حكاية امرأة شجاعة تحدت «القاضي الداعشي» وضربته بالحذاء

في فرن منبج الآلي، تعمل “أم رفيف”، امرأة من منبج في الثلاثينيات من عمرها وأم لطفلة. بصمت يلفه حزن عميق. تستجمع شجاعتها لتبدأ سرد قصتها الحزينة، فمن أين تبدأ، فما أكثر المحطات المؤلمة التي مرت فيها.

تبدأ الحكاية بالقول:
في السنة الثانية من سيطرة داعش على مدينة منبج وريفها، كنت أعيش في تلك الفترة في إحدى قرى الريف الغربي للمدينة، في منزل مع زوجي وابنتي التي كانت تبلغ من العمر آنذاك قرابة العامين.

بدأت الحكاية في يوم ممطر من أيام شهر أيلول في العام (2015) حيث كان التنظيم قد دخل عامه الثاني في السيطرة على مدينة منبج، وتم اعتقال زوجي في ذلك اليوم بسبب أرضه التي زرعها بأشجار الزيتون ولم تعط محصولاً يذكر ذلك العام، فجاءت شرطة الزكاة واعتقلته بتهمة الامتناع عن دفع الزكاة واقتادته إلى مكان مجهول.

بقيت أبحث عنه لمدة أسبوع وبعدها وجدته قد سُجن في المركز الثقافي، حاولت التواصل معهم للإفراج عنه، فقد كان يعاني من تصلب خلقي في الشرايين، لكن كل المحاولات قد باءت بالفشل.

في إحدى المرات أمام باب المحكمة، أثناء دخول القاضي، وهو سعودي الجنسية، لمح “أم رفيف” وسألها عن سبب تواجدها هناك، فشرحت له قضية زوجها كاملة، فطلب منها المجيء في اليوم التالي للبحث في الموضوع.

تتابع “أم رفيف” بالقول: في اليوم التالي ذهبت إلى المحكمة، ودخلت إلى القاضي فقال لي “زوجك مانع زكاة، وحكمه القصاص وسينفذ الحكم خلال أسبوع”. كان وقع هذه الكلمات كالصاعقة علي. قلت له ماذا أفعل كيف سأعيش إذا قتلتم زوجي، فأجاب القاضي أنه سيتزوجني، لم أتمالك نفسي من الصدمة فقمت بخلع حذائي وضربته على رأسه.

كانت هذه الفعلة كفيلة بفتح باب جهنم على “أم رفيف”، لتبدأ مشوارها مع رحلة الاعتقال مع داعش.

تقول: خلال أقل من نصف ساعة تم نقلي من المحكمة في شارع الرابطة إلى شارع التبه، وهناك تم إنزالي إلى القبو في إحدى البنايات السكنية، كنت مصدومة من هول الذي جرى، فقد كانت الكلمات التي سمعتها من العناصر تقول بأنهم سيقطعون رأسي قبل زوجي في الساحة العامة في المدينة، كان الخوف يتملكني، فقد كانت المدينة تخاف هذه الإعدامات التي تجري كل فترة، وهذه المرة أنا من سينفذ بها الحكم.

بعد وصولي إلى الزنزانة التي سأسجن فيها كانت إحدى النساء تقف أمامها وتحمل مفاتيح أدارتها في قفل الباب وسألت العناصر اللذين كانوا يقتادونني، ما التهمة، فأجابوا رفض حكم والي الأمر (القاضي) والاعتداء عليه، فتبسمت من خلف النقاب وقالت أظننا سنشهد قصاص امرأة هذه الفترة، وضحك العناصر.

كانت ضحكاتهم قد اختلطت بالصدى الناجم عنها في قبو ذلك البناء، ثم ما لبث أن دفعتني السجانة إلى داخل الزنزانة.

هناك كانت خمس نساء وقد أخذن أمكنتهن قرب الباب. مرت الساعة الأولى لي ضمن الزنزانة ولم أتكلم مع أي أحد، ثم كسر هذا الصمت صوت مفاتيح الباب تدخل المرأة وهي تحمل ماء وطبق طعام، لم أكن في حالة تسمح لي بتناول الطعام، لكن بعد أن غابت جاءت إحدى السجينات وطلبت مني الانضمام لهن، فقد قالت (أنت بحاجة إلى تناول الطعام، فقوتك تحتاجينها ليوم الغد، وقد ننقل إلى مكان ثاني غير هذا السجن). حاولت تهدئة نفسي وأن أسمع نصيحتها، وتناولت القليل.

