بغداد 32°C
دمشق 28°C
الأحد 20 سبتمبر 2020

السينما العراقيّة.. ذكرياتٌ جميلة تُقابلُها مواجِعٌ لا مُتَناهية


ذَبُلَت السينما العراقية واندثرَت، حالُها كحالِ كل ما انهدَمَ وانمحى في العراق نتيجَة الحروب التي لم تترك للبلاد أيُّما مَجالً أو وقتٍ للعيش في حياة طبيعية، وانحسَرَت النتاجات السينمائية، وبالكاد ترى عمَلاً يظهر للنور منذ سنوات ما بعد 2003 وإلى اليوم.

—————————————————-

بغداد – علي الكرملي

عرف العراقيون السينما للمرة الأولى عام 1911، عندما شيَّد بعض التجار أول دار عرض للسينما في البستان الملاصق لـِ العبخانة (منتصف شارع الرشيد حالياً)، لتكون تلك هي البداية الفعلية للعراقيين مع #السينما.

جذبَت دور السينما الجمهور العراقي نحوها، حيث صارت محور اهتماماتهم الرئيسة، فصار الناس يحضرونها من مختلف طبقاتهم الاجتماعية، الثقافية والاقتصادية، من مختلف الأجناس والأعمار.

بقيت السينما صامتة حتى عام 1931، حينذاك عُرِض أول #فيلم_سينمائي ناطق في #العراق، وكان اسمه (#ملك_الموسيقى)، لتُعَد الطفرة النوعيَّة تلك هي الأساس في جذب أضعاف من الجمهور نحو دور السينما بعد عقدين كاملَين من السينما الصامتة.

سينما “الحمراء” – إنترنت

بُعيد ذلك العَرض، وبعدَ مشاهدتهم للجمهور الضخم الذي ارتاد (سينما الوطني) لمشاهدة أول فيلم سينمائي ناطق، قام العديد من التجار بإنشاء دور عرض سينمائية، تمركزت جلُّها في #شارع_الرشيد برصافة #بغداد.

ومن تلك الدور التي شُيِّدَت (#سينما_الرافدين، #روكسي، #الملك_غازي، #الزوراء، #ركيس، #ديانا، #الحمراء، والارضوملي) والأخيرة هي أول دار سينما أُنشِئَت في كرخ العاصمة العراقية.

تُعَد فترة الثلاثينيات هي الذهبية في إنشاء الدور السينمائية، استمر التجار في تشييدها حتى وصل عددها عام 1950 نحو 82 داراً، نصفها (41) داراً صيفيّة مكشوفة.

#السينما_العراقية بقيت مستوردة للأفلام الأجنبية والمصرية حتى عام 1946، عندما تم إنتاج أول فيلم سينمائي عراقي – مصري (فيلم ابن الشرق) لتتوالى بعدها الأفلام العراقية المشتركة حتى عام 1952، في ذلك العام أُنتِجَ فيلم (فتنة وحسن)، ليكون هو أول فيلم عراقي خالص يُنتَج بعد 41 عاماً من دخول السينما إلى العراق.

الفترة الذهبيّة والبداية الفعليّة

الفنان والممثل السينمائي “سامي عبد الحميد”، يقول: «حققت السينما العراقية نجاحات جيدة في منتصف القرن الفائت، بخاصة في الستينيات والسبعينيات (الفترة الذهبيَّة)، فضلاً عن مشاركتها في العديد من المهرجانات العربية والأجنبية وحصدها عدد من الجوائز المهمة في تلك الحقبة، لعل أبرزها حيازة (فيلم الحارس) جائزة مهرجان قرطاج السينمائي بعد عرضه عام 1967».

 “سامي عبد الحميد” – فيسبوك

“عبد الحميد” يُضيف في حديثه لـ ”الحل العراق“، أن «الخمسينيات هي أساس السينما العراقية، كونها كانت البداية الفعلية لها، كان أول فيلم سينمائي لي هو (من المسؤول) عام 1956، تلاه فيلم (نبوخذ نصر) لتستمر حكايتي مع الفن السابع حتى مطلع الألفية الثالثة»، يستذكر عبد الحميد أيام أول تجربة سينمائية له والتي تعود إلى 63 عاماً.

ترك خانة السينما منذ أن شعر بتدهورها، فهو لا يرضَ لنفسه أن يبقى في عملٍ عابر لأجل المال، «تركتها وبقيتُ في مجال الدراما، حينما كانَت لدينا دراما حقيقية أصيلَة، أما اليوم فلا سينما ولا دراما»، يضيف “عبد الحميد”.

من بعيد لأجل السهر مع السينما

“أبو رسول” /رجلٌ سبعيني/، يحكي عن ذكرياته مع السينما بالقول، «كنتُ من عشّاقِها وروادها، أُتابعُ كل جديدها بشغف، وأحضرُ جُلَّ العروض دون كلل أو ملل، كانَت شبابيك التذاكر تُحاصَرُ من كل صوبٍ وَحَدب، وتُباع كلها قبيل موعد العرض لأي فيلم بيومين».

«الحقبة الذهبية بالنسبة للعوائل العراقية امتدَّت من منتصف الستينيات إلى نهاية السبعينيات، وربما مطلع الثمانينيات، إذ كانَت الاوائل في تلك الفترة الزمنيَّة تخرج من بيوتها وتأتي من مناطق بعيدة لتسهَرَ ليلاً في دور السينما المتوزعة على امتداد شارع الرشيد»، يُبَيّنُ “أبو رسول”.

