المرأة في الهندسة المدنية… العمل الميداني ليس عائقاً

(الحل)- تواجه المهندسات المدنيات انتقادات عدة وصعوبة في تقبل عملهنّ الميداني في العديد من المجتمعات، حيث تعتبر الهندسة المدنية من المهن الشاقة والشيقة في الوقت نفسه والتي أثبتت فيها المرأة حضورها ونجاحها من خلال أسماء عدة تميزت وأبدعت في المجال.

وتعد الهندسة المدنية من المهن التي أسهمت في رقي المجتمعات وبناء الحضارات ونقل الإنسان إلى مستوى أفضل من الرفاهية وسبل المعيشة، وارتبطت هذه المهنة بالآثار العظيمة التي تعود إلى أقدم الحضارات المتواجدة منذ ما يزيد عن 3000 عام، فهي مهنة يمتزج فيها الفن والإبداع مع التخطيط والعمليات الحسابية ومبادئ الفلسفة الطبيعية.

فالهندسة المدنية هي واحدة من أقدم التخصصات الهندسية، إذ استُخدام مصطلح الهندسة المدنية للمرة الأولى في القرن الثامن عشر لتمييزه عن الهندسة العسكرية التي كانت أكثر أنواع الهندسة شيوعًا في الحضارتين اليونانية والرومانية.

فرص العمل
وتُتيح مهنة الهندسة للعاملين/ات فيها مكانة مرموقة ودخل مالي وفير، وهي تهيئ للخريجين فرصًا متعددة وتفتح أمامهم أبوابًا واسعة في القطاعين العام والخاص، لتشعبها وتنوع اختصاصاتها، وتزداد الحاجة إليها في يومنا هذا لارتباطها بتسهيل حياة الناس وجعلها أكثر أمانًا مع تطوير المباني والطرق والجسور والأنفاق والسدود والسكك الحديدية والمطارات وأنظمة الري والمياه والصرف الصحي وقنوات الملاحة البحرية وغيرها.

وتشمل فرص العمل المتاحة للمهندس/ة المدني/ة على مراحل التصميم والإشراف على التنفيذ وصيانة المنشآت والتخطيط الهندسي والإدارة الهندسية والتطوير، وبإمكانهم العمل في المكاتب الهندسية أو شركات المقاولة أو في الوزارات والمؤسسات الحكومية كالداخلية والدفاع بأقسامها الهندسية، وفي إدارة البلديات والمدن.
فروع الهندسة المدنية:
هندسة الإنشاءات، هندسة النقل والمواصلات، هندسة التربة والأساسات، هندسة مصادر المياه والصرف الصحي.

مقتضيات المهنة
يتطلب العمل في مهنة الهندسة المدنية مواكبة كل ما هو جديد من برامج خاصة بالتصميم ومواد ومعدات البناء المبتكرة، كما يقتضي تحلي العامل/ة فيها بالثقة بالنفس، والقدرة على تنظيم العمل وتوزيع المهمات على الفريق واتخاذ القرارات الصحيحة، والتحلي بمهارات التخطيط الجيد، بالإضافة إلى الشخصية الاجتماعية القادرة على كسب ود الآخرين والتعامل مع أنماط الشخصيات المتنوعة وحب العمل ضمن فريق.

فكيف استطاعت المرأة إثبات نجاحها في مهنة الهندسة المدنية رغم الصعوبات والانتقادات التي تواجهها؟ وما هي كواليس العمل في المهنة؟

أسئلة وجهناها للمهندسة رشا صابوني، العاملة في مجال الهندسة المدنية وهندسة النفط على مدار 14 عامًا، بدأتها كمهندسة متدربة ومن ثم عملت كمهندسة جودة فمديرة جودة في عدد من الدول منها سوريا ومصر وألمانيا ودبي، وهي تعمل حاليًا في كندا كمديرة جودة لمنطقة المقاطعات الكندية الإنجليزية.

تشاركنا رشا تجربتها المهنية كما تقدم بعض النصائح للمبتدئات في هذا المجال أو الراغبات بالعمل به.