مضت الساعات وحل الليل، فجاءت السجينة التي دعتني إلى الطعام في صباح اليوم التالي تسألني عن جرمي، فقلت لها ما حدث، قالت لا تخافي لا يستطيعون أن يقتلوكِ، حكمك سيكون إما الجلد أو أن تنفي من هذه المدينة إلى مدينة ثانية، وغيرها من الأحكام لا تنفذ، سألتها وكيف تعرفين، قالت مرت بي العديد من النساء في مثل موقفك، لكن دون ضرب القاضي، لذلك أنا أعلم ما هي عقوبتك.

كانت الليلة الأولى مرعبة في سجن الغرابيب السود، وكان الوقت يمر ثقيلاً، كان سواد الدنيا برمتها ماثلاً أمام عيني “أم رفيف”، فزوجها معتقل ولا تعرف مصيره، وهي أيضا، ولا تعرف ما هو وضع ابنتها ذات العامين.

تقول: بدأنا النهار بوجبة الإفطار وتبعها إهانات من السجانة التي تقف على الباب، وخلال فترة الظهيرة تم نقلي إلى غرفة المحكمة، وهناك كان القاضي يستمع إلى عدد من القضايا التي تواجد أصحابها في الغرفة، وعندما جاء دوري كان القاضي الداعشي يتحدث بلهجة مصرية، حيث سألني عن سبب اعتقالي ولماذا قمت بضرب القاضي السعودي في غرفته، فأخبرته بكل شيء.

توقف القاضي الداعشي عن الكلام لفترة قصيرة، ثم قال الحكم سيكون مئة جلدة على العلن، وسينفذ الحكم اليوم بعد صلاة العصر في حال كنت جاهزة، فقلت له لا مشكلة، لكن أحد العناصر تحدث مع القاضي وقال له أن أبو المغيرة (القاضي السعودي) قد طلب أن يكون الحكم زواجها منه حتى يؤدبها خير تأديب، فرفض القاضي المصري هذا الحكم، وأجل الحكم لليوم التالي.

وفي اليوم التالي خلال صلاة العصر تم تنفيذ الحكم على دوار الكرة الأرضية اليوم، حيث حضر عدد كبير من الأهالي، وتم تصوير تنفيذ الحكم، وبعد وصول الجلاد ومباشرته في التنفيذ كانت الساحة التي تنفذ فيها العقوبة قد سكنت إلا من أناتي التي أحاول جاهدة إخفائها، لم أتذكر العدد الذي وصل إليه الجلاد حتى غاب عني الشعور بالألم، فقد أصبح ظهري كله قطعة نار.
كنت حاملاً بطفل في الشهر السادس وبعد تنفيذ العقوبة كاملة، سقطت على الأرض وحولي بركة من الدماء، فقد أجهضت.

تم نقلي إلى المشفى للعلاج، وهناك حدث نزيف أدى إلى فقداني للجنين الذي كان في بطني، ولم أتمكن من حمايته.

لم تنته قصة “أم رفيف” بعد الخروج من السجن، فقد بدأت معها قصة جديدة، حيث كان عليها أن تكافح في سبيل الوقوف في وجه المجتمع الذي بدأ بمعادتها كونها أصبحت بالعرف المجتمعي “من أصحاب السوابق”. فالقرية بدأت تعاملها بطريقة المرأة الناقصة، وغياب زوجها في سجون داعش كان له تأثير كبير في هذا الأمر.

استمرت لوحدها في منزلها في القرية لا تتجرأ على السفر إلى المدينة، وأحياناً لا تتجرأ على الخروج من المنزل، فقد سمعت الكثير من الكلام من قبل أهل زوجها في البداية ومن الجيران في القرية، لذلك اعتمدت على ما لديها في قوت يومها، حيث كانت تأكل هي وابنتها من إنتاج بستانها الصغير الذي يتواجد في حدود منزلها.

وخلال الشهر الثاني كانت المفاجأة السارة التي رأتها على باب المنزل، حيث كان زوجها يتