أين العملاق الصيني من الأزمة السورية؟

د. أحمد يوسف (الحل) – تتقارب الآراء المتعلقة بالسياسة الخارجية الصينية في طبيعة تعاملها مع المعطيات الخارجية، وتكاد تُجمع حول نقطةٍ واحدةٍ تشكل محور تلك السياسة، وهي اعتمادها على العقيدة الكونفوشية المتسامحة والمتصالحة، كأهم مبدأ في بناء العلاقات بجميع مجالاتها مع البيئتين الداخلية والخارجية. لذلك اتسمت السياسة الخارجية الصينية بسيادة الطابع السلمي والتدخل السلبي في القضايا الدولية، أو ما يسمى بالدبلوماسية الناعمة، وخاصةً في الامتدادات الجغرافية التي تتقارب فيها المصالح الصينية من الحدود الدنيا، التي لا تمتلك تأثيرات سلبية على طبيعة النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي الصيني.

الصين بديلاً عن السوفييت

كان للطبيعة الناعمة للدبلوماسية الصينية وقعها الواضح في عموم منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في علاقاتها المبكرة مع سوريا والعائدة إلى عام 1954م، إذ بدأت توقيع معاهدة تجارية بعد خمس سنوات فقط من انتصار الحركة الماوية في الصين، وأصبحت لسوريا، نتيجة هذه العلاقة المبكرة، مكانةً استراتيجية في السياسة الخارجية الصينية باعتبارها موطئ قدم يمكن استثمارها في المصالح الصينية المتناقضة مع الغرب الرأسمالي، إلا أن تغيير شكل الحكم في سوريا والتقارب السوري السوفييتي أديا إلى حصول حالة تشبه الجمود في العلاقات الصينية-السورية، ومرور تلك العلاقات بمرحلة فتور نسبي لا تشوبها أية خلافات، واستمرت تلك الحالة لغاية سقوط الكتلة الاشتراكية في بداية العقد الأخير من القرن الماضي. وما لبث أن شهدت العلاقات الصينية-السورية تطوراً كبيراً نتيجة تداخل عاملين أساسيين يتعلق أحدهما برفع المظلة الاشتراكية السوفيتية عن سوريا، وبحث الأخيرة عن بدائل سياسية واقتصادية تساعدها في الاستمرار بمنظومتها السياسية القائمة في ظل التحديات التي فرضتها النظام العالمي الجديد. وقد وجدت ضالتها في التوجه شرقاً، وإعادة إحياء ما قامت به مع #الصين في مرحلة مبكرة من عهد سوريا ما بعد الاستقلال، إلى جانب إجراء بعض التغييرات في بنية نظامها الاقتصادي الذي انعكس في صورة تطور التبادل التجاري بين البلدين. أما العامل الآخر فيتعلق بالجانب الصيني، الذي قام بالإعلان عن إجراء تغييرات جوهرية في منظومتها الاقتصادية في عام 1978م، وذلك للولوج في المنظومة الاقتصادية العالمية وفق رؤيتها المختلفة جذرياً عن الرؤية الغربية. وقد تزامنت نتائج تلك التغييرات عالمياً بصورة واضحة مع انهيار الكتلة الاشتراكية، ومحاولة الصين لرفع وتيرة اهتماماتها الخارجية عبر استخدام الذراع الطويلة اقتصادياً والدخول في الأسواق العالمية كمنافس قوي للقطب الذي بات الأوحد في المرحلة التالية لأفول نجم الدول التي تبنت الاشتراكية العلمية.

في إطار استراتيجية الصين الجديدة في الشرق الأوسط، قام الرئيس الصيني «هو جينتاو» بزيارة سوريا في العام 2001م، واضعاً بذلك أسس تجاوز المنظومة القيمية المتوارثة في السياسة الخارجية الصينية، للدخول في حلبة الصراعات الدولية التي تفرضها، من جهة، والظروف الداخلية الصينية التي تسير نحو تعاظم حاجتها من موارد الطاقة، والتي يمكن تأمينها من الشرق الأوسط، ولا سيما من إيران الحليف القوي لسوريا. والتي تفرضها، من جهة أخرى، توسع دائرة النفوذ الأمريكية الممتدة إلى آسيا الوسطى والمحيط الهادئ، والتي تهدد المصالح الصينية المتعاظمة نتيجة تطور عمليات الإنتاج الداخلية، وتنمية الاستثمارات المحلية والخارجية فيها. لقد قوبلت هذه الزيارة الصينية الاستراتيجية بزيارة الرئيس السوري للصين في العام 2004م مترأساً وفداً اقتصادياً، يوحي بالتحول الكلي لسوريا نحو #الصين في سياساتها الخارجية، ولا شك أن ذلك كان مؤشراً للدول الغربية حول بناء تحالفات مضادةٍ لها في منطقةٍ أقل ما يمكن القول عنها أنها من نتاجات السياسات الغربية.