تروي رشا لـ “الحل” أسباب اختيارها التخصص في مجال الهندسة المدنية، إذ أنها تأثرت بعمل والدتها ووالدها كمهندسين، وكانت تراقب عمل والدتها في تنفيذ الحسابات ودراسة الإنشاءات الهندسية، وتخصص والدها في العمل بالورشات كمصمم ومهندس تنفيذي، وكانت والدتها بمثابة قدوتها في الحياة تحلم بالسير على خطاها في العمل وجميع شؤون الحياة.

ومما زاد من حماس رشا الكبير نحو المهنة هو شغفها بمادة الرياضيات التي كانت تبرع فيها منذ صغرها، خاصة وأن مهنة الهندسة تتطلب البراعة في هذا المجال.
وإلى جانب ذلك أحبت رشا العمل في مهنة الهندسة المدنية لما تتيحه هذه المهنة من التعامل مع عدد كبير من الأشخاص الذين يعملون في مكان واحد وضمن فريق واحد وكأنهم عائلة واحدة، وهو ما يتناسب مع شخصيتها الاجتماعية المحبة للتواصل مع الآخرين.

صعوبات يعاني منها كلا الجنسين
وعن صعوبات المهنة تبيّن رشا أنها كغيرها من المهن تتطلب الصعود على السلم خطوة بخطوة، ففي بداية المسيرة المهنية يتوجب على المهندس العمل في الورشات والتي قد تكون على مسافة بعيدة، وفي ظروف الطقس الباردة جدًا أو الحارة جدًا وهو ما يشكل صعوبة على العاملين في هذه المهنة من كلا الجنسين، وبعدها يمكن العمل في المجال الإداري أو اختيار البقاء في الورشات، كما يمكن أن يسبب العمل ضمن فريق السعادة للشخص أو التعاسة، وذلك بحسب طبيعة الأشخاص المكونين للفريق.

البعض لا يتقبل تلقي الأوامر من أنثى
وتضيف رشا أن صعوبات أخرى تُلقى على كاهل المهندسة كامرأة، بسبب نظرة العاملين في المجال لها وعدم تقبل بعض الرجال أن تكون المرأة مشرفة على عملهم أو أن يتلقون الأوامر منها، خاصة إذا كانت تصغرهم بالسن إذ أنهم ينظرون إليها نظرة “احتقار” و”تقليل من الشأن”، خاصة وأن العاملين في هذا المجال يتعاملون في الغالب مع الرجال ولا يرون سوى الرجال لأن نسبة الفتيات في المهنة لا تزال قليلة جدًا حتى يومنا هذا في جميع دول العالم.
وتشير رشا إلى أنه كونك أنثى في هذا المجال هو سلاح ذو حدين ففي الوقت الذي يتيح اللطف في التعامل مع الآخرين إيصال الأفكار إلى الزملاء بشكل سلس، إلا أن البعض منهم قد يحاول تحصيل أكثر من حالة زمالة ولذلك يجب وضع حد لهؤلاء بالكلام والتصرفات.

مواقف في المهنة
وتشاركنا رشا حادثة شخصية تعرضت لها في حياتها المهنية كونها أنثى، ففي أثناء عملها بمجال النفط بالصحراء في مصر مع فريق جديد، كان عليها بالبدء إجراء بعض الفحوصات الطبية، وكانت أمام خيارين إما أن تجريها بمستشفيات تقبلها الشركة أو لدى الطبيب المشرف في الفريق، ورغم إحضارها كل نتائج الفحوصات المطلوبة من إحدى المستشفيات إلا أن الطبيب المشرف كان مصرًا على إجراء هذه الفحوص بنفسه مرة أخرى في إحدى الكرفانات وأخبرها بأنه إجراء ضروري، وثقت رشا به لكونه طبيب ولكنها توجّست خيفة منه عندما أغلق باب الكرفانة وقد كان وحيدًا بلا مساعد أو مساعدة، وعندما راح يلمس جسدها بطريقة غريبة همّت بالخروج لتجد الباب مقفلًا وهو ما أكد سوء نوايا الطبيب، وبأن الوضع لم يكن طبيعيًا.

