البطريرك “صفير”…”الرجل الذي شهد حرب لبنان وسلامه وانهياره

لبنان (الحل) – ضج لبنان صباح الأسبوع الماضي بخبر وفاة البطريرك الماروني السابق، نصرالله بطرس صفير، عن عمر ناهز الـ 99 سنة، بعد أن كان شاع خبر وفاته قبل أيام ليتبين أنه خبر خاطئ وقتها، وأعلن رئيس الوزراء سعد الحريري، الحداد في البلاد ويوم عطلة رسمية للمؤسسات العامة والخاصة وتنكيس الأعلام.
لم يكن صفير شخصاً عادياً في لبنان والمنطقة، على الصعيدين الديني والسياسي، ويعترف له كارهوه قبل محبيه بدوره وتأثيره الكبيرين على مجريات الأمور في لبنان.

الكنيسة (بمعنى الطائفة) المارونية هي واحدة من الكنائس الشرقية الكاثوليكية، قديمة النشأة، سريانية الثقافة والأصل، مؤسسها -إن صح القول- هو مار مارون الناسك الذي عاش حياة قداسة في عرف المسيحيين. يتركز الوجود الماروني اليوم، في لبنان بالإضافة إلى وجود متواضع في سوريا والأردن وفلسطين وقبرص، وأيضاً على شكل جاليات في دول المهجر، فكل الموارنة منتنمون أصلاً إلى منطقتنا المشرقية.
أما البطريرك فهو منصب يشغله رأس الكنيسة المارونية أو غيرها، كما أن هناك بطريركاً لكل كنيسة أخرى، كبطريرك الروم الكاثوليك مثلاً، فيكون مسؤولاً عن مجموعة من المطارنة (الأساقفة)، المسؤولين بدورهم عن مناطق بعينها تضم كهنة يتابعون الشؤون الروحية للمؤمنين تحت إشراف المطارنة والبطريرك، ولا يعلو فوق البطاركة الكاثوليك إلا بابا الفاتيكان الذي لا يتدخل في الشؤون الداخلية التفصيلية.

ولد صفير في قرية كسروانية تدعى ريفون سنة 1920، أي العام نفسه الذي شهد إعلان دولة لبنان الكبير، درس صفير في مدارس محلية ومدارس دينية لبنانية، ثم في الجامعة اليسوعية قبل أن تتم سيامته كاهناً سنة 1950، فأسقفاً سنة 1961، وانتخب سنة 1986 ليكون بطريرك الطائفة المارونية. له العديد من الكتب والترجمات في الشؤون الدينية، وزار أكثر من 28 بلداً في إطار مسسؤولياته الروحية.
في بدايات سنة 2011 تقدم باستقالته التي قيل إنها جاءت بضغط من طرف الفاتيكان، رغبة في السماح لدماء جديدة بالجريان في شرايين المؤسسة الكنسية، وهو الأمر الذي قيل إن ندم ثار بشأنه لاحقاً مع فشل البطريرك الراعي، خليفة صفير، في الارتقاء إلى مستوى الآمال التي عقدت عليه، بينما انصرف صفير إلى حياة التأمل والصلاة.

تحمل صفير مسؤوليات جسيمة خلال الحرب الأهلية التي شهد سنواتها الأخير، فبعد سنوات ثلاث من انتخابه بطريركاً وفي موقف لافت من قبله إثر اغتيال مفتي الجمهورية اللبنانية حسن خالد بتفجير موكبه من قبل النظام السوري، أعلن صفير فتح أبواب الصرح البطريركي في بكركي لتقبل التعازي في اغتيال مفتي الجمهورية.
أيد صفير “اتفاق الطائف” الذي رأى فيه توافقاً دولياً على إنهاء الحرب، ورفض تعنت ميشال عون في ضرب الاتفاق والتمسك بكرسي السلطة في قصر بعبدا، وحدث أن اقتحم مؤيدو عون ذو الشعبية الهائلة وقتها المقر البطريركي في بكركي قرب مدينة جونيه حاملين صورة لعون، ومجبرين رئيس طائفتهم على الركوع وتقبيل صورة زعيم قائد الجيش المهووس بالسلطة.

رعى البطريرك الشهير الأصوات الحرة المناهضة لاحتلال جيش النظام السوري الأراضي اللبنانية، حتى أولئك من غير المسلمين، في الوقت الذي كانت التيارات السياسية الممثلة تقليدياً لـ “السنة” و”الشيعة” في لبنان توالي النظام السوري، بينما شهدت الأحزاب المسيحية تنكيلاً واضطهاداً غير مسبوقين، فكان صفير ومن حوله صوت حر في وجه تعسف النظام وأزلامه في لبنان حتى كان قول شهير للبطريرك الذي عرف ببراعته في اللغة العربية في هذا الشأن مفاده “لقد قلنا ما قلناه، ليس لسوريا في لبنان حلفاء بل لسوريا في لبنان عملاء”.

لم يكن ليخرج نداء المطارنة الموارنة الشهير سنة 2000 إلى العلن لولا شخص البطريرك صفير، فالبيان التاريخي الذي صدر بعد أشهر قليلة من انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، نص صراحة على المطالبة بانسحاب الجيش السوري من لبنان (أدناه الجزء المتعلق من النداء)، فكان خطوة غير مسبوقة من مرجعية بهذا الحجم تطالب صراحة وفي وثيقة مكتوبة وعلنية بهذا الانسحاب، فكان النداء خطوة أولى حقيقية في مسيرة دفع النظام السوري لسحب جيشه الذي تم بعد ذلك بخمس سنوات إثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.

