بين الاستثمار والتأجير ضاعت السيادة ومعها ملايين الدولارات

(الحل) – يتحفنا مسؤولو النظام السوري، وإعلامهم المطبل لسياساتهم بـ«الانجازات» التي ترافق السياسات الاقتصادية، وخصوصا تلك التي يكون فيها القطاع الخاص المحلي؛ أو الأجنبي شريكا فيها؛ أو مستثمرا مباشرا لأحد المرافق العامة، بقصص «النجاح» الافتراضية التي لا تتوقف، فجميع تجارب #الاستثمار السابقة مليئة بملفات الفساد وانعدام النتائج الإيجابية، ابتداءً من الشركة الفلبينية التي دخلت في عام ٢٠١٧ لتطوير مرفأ #طرطوس، مرورا بشركة «فرعون» التي فاحت منها  رائحة #الفساد بعد توقيع عقدها تطوير معمل اسمنت طرطوس، وصولاً إلى ملف الاتصالات الذي انتهى بتملك شركتيّ #الاتصالات لقطاع الخليوي بدلاً من عودتها إلى الدولة بعد مضي ١٥ عاماً، ولن يكون مرفأ طرطوس استثناء عن سواه…

فساد بـ«النكهة» الفلبينية

في عام ٢٠١٧، وتحت يافطة «تطوير» المرافئ السورية، تم توقيع عقد مع شركة فلبينية لتزويد مرفأ طرطوس بالحاويات بالتعاون مع بنك الاستثمار ٨ الأوروبي، بعقد تصل قيمته إلى 40 مليون يورو وحجم تعامل قدره 500 ألف حاوية، وكانت مدة العقد10 سنوات تبدأ من تاريخ 28/10/2007 لغاية 27/10/2017.

لم تستطع شركة محطة الحاويات في طرطوس تحقيق التزاماتها العقدية، ففي السنة الأولى كانت نسبة التنفيذ 61.32% وفي السنة الثانية 37.91% وفي السنة الثالثة 29.13%،  وفي السنة الرابعة 20.25% وفي السنة الخامسة كانت نسبة التنفيذ 14.17% وبذلك يكون مجموع ما استقدمته الشركة من حاويات خلال خمس سنوات هو /253333/ حاوية من أصل مليون وألفين وثلاثمائة وأربع وتسعين حاوية أيّ بنسبة تنفيذ مقدارها 25.27%.

وفي المحصلة، هربت الشركة بشكل مفاجئ منهية العقد بشكل غير شرعي، ما ترتب عليه عدم تسديد المبالغ المتبقية، فكيف يمكن أن نقدم منشأة إستراتيجية هامة كمرفأ طرطوس يحقق إيرادات سنوية تصل إلى 3.5 مليون دولار في حينه على طبق من ذهب إلى مستثمر أجنبي.

مجموعة «فرعون» هربت بنصف مليار ليرة!

في عام 2008 تم توقيع عقد مع مجموعة «#فرعون» للاستثمار، لإعادة تأهيل وتطوير الخطوط الإنتاجية (الأفران الأربعة) في شركة اسمنت طرطوس، بهدف رفع طاقتها الإنتاجية السنوية لتصل إلى كمية 2150000 طن، خلال مدة أربع سنوات ونصف، إلا أن حسابات الحقل لم تنطبق كعادتها على حسابات البيدر، ليعيش معمل اسمنت طرطوس قصة فساد هو الآخر، إذ إن كميات الإنتاج الفعلي لم تتطور بالشكل المطلوب، وكانت وفق الآتي:

– في عام 2008 بحدود /1195000/ طن من الاسمنت.

– في عام 2009 بحدود /1271051/ طناً من الاسمنت.

– في عام 2010 بحدود /1508444/ طناً من الاسمنت.

– في عام 2011 بحدود /1415479/ طناً من الاسمنت.

أي أنه، وبعد أربع سنوات من «التطوير» حيث أشرف العقد على نهايته، زاد الإنتاج بمقدار 220 ألف طن، أيّ أن نسبة تطور الإنتاج خلال أربع سنوات من مدة العقد لم تتطور إلا بنسبة 18.45%، وفي 15/4/2011 هربت مجموعـة «فرعـون» فجأة وتوقفت عن العمل كسابقتها الشركة الفلبينية، تاركة خلفها مستحقات مالية بقيمة 528 مليون ل.س، لم تسعَ الإدارة للمطالبة بها، ولم تتذكرها إلا بعد فوات الأوان، لتشكل بحد ذاتها ملف فساد من العيار الثقيل.

شركتيّ الاتصالات بعقد جديد حتى عام ٢٠٣٤

تحت شعار «التشاركية» مع القطاع الخاص دخلت شركتيّ «سيريتل» و “MTN” إلى السوق السورية بموجب عقد BOT”” ينتهي بعد ١٥ عاما، في ١٣ شباط من عام ٢٠١٦، حيث تكون حصة الدولة 30% في السنوات الثلاث الأولى، 40% في السنوات الثلاث التي تليها، و50% من إجمالي الإيرادات حتى نهاية العقد، وبعدها تصبح الدولة هي المشغل وتحصل على نسبة 100% من الإيرادات، إلا أن صفقة الفساد اكتملت مع بيع الشركتين وعند مدة العقد لـ 20 عاما إضافية، إذ تم تمديد عقد شركة «سيريتل» لغاية نهاية عام ٢٠٣٤، وكذلك منحت شركة MTN”” الترخيص ذاته حتى عام ٢٠٣٤، وجرى التخلي عن حصة الدولة، في الوقت الذي تقول فيه حكومة النظام، بأنها أحوج ما تكون إلى الإيرادات والأموال، فكيف لدولة أن تتخلى عن عشرات المليارات؟ وما هو المقابل؟

الصفقات الخاسرة

وفي الحديث عن الأموال الضائعة في دهاليز #الفساد من هذه الصفقات الخاسرة، فقد بلغت إيرادات شركات الاتصالات في الأشهر التسعة الأولى من عام ٢٠١٧ نحو 178 مليار ليرة (354 مليون دولار)، كما بلغت الأرباح الصافية لشركة «سيريتل» 58 مليار ليرة سورية (110 مليون دولار تقريبا) في عام ٢٠١٨، أيّ أن هذا المبلغ من حق الدولة السورية لأن الشركتين يجب أن تعود أرباحها بالكامل إلى الدولة، فالنظام السوري تخلى عن مليارات الدولارات لمصلحة شركتيّ الاتصالات خلال الـ١٥ عاما الماضية، وهو يتخلى اليوم عن حقه الطبيعي في إدارة هذا المرفق، تاركا مئات الملايين من الدولارات لشركتيّ الاتصالات.

كذبة مفضوحة

لن يكون حال مرفأ طرطوس أفضل مع الشركة الروسية، لا بل أنه سيكون بوابة جديدة للفساد تحت شعار توسيع المرفأ وتطويره، وما القول إن الاستثمار الروسي للالتفاف على العقوبات الأمريكية والأوروبية إلا كذبة مفضوحة، فروسيا ذاتها تعيش تحت وطأة عقوبات أمريكية غربية، واستثمارها للمرفأ لن يغير الكثير، فكيف لدولة أن تسمح بالسيطرة على بواباتها المائية مع العالم الخارجي، من إيران في اللاذقية إلى روسيا في طرطوس، أليست هذه المرافئ من القطاعات السيادية التي يجب الحفاظ عليها بيد الدولة؟ أم أن السيادة مجرد وجهة نظر بمنطق من يتشدقون بالسيادة الوطنية على الشاشات الموالية ليلاً ونهاراً…

 

إعداد: إبراهيم سلامة – تحرير: معتصم الطويل


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/AwrBm