ماذا بقي من طقوس رمضان في دمشق… وماذا رحل؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

دمشق (الحل) – لم يعد رمضان الذي عرفه السوريون قبل العام 2011 هو ذاته الذي يعايشونه اليوم، فقد تبدّلت أحوال الناس وتغيّرت أوضاعهم، وتبدلت معها عادات وطقوس شهر الصيام، وتحوّل بشكل عام من شهر للاحتفاء بالعادات الشعبية والطقوس الرمضانية والموائد الشهية، إلى أيام مدارة للرزق، وتقشّف في الأحوال، والاكتفاء بموائد متواضعة أقل كلفة من تلك التي يتذكرونها.

 

أسواق الشام في رمضان

لا يُمكن أن يمرّ شهر رمضان دون أن ينزل أهل الشام إلى أشهر أسواقها، وهو سوق الجزماتية في حي الميدان، المنطقة الشهيرة بالحلويات العربية، والمشروبات واللحومات والأكلات الشعبية، حتى باتت مقصداً لأي مغترب أو سائح أو زائر من مدينة أخرى.

يزدحم سوق الجزماتية عادة يومي السبت والأحد بالزوار الأردنيين واللبنايين، لكن في مثل هذه الأيام، يزدحم بأبناء دمشق، وإن كان كثيراً منهم يفضل أن يتم جولته من أجل متعة المشاهدة لا متعة الشراء، فيلتقط البعض عدة صور، ويشتري حاجات خفيفة، ويمضي من السوق مسرعاً.

ويضم السوق ثلاثة أنواع من المحلات، الأولى هي تلك الشهيرة والفاخرة، والتي لا زالت تبيع المعمول بالفستق، ويتراوح سعر الكيلوا الواحد من ثمانية وحتى عشرين ألف ليرة سورية، بحسب ما يحتويه من سمن وفستق، وهو مبلغ لا يستطيع تحمله معظم العوائل الدمشقية.

وتبيع هذه المحلات أيضا المبرومة الفاخرة، ويبدأ سعر الكيلو بعشرة آلاف، أو البرازق النخب الأول، وسعر الكيلو وسطياً حوالي خمسة آلاف ليرة سورية.

أما النوع الثاني من المحلات، فهو المخصص للحلويات الأكثر شعبية، مثل العوامة والغريبة والعجوة والقطايف بالقشطة والمعمول بحشوة أقل، ويتراوح سعر الكيلو من هذه الحلويات من ألف وحتى أربعة آلاف ليرة سورية، وهو مبلغ يمكن لبعض العوائل تحمّله.

أما النوع الثالث من المحلات، فهو البسطات الممتدة على طول الشارع، والتي تبيع الناعم، والعرقسوس، والتمر هندي، والجلاب، والليمون، وهي المواد التي ترغب بها معظم العوائل لرخص سعرها، فطبق الناعم بـ 500 ليرة، وكيس الليمون أو الجلاب بـ 400 وكيس العرقسوس بـ 200 ليرة سورية.

وليس بعيداً عن حي الميدان، ينشط في شهر رمضان أيضاً سوق باب سريجة، والذي يشتهر ببيع خبز المعروك، وأنواع التمور، وكل ما يلزم المائدة الرمضانية من خضراوات وفواكه مثل الباذنجان والبندورة والخس ومستلزمات أطباق السلطات والفتوش.

وبقيت الحركة مزدحمة في هذه الأسواق كما كانت قبل العام 2011، لكن القدرة الشرائية للمواطنين هي التي تغيرت وتبدلت وتراجعت بنسبة كبيرة.

 

المسحراتي والحكواتي

حتى عامين فائتين، بقيت أصوات طبلات المسحراتي تقرع في دمشق القديمة، بين أحياء العمارة والشاغور وصولاً إلى الميدان والزاهرة، وظلّ الطقس حكراً على الجزء القديم من المدينة وما حولها، دون أن يكون له أثر في مناطق المزة وأبو رمانة أو الشعلان أو شارع بغداد.

لكن هذا العام، اختفى رسمياً المسحراتي بزيّه الشعبي، وصوته وكلماتي التي كان ينادي عليها كل ليلة “يا نايم وحّد الدايم.. يا نايم وحّد الله..”، وبقي واحد أو اثنين منهم يقومون بتلك الجولات في الأيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان، من أجل أن يحظوا بالعيدية في نهاية الشهر، أو الإكرامية في يوم الجمعة.

