شكراً للمجتمع الذي أخذ ما تبقى من روحي ومن كرامتي».

الاتجار بالبشر بهدف الاستغلال الجنسي ليس موضوعاً جديداً على مجتمعاتنا، وهذا في حد ذاته مشكلة كبيرة لأننا رغم الحداثة والتطور ما زلنا نعاني من الأمراض الاجتماعية والإنسانية ذاتها حتى اليوم. لم يستطع القانون بعد أن يوقف هذه الجرائم، والإحصائيات الدولية ما تزال مخيفة.

وفقاً لتقارير المنظمات الدولية الإنسانية، تتم اليوم المتاجرة بملايين البشر حول العالم للعمل بالمجال الجنسي (4.8 مليون ضحية حسب منظمة العمل الدولية، معظمهم من الأطفال والنساء) من أجل الحصول على قوت يومهم؛ أو على مكان للإقامة فقط، علماً أن التوقف عن العمل ليس خياراً بالنسبة للنساء العاملات في هذا المجال ليس بسبب تهديد الجهة التي تعملن لديها فحسب، وإنما أيضاً بسبب عدم تقبل المجتمع لعودتهن إليه كفتيات طبيعيات مثلها- مثل أيّ كائن آخر.

 

مجتمع «عاهر»

إنها وصمة العار التي يطبعها المجتمع على جبين كل فتاة «بائعة للهوى» بأنها أقل من مستوى باقي البشر، وأنها سلعة تستحق ما قد تتعرض له من الأذى، وكأنها أعطت موافقة مسبقة لكل الجرائم والإصابات والألم الذي قد يحصل معها. في حين هذه «الوصمة» يجب أن تكون على جبين هذا المجتمع الذي لم يرحمها. حتى عندما تتعرض إحداهن للاغتصاب لا تتعامل معها الشرطة كباقي الضحايا، ولكن أبسط ما يقال لها من قبل هؤلاء المختصين: أنتِ تعملين بالدعارة وهذا متوقع.

إن المجتمع الذي يواجهها بكلمات مثل: «تستحقين هذا، طبعاً أنتِ وضعتِ نفسك في هذا الموقف»، وغيرها من العبارات البعيدة كل البعد عن الإنسانية والواقع. وإذا ما أراد أحدهم شتم امرأة أول كلمة قد يستخدمها هي «عاهرة» لأن هذه الكلمة ارتبطت ثقافياً واجتماعياً بالعار والرذيلة، يجب أن يتم محاسبة المجتمع «المسيء» أولاً.

كثيرة هي النصوص القانونية والاتفاقيات الدولية التي تهدف إلى الحد من الاتجار بالبشر، وخاصة المتعلقة منها بالاستغلال الجنسي، ولكن هذه القوانين ليست كافية إذا لم يبدأ الحل من المجتمع ذاته الذي سبب المشكلة. كل منا واجه مواقف صعبة ومربكة ربما دفعتنا لاتخاذ قرارات قد تكون خاطئة أحياناً، أو متفاوتة في مدى صحتها، ومن حقنا رغم هذا أن تتم معاملتنا باحترام وإنصاف وإنسانية، أو بما يسمح لنا تلك القوانين من حقوق بعيداً عن الاجتهادات والفتاوى «الشرعية».

العاملات الجنسيات؛ أو فتيات الليل، هن ضحايا لظروف الحياة القاسية، قد تكون من التربية المجحفة؛ أو الحياة غير المنصفة، أو استغلال من وثقن بهم والحاجة لأساسيات الحياة… أن تكوني ضحية؛ هذا ليس خياراً، ولكن المساهمة بجعل إحداهن ضحية بعد تعرضها لهذا الكم الهائل من الألم هي الجريمة الحقيقة.

 

إعداد: غالية مردم بك – تحرير: سارة اسماعيل ومعتصم الطويل


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/VNjK5