تقويض الدور الصيني… وظيفة غربية

لذلك أصبح العمل، أمريكياً، على تقويض الدور الصيني الجديد في الساحة العالمية، من أولويات السياسة الأمريكية في الألفية الجديدة. ويبدأ ذلك بتطبيق حزمة متكاملة من السياسات الفعالة، التي تؤدي إلى تحقيق تغييرات جذرية في العلاقات والتحالفات الدولية، وتأتي في مقدمة تلك السياسات الأمريكية بناء تحالفات عسكرية وتطويرها على الحدود الصينية وإجراء تغييرات بنيوية في النظم السياسية الشرق الأوسطية. مقابل ذلك قامت الصين، وعلى خلاف سياساتها المعتادة، وفي إطار محاولاتها القوية لتوسيع دائرة نفوذها سياسياً واقتصادياً، بإبراز مواقفها من خطط التغيير العالمية برعاية الولايات المتحدة الأمريكية عبر تغيير المنظومة السياسية الشرق الأوسطية بدءاً بالحدث العراقي الدموي ومروراً بالحدث السوري الأكثر دمويةً وتعقيداً، واتخذت موقفاً مناقضاً تماماً للولايات المتحدة في الحالتين المذكورتين، ولا سيما الحالة الأخيرة باستخدامها لحق النقض (الفيتو) أربعة مرات ضد القرارات التي حاولت الدول الغربية اتخاذها بخصوص #سوريا، منها مرتين ضد القرار بتنحي الرئيس السوري ومرة ثالثة لتطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يجيز استخدام القوة العسكرية ضد #النظام السوري، ومرة رابعة ضد إحالة الملف السوري إلى محكمة الجنايات الدولية.

للصين دورها في استمرار النظام السوري

بذلك استطاعت الصين أن تساهم، إلى جانب بعض الأطراف الدولية، في وقف السقوط الدراماتيكي للنظام السوري أمام قوى #المعارضة المدعومة إقليمياً ودولياً، وتمكنت من خلط بعض أوراق التوازنات الدولية، التي أدت إلى إطالة عمر الأزمة السورية دون معرفة الجهات المنتصرة فيها. وذلك على الرغم من غيابها الفعلي على الأرض السورية، وعدم مشاركتها عسكرياً إلى جانب الطرف الذي يحظى بتأييده وحمايته في المحافل الدولية، والذي يشكل خسارته خطراً جسيماً على المصالح الصينية المتكونة عبر بناء تحالفات اقتصادية وسياسية في المنطقة، ونخص بالذكر الشريك الإيراني الذي يمد الصين بما يقارب نصف احتياجاتها من النفط.

لقد حسمت الصين رؤيتها الخاصة بتوسيع دائرة مناطق نفوذها عالمياً، وأكدت على أهمية مجموعة الدول الشرق أوسطية، التي تشكل أطرافاً في محورها السائر باتجاه التكون، في بناء شبكتها الاقتصادية المعقدة والهادفة إلى إعادة تفعيل طريق الحرير البحري والبري الذي يربط بين (65) دولة في آسيا وأفريقيا وأوربا، لذلك تحاول حمايتها من الانهيار أمام قوة الأطراف العالمية الساعية إلى إجراء التغيير، إدراكاً منها أن سقوط شبكة حلفائها، وفي مقدمتها سوريا، ستؤدي إلى كبح جماحها في التوسع غرباً، كما أن احتمال مواجهتها لقوى صينية داخلية تتشابه في تكويناتها الدينية مع تلك التي تحارب النظام السوري، مثل مقاتلي الأقلية الأيغورية الفاعلة في بعض المناطق السورية، والحزب الإسلامي التركستاني، اللذين يتوقع في أي لحظة من نقل عملياتها العسكرية إلى الأراضي الصينية وإلهائها عن مشروعها الاقتصادي والمالي العالمي، خاصةً وأن الشارع الصيني قد حمل بعضاً مما شابه الربيع العربي في بداية عام 2011، حيث حصل حراك شعبي سلمي تحت مسمى «ثورة الياسمين».

الفيتو ضد قرارات المنظمة الدولية

لذلك يمكننا الجزم بأن جدية الموقف الصيني اتجاه الأزمة السورية، يعبر عن حالة التحول الجوهري في السياسة الخارجية، فهي لم تكن تلجأ إلى استخدام الفيتو ضد قرارات المنظمة الدولية بصفتها واحدة من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمم المتحدة، التي تملك ذلك الحق، وفي ذلك دلالة على المحاولات الصينية للدخول إلى ميدان معارك التغيير من طرفها المثبط لإجراء تغييرات جيوسياسية، ومحاولة حماية الخريطة السياسية في المنطقة من البقعة التي تستخدمها الدول الغربية مرتكزاً لإجراء تغيراتها التي تخدم استراتيجياتها الطويلة الأمد. وتؤدي إلى إيقاف المشروع الصيني المتمحور حول مجموعة من نقاط الارتكاز المناقضة لتلك الاستراتيجيات، والتي تركز في محصلتها على نقل مركز القرار الاقتصادي العالمي شرقاً عبر بناء منظومة اقتصادية ومالية قادرة على تحجيم دور المؤسسات المالية الغربية، وذلك في كل من بكين وشنغهاي.

فالتغير في العقيدة الصينية من الاعتماد على الدبلوماسية الناعمة إلى مواجهة القوى العالمية بأساليب أكثر قوة، ما هي إلا تعبير عن الحاجة الملحة للتطورات الهائلة التي يشهدها الاقتصاد الصيني والتي تفرض عليها الحضور في الساحات الدولية وإن كان ذلك بصورٍ مخفية نسبياً، أو ما يمكن أن نطلق عليه الحضور رغم الغياب، وتشير كل المعطيات بأن الصين مضطرة لأن تبقى لاعباً أساسياً في التوازنات الدولية المتجددة على غير ما تعاهدت عليه في تاريخها القريب نسبياً، وهي تعلم أن اللعبة الحقيقية بدأت من سوريا، ومصير الأطراف سيعلن من أرضها.

 

* الدكتور أحمد يوسف كاتب وأكاديمي كردي سوري، عمل عضواً في الهيئة التدريسية في جامعات سورية في الاقتصاد المالي والنقدي، وله العديد من المقالات والأبحاث والكتب المنشورة.


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/CgsNC