رفع الدعم عن البنزين.. الأسد يمهّد للبنك الدولي لسحب القروض

(الحل) – ثمّة أبعادًا اقتصادية بعيدة المدى لقرار النظام السوري برفع الدعم تدريجيًا عن مادة البنزين في سوريا، والتي تُستخدم في سوريا بشكلٍ رئيسي في وسائط النقل العامة والخاصة.

لكن رفع الدعم عن البنزين ورفع سعره ليكون متوافقاً مع السعر العالمي لن يكون تأثيره في حدود رفع سعر المواصلات الخاصة والعامة وصعوبة التنقّل وحسب، بل يحمل هذا القرار عدّة مؤشّرات منها ما له علاقة بمحاولة إرضاء الجهات الدولية التي تمنح القروض، سواء البنك الدولي أو غيرها، تحضيرًا لاقتراض النظام السوري مبالغ مالية بالفائدة من هذه الجهات لتمويل عملية إعادة الإعمار المرتقبة في البلاد.

فضلاً عن ذلك، يعتبر مراقبون أن هذا القرار يأتي قبل بدء عملية إعادة الإعمار التي سوف تتطلّب كميات كبيرة من الوقود ومنه البنزين، ليشكّل حملاً إضافيًا على الشركات الأجنبية التي سوف تدخل سوريا لإعمارها.

رفع الدعم خارج البطاقة الذكية

وفي أواخر الشهر الماضي، حددت وزارة النفط والثروة المعدنية في حكومة النظام السوري شرائح الدعم المقدمة من مادة البنزين عن طريق البطاقة الذكية، حيث رفع القرار الدعم جزئيًا عن المادة وحصر المدعوم بهذه البطاقة.

وقالت الوزارة: “إن الآليات الخاصة والآليات العائدة للفعاليات الاقتصادية الخاصة سيكون لها 100 ليتر شهريًا، والدراجات النارية 25 ليترًا، والسيارات العمومية وآليات النقل الجماعي العمومية 350 ليترًا شهريًا بسعر 225 ليرة سورية”.

وبحسب القرار، فإن الآليات الحكومية التي تقل مخصصاتها عن 100 ليتر، سيُسمح لها بالتزود بالبنزين حتى 100 ليتر مثل السيارات الخاصة، والمولدات الكهربائية والجرارات والأدوات الزراعية.

وبخلاف هذه الفئات، فإن مادة البنزين سوف تباع بسعر التكلفة دون دعم ليكون ثمن الليتر الواحد ٣٧٥ ليرة سورية.

وقال وزير النفط والثروة المعدنية في حكومة النظام علي غانم: “إن الإجراءات التي اتخذتها الوزارة أسهمت بتأمين ما بين 50 و60% من الحاجة اليومية للمواطنين، من خلال فتح منافذ توزيع جديدة ونقل الوقود عبر الصهاريج لمعظم المحافظات”.

إغراء المؤسّسات المانحة

أما عن أبعاد قرار رفع الدعم عن البنزين خارج البطاقة الذكية، فاعتبر الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن النظام السوري يحاول “التغزّل بالجهات المانحة للقروض ولا سيما البنك الدولي”.

وقال الكريم لـ “موقع الحل”: “إن متطلبات الحصول على القروض من المؤسسات الدولية سواء كانت البنك الدولي أو أي حكومة أجنبية أو قروض من جهات مانحة أخرى، فلا بد أن يتطلب الأمر رفع الدعم عن الوقود”.

أما سبب طلب الجهات المانحة للقروض رفع الدعم عن الوقود، فيُرجعه الكريم إلى رغبتها بتخفيض الإنفاق الحكومي في الدولة المستفيدة من القروض، وذلك من أجل أن يكون لديها قدرة على سد الدين كاملاً والفوائد المترتّبة على هذا الدين.