قدمت رشا شكوى ضد الطبيب لمدير الفرقة الذي حاول أن يقنعها بعدم رفعها لكنها أصرت على ذلك خاصة عندما سمعت من شريكتيها في السكن ـ وكانتا روسيتين ـ تعرضهما لنفس التصرفات من ذات الطبيب، وبعد رفع التقرير بثلاثة أيام طُلب منها الذهاب إلى مكتب الشركة الرئيسي بمصر حيث قدمت محامية استرالية ومعالجة نفسية أمريكية، أخبرتها المعالجة حينها أنه يمكنها العودة إلى بلدها أو أخذ إجازة مفتوحة حتى تتمكن من التعافي مما حلّ بها من حالة نفسية سيئة، إلا أن ما زاد الوضع سوءًا كانت ردة فعل أعضاء الفريق الذين راحوا ينظرون إليها شزرًا وكأنها هي من كانت المخطئة، ورغم كونهم لا يعرفونها مسبقًا أخذوا يلقون عليها التهم والتحليلات السلبية ويدافعون عن الطبيب واصفين إياه بالشخص المتدين وبأنه لم يقم بارتكاب أي أخطاء أمامهم مسبقًا، ونتيجة لذلك طلبت رشا نقلها إلى موقع آخر لكنها وبعد نحو أربعة أشهر من الحادثة عادت لترى الطبيب مرة أخرى في مكان العمل فشعرت بالانزعاج الشديد، إذ أنه كان من المفترض أن يتم فصله من العمل بعد فعلته خاصة وأنه طبيب وقد استغل مهنته.

وبعد الحادثة طلبت رشا إجازة لمدة أسبوعين، لتبدأ بعدها الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2007 والتي أثرت بشكل مباشر على عالم النفط وأسفرت عن إغلاق جميع مواقع العمل في مصر والبالغ عددها حينها 16 موقعًا لم يبقَ منها سوى واحد فقط، وبعدها انتقلت رشا للعمل في شركة أخرى تدعى بترو كندا.

نصائح للمبتدئات في المهنة
تنصح رشا الفتيات الراغبات في خوض غمار العمل بمهنة الهندسة المدنية، بأن تدركن منذ البداية بأن الطريق طويل للوصول إلى مكان ومستوى جيدين، وأن ذلك يتطلب التعب وبذل مجهود كبير في مرحلة العمل بالورشات قبل الوصول إلى المراكز الإدارية، إذ أنه ورغم صعوبة العمل الميداني خاصة على الفتيات إلا أن ذلك يعد ضروريًا حتى تستطعن البناء على أساسات صحيحة وقوية.

كما تنصح الفتيات بعدم السكوت عن أي نوع من الإساءة من أي شخص، وألا تتستر على الخطأ أو تقبل به حتى وإن كان ذلك سيتسبب في تركها للعمل إذ أن الفرص كثيرة أمامها وعليها أن لا تسمح لأحد بإيذائها فقط لكونها أنثى.

وكنصيحة أخيرة توجه رشا رسالة للعاملات في المهنة بأن لا يخترعن صعوبات في عقولهنّ ويصدقنها كأن تفكرن بأنه لكونهنّ إناثًا لن تتم ترقيتهنّ وظيفيًا، فكثيرًا ما كان يُقال لها إنه من المستحيل أن تستلم موقع الإدارة في شركة جُلّ موظفيها من الذكور، إلا أنها كانت تحاول أن لا تشغل بالها بهذا التفكير وأن تقوم بالواجبات المطلوبة منها، إلى أن حققت أهدافها ونالت المنصب.
“فعندما يقوم الشخص بالأعمال المطلوبة منه على أكمل وجه يتطور ويثبت نفسه ويتسلق سلم النجاح درجة درجة، وعندما يزيل جميع العوائق من تفكيره سيصل إلى المكان الذي يسعى إليه ويستحقه”.

إعداد: نينار خليفة – تحرير: رجا سليم

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/zxbiD