مضيفاً في حديثه لـ ”الحل العراق“، «تجِدُ المرأَةُ هي من تجلب اولادها وتحضر بكل لهفة إِن تعَذَّرَ زوجها عن الحضور، لم تكن هناك موانع، بل على العكس كانت السينما المُتَنَفَّسُ الأكبَر للمجتمع العراقي، ليسَ كَما جيلُ اليَوم».

السينما العراقية ذَبُلَت واندثرَت حالُها كحالِ كل ما انهدَمَ وانمحى في العراق نتيجَة الحروب، لم تترك الحروب للبلد أيُّما مَجالً أو وقتٍ للعيش في حياة طبيعية، انحسَرَت النتاجات السينمائية، وبالكاد ترى عمَلاً يُظهر للنور منذ سنوات ما بعد 2003 وإلى اليوم.

سبَبٌ يَعلو الأسباب 

«ثمَّةَ العديد من الأسباب والمُسَبِّبات التي جعلَت منُ السينما أن تختفي، وبالطبع كل تلك الأسباب تعود نتيجة السبب الرئيس وهو الحروب، ذلك السبب هو الذي خلقَ كل الأسباب المُتَتالِيَة»، يقول “كاظم القريشي”، مدير عام دائرة السينما والمسرح سابقاً.

“كاظم القريشي” –  إنستجرام

ويُضيف، «من الأسباب التي أدَّت إلى انكماش السينما، التقشف المالي، وغض بصرَ الحكومة عن تخصيص الأموال لقطاع السينما، فضلاً عن تهديم الدور السينمائية وتحويلها الى مخازن ومحلات وأسواق تجارية لم تترك أي أثر يدل عليها، هذا بالإضافة إلى تركِ التجار في القطاع الخاص دعمهم للسينما، فالقطاع الخاص كان الأكثر دعماً، كان التجار هم من يُؤسّسون دور السينما ومن يرصدون الأموال للنتاجات السينمائية؛ لأنها كانت تدرُّ عليهم بأرباح طائلة».

«لكن الوضع العام في البلد بعد 2003 جعل منهم يهجرونَ العراق وينشغلون في المجالات التجارية الأخرى بعيداً عن السينما والدراما، فالسينما تحتاج إلى توافر المعدات الإنتاجية في الميدان، وأماكن تصويرية وغيرها من الأمور، وتلك تشكّل خطراً على حيَواتهم، فهم لا يجازفون بأنفسهم وأموالهم لأجل الخطَر»، يوضح “القُرَيشي” لـ ”الحل العراق“.

ما علاقة الإعلام؟

المخرج السينمائي “محمد الدراجي”، يقول لـ ”الحل العراق“، «إن السينما لم تنتَهِ ولم تختَفِ، بل لا تزال موجودة، وأنا شخصياً عملتُ الكثير من الأفلام السينمائية منذ 15 عاماً مضَت وحتى الحين، أنتجنا أفلاماً في عز الطائفية والحرب مع اميركا».

 “محمد الدراجي” – إنترنت

«ثمّة العديد من النتاجات التي عملناها، منها فيلم ”احلام“ الذي انجزناه عام 2005 في عز الطائفية، حيث تناول الفوضى وحالة الارتباك في العراق التي سببتها الحرب عقب ثلاثة عقود من الديكتاتورية، الفيلم عُرض في أكثر من 125 مهرجان سينمائي عالمي، وحصل على جوائز كثيرة تزيد عن 22 جائزة، وكان الفيلم الذي يمثل العراق في الأوسكار وجولدن جلوب عام 2007»، يُبَيَّن “الدراجي”.

مضيفاً، «أنتجنا أيضاً فيلم “ابن بابل” وفلم “تحت رمال بابل” في 2013 وحاز على جائزة أفضل فيلم عربي وقتها».

عازياً سبَبَ عدمَ اقبال الجمهور نحوَ السينما إلى الإعلام، «فالإعلام هو من يُوَجّه الجمهور، بينما الإعلام يغض الطرف عنها، بل حتى في عرضه للأفلام السينمائية، هو يعرض الأفلام المصرية القديمة، ولا يُعيدُ عرضَ  الأفلام العراقية مُطلقاً».

موجودة لكنها مُغَيَّبَةف

الفنانة العراقية “هديل كامل” تقول لـ ”الحل العراق“، «استبشرنا خيراً بعدما انتشرت في السنوات القليلة الماضية سينَما المولات، وهي خطوة جيّدة للعودة بالجمهور نحو السينما، لكن وللأسف تلكَ الدور السينَمائية لا تعرض أي فيلم عراقي – لا جديد ولا قديم».

 “هديل كامل” – تويتر

«تبيّن أنها سينما تجارية مقتصرة على أحدث الأفلام السينمائية الأجنبية، وتترك السينما المحلية بعيداً عن رؤيتها، ما يزيد في تفريق المشاهد العراقي عن السينما العراقية التي هي موجودة فعلياً لكنها مُغَيَّبَةٌ عن أنظار الجمهور في الشاشات والدور»، تُضيف “كامل”.


الصورة الرئيسة –  أرشيفية


التعليقات