ومع تقدم التكنلوجيا، وتواجد كل وسائل التنبيه من أجل الاستيقاظ في وقت السحور، لم يعد للمسحراتي دور أو أهمية إلا للحفاظ على هذه العادة كجزء من تراث شهر رمضان في سوريا.

وبات من الصعب إقناع أبناء الجيل الحالي أن يمتهنوا هذه المهنة عن آبائهم وأجدادهم بعد أن توفي معظم المسحراتية الأصليين.

وعلى عكس المحسراتي، تنشط مهنة الحكواتي في شهر رمضان، لتصبح جزءاً أساسياً من عروض أي مطعم، وتقدّم فقرة المسحراتي بعد الإفطار، يتخللها رقصات فلكلورية مثل رقصات المولوية الشهيرة.

ويتحول طقس المسحراتي في قهوة النوفرة الشعبية الشهيرة بدمشق القديمة، من حدث اسبوعي إلى فترة يومية بعد صلاة التراويح، يقوم فيها حكواتي شعبي بتلاوة بعض القصص التاريخية القديمة، بعد أن يرتدي طربوشاً وزياً شعبياً، ويجلس وحوله الناس وهو يشربون الشاي والنرجيلة.

 

مدفع رمضان

غاب مدفع رمضان عن طقوس أهل دمشق السنوية بعد العام 2011، ولا سيما بعد أن تمركزت المدافع الحقيقية على قمة جبل قاسيون، ولم تهدأ هذه المدافع طيلة سنوات إلى أن انتهت العمليات العسكرية في دمشق ومحيطها قبل عام تقريبا.

وربما مدفع رمضان هو واحد من من العادات النادرة التي لا يشتاق إليها سكان دمشق، ولا يتمنون عودتها، إذ لا زال صوت قذيفة المدفع تخلف إحساساً بالخطر وتولد شعور بالخوف لدى الأطفال والكبار على حد سواء.

وكان أبو رائد زرزور من حي العمارة، قد تحدث في وقت سابق لموقع الحل عن ذكرياته مع مدفع رمضان ويقول لموقع الحل «كنا نركد لنصعد إلى السطح قبيل مغيب الشمس بقليل، وكان بيتنا مرتفعاً ومطلاً على حي قاسيون، ونترقب لحظة إطلاق قذيفة المدفع.. نعلم أن الصوت عادي لكني مع ذلك كنت أخشى على أذني فأضع أصابعي فيهما، ونضحك جميعاً حين تطلق هذه القذيفة وننزل مسرعين للبدء بالطعام».

يتابع أبو رائد وقد بلغ من العمر ستا وستين عاما، ويقول «خلال الحرب، بات صوت المدفع إيذاناً بالخطر وإشعاراً بأن المعركة قد بدأت، وبتنا نستيقظ عليه كل صباح وننام على صوته مساء، وغابت كل الذكريات السعيدة مع هذا السلاح.. مع كل قذيفة ربما هناك أحد ما قد فارق الحياة.. واليوم وقد انتهت هذه الأصوات أقول أني لا أريد سماع صوت المدفع أبدا.. هو ذكرى سيئة.. تنذكر وما تنعاد».

 

مسلسلات رمضان وصلاة التراويح

بات السباق الدرامي المحتدم بين شركات الإنتاج واحداً من أبرز سمات شهر رمضان، الذي يحشد أعمال الدراما ويعرضها دفعة واحدة في وجبة مركزة خلال ثلاثين يوماً، وصارت عادة متابعة المسلسلات جزءاً من طقوس رمضان، إذ يتجه البعض إلى تقسيم المسلسلات بحسب المحطات وأوقات بثها، ويتابعونها حتى أوقات متأخرة من الليل، وصار هناك مسلسلات مقترنة بشكل مباشر بشهر رمضان، مثل باب الحارة وبقعة ضوء.

ومع ذلك، لا زال الكثير من سكان دمشق يفضلون التوجه إلى الجوامع والمساجد بعد الإفطار لأداء صلاة التراويح بدلاً عن متابعة المسلسلات، ولا سيما في العشر الأخير من شهر رمضان، إذ يشهد اكتظاظاً في المساجد ويفترش المصلون الأرض في بعض الجوامع، لا سيما في ليالي القدر.

 

إعداد: سعاد العطار – تحرير: سامي صلاح


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/Das7a
سامي صلاح

سامي صلاح

محرر في قسم الأخبار بموقع الحل. مهتم بمتابعة النزاعات وأخبار القوى المتشددة والجماعات الإرهابية.
المزيد