وأضاف: “عندما يكون هناك دعم على السلع فإن جزء من إنفاق الدولة يذهب من خزينتها دون ان يولد عملة بالمقابل، وهذا يندرج ضمن الإنفاق الحكومي” موضحاً أن البنك الدولي يقصد برفع الدعم، أنّه يطلب من الدولة المقترضة ألّا تنفق أي أموال إلّا إذا كانت متأكّدة من أنّها سوف تحصل على أرباح مقابلها، وبذلك تصبح هذه الدولة قادرة على الإيفاء بالديون ودفع الفائدة كاملةً.

ويتوقّع اقتصاديون، أن يلجأ النظام السوري في المستقبل القريب، إلى الاقتراض بالفائدة من أجل تمويل عمليات إعادة إعمار البُنى التحتية المدمّرة في البلاد.

تحضير لعملية إعادة الإعمار

وفي سياقٍ آخر، فإن من مؤشّرات رفع الدعم عن الوقود، رغبة النظام السوري بالتملّص من منح الشركات الأجنبية التي سوف تدخل لإعادة إعمار البلاد، البنزين المدعوم، الذي يلزم هذه الشركات بكميات كبيرة للتنقّل.

ويعتبر الكريم أن “أساس عملية إعادة الإعمار هو رفع الدعم عن الوقود” لأن أي شركة أجنبية سوف تدخل البلاد لا بد ألّا تحقّق أرباحاً على حساب المواطنين، وبالتالي فإن استفادة الشركات الأجنبية من الدعم المقدّم للمواطن يُعتبر غبنًا بحق السوريين، كون هذه الشركات سوف تستخدم الوقود والبُنى التحتية، التي دفع ثمنها السوريون عبر عقود وسنوات من دفع تراكم الضرائب والعقود السابقة، معتبراً أن “رفع الدعم سيكون إجراءً عادلاً بين المواطن السوري والشركة الأجنبية”.

الدعم لا يحسّن بالقوة الشرائية

ويوضّح الباحث يونس الكريم، أنه في مثل الحالة السورية، فإن رفع الدعم عن الوقود هو شيء إجباري لأي حكومة كانت سواء نظام أو انتقالية أو معارضة، لأن الكمية الضخمة من الدعم لا تصل للسوريين الفقراء، وإنما تصل إلى ميسوري الحال، وبالتالي لا تتحسّن القوة الشرائية بالنسبة للعامة من السوريين، ويصبح الدعم عبارة عن تكاليف كبيرة تدفعها الدولة دون أن تحصل مقابلها على تحسّن للقوة الشرائية.

وأشار إلى أن دعم البنزين مثلاً يستفيد منه أصحاب السيارات وهم بالمجمل ميسوري الحال، في حين أن المواطن صاحب القدرة الاقتصادية المحدودة لا يشتري البنزين أساساً وبالتالي لا يعني له هذا الدعم شيئاً، وتستفيد الطبقات الغنية القادرة على شراء السلع المدعومة.

وبيّن أن المواطن العادي ينفق 70% من دخله على الغذاء و30% على التنقّل ما يجعله غير قادر على الاستفادة من الدعم، وهذا يُعتبر من أنواع الهدر الحكومي.

تأثير على التنقّل والمواصلات

وثّمة عدّة تأثيرات مباشرة على المواطن السوري من رفع الدعم عن البنزين، أبرزها على المواصلات، حيث تشير تقديرات إلى أن السوريين كانوا يستهلكون البنزين بنصف كمية المازوت قبل الثورة، ولكن أصبح الاستهلاك متساويًا بعد الثورة بسبب الاعتماد على وسائط النقل الصغيرة العامة على البنزين بشكلٍ كبير، وكذلك الاعتماد على مولدات الكهرباء صغيرة الحجم التي تعمل على البنزين أيضًا.

ويؤثّر ذلك على أسعار نقل المواطنين بين الريف والمدن، ما يؤثّر بدوره بشكل جزئي على الحركة الصناعية المحلية على مستوى المحافظات، والأنشطة الأخرى مثل نقل الخضار والسلع اليومية محلياً بالسيارات التي تعمل على البنزين.

إعداد: منار حدّاد – تحرير: مالك الرفاعي


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/1VnKi