العام نفسه شهد أيضاً خطوة غير مسبوقة بادر بها صفير في زيارة حاشدة إلى جبل لبنان لعقد مصالحة أتت بعد عقد من انتهاء الحرب مع “الدروز”، وعلى رأسهم زعيمهم التقليدي الأهم وليد جنبلاط، فكانت محطة انهت الصراعات السابقة وطوت صفحة المجازر والتهجير، وكانت خطوة إيجابية في مسيرة صراع طال لقرون بين “الدروز” و”الموارنة”. المصالحة اعتبرت رسالة شديدة السلبية ضد النظام السوري الذي اعتبر أن أي عملية توحد وتجاوز للخلافات بين المكونات اللبنانية ستنعكس عليه سلباً بالضرورة.

يقول مقربون من البطريرك الراحل إنه لم يكن عنصرياً في الحقيقة تجاه السوريين أو غيرهم، وربما كان ذو عقلية قديمة بعض الشيء، ولكنه كان شديد الحساسية تجاه الانتقاص من الحرية ومن احتلال جيش النظام السوري للأرض اللبنانية، ودور مخابراته التخريبي في طول البلاد وعرضها، الأمر الذي انعكس رفضاً من قبله لزيارة دمشق حتى في مناسبات دينية ضرورية مثل زيارة البابا إلى دمشق، ورغم وجود الآلاف من الموارنة في سوريا، مجيباً أحد الصحفيين على سؤال يقول: “متى نراك في زيارة لقصر المهاجرين؟” بالقول: “أين يقع قصر المهاجرين؟”.

يلوم تيار الممانعة وعلى رأسه حزب الله، رفض صفير التنكيل بـ “المسيحيين الجنوبيين” الذين تعاملوا مع إسرائيل خلال احتلالها جنوب لبنان، فالبطريرك رأى أن هذا التنكيل طائفي يتجاهل الدور “الشيعي” في التعامل مع إسرائيل المحتلة والتي كانت أمراً واقعاً لا مفر منه، ويركز فقط على “المسيحيين” الذين اضطر بعضهم إلى اللجوء إلى إسرائيل هرباً من تعذيبهم على يد ميلشيات حزب الله.
يؤخذ على صفير أيضاً أنه رفض إسقاط رئيس الجمهورية إميل لحود عن طريق الاحتجاجات في الشارع، بعد اغتيال رفيق الحريري، فهو الذي شهد تراجع دور المسيحيين السياسي بعد هزيمتهم في الحرب واتفاق الطائف لم يرد أن يسجل قبول البطريرك بسابقة اسقاط المنصب الماروني الأهم في الدولة بضغط شعبي خارج الأطر الدستورية التقليدية.

مات صفير عن شبه قرن من العمر، هو عمر الجمهورية اللبنانية الحالية، ليخسر لبنان هامة من هاماته الوطنية، وليبقى في الصورة البطريركية البطريرك الحالي الراعي الذي يبدو بعيداً عن إدانة النظام السوري على جرائمه وتدخلاته، وعن مأساة شعب الدولة الجارة، قاصراً تصريحاته واهتماماته السورية على اعتبار اللاجئين السوريين أخطاراً اقتصادية وأمنية واجتماعية!

المقطع المتعلق بانسحاب الجيش السوري من لبنان في نداء المطارنة الموارنة أيلول 2000
“وبعد أن خرجت إسرائيل، أفلم يحن الوقت للجيش السوري ليعيد النظر في انتشاره تمهيدا لانسحابه نهائيا، عملا باتفاق الطائف؟ وهل من الضرورة أن يبقى مرابطا في جوار القصر الجمهوري، رمز الكرامة الوطنية، ووزارة الدفاع، وفي ما سوى ذلك من أماكن حسّاسة يشعر اللبنانيون لوجوده فيها بحرج كبير، لكي لا نقول بانتقاص من سيادتهم وكرامتهم الوطنية.
لقد كانت هناك تصريحات تقول بأنه إذا انسحب الجيش السوري من لبنان، قامت فتنة فيه، أو إن وجوده أصبح جزءا لا يتجزّأ من السلم اللبناني، أو إنه ينسحب، إذا طلبت منه الحكومة اللبنانية الانسحاب. ومعلوم أنها حجج واهية لا تثبت أمام المنطق السليم: لن يكون فتنة في لبنان، إن لم يعمد أحد إلى إضرام نارها ، واللبنانيون ما اقتتلوا يوما إلا لأنه كان هناك من يبذر بذور الفتنة في ما بينهم.
وحرصا منا على توثيق أحسن علاقات الأخوّة بين لبنان وسوريا، وفي مطلع عهد فيها نريده لها زاهرا، نرى أنه قد آن الأوان لإعادة النظر في طريقة التعاطي بين البلدين بحيث يقوى أحدهما بالآخر، فيتكاملان تكاملا صحيحا، مفيدا لكليهما، وأن يعاد انتشار الجيش السوري في لبنان تمهيدا لانسحابة نهائيا عملا بالقرار 520، وباتفاق الطائف، وإبقاءً على ما بينهما من روابط تاريخية وجغرافية، وبين شعبيهما من وشائج قربى ونسب وصداقة ومصالح مشتركة. وفي اعتقادنا أن هذا هو السبيل الوحيد للحيلولة دون تفكك لبنان وزواله. وهو إذا كان متعافيا كان عونا لسوريا، وأما إذا ظلّ عليلا كان عالة عليها. ونحن نريد له ما نريده لسوريا من عزة وكرامة وازدهار وسلام”.

إعداد: رجا أمين – تحرير: رجا سليم


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/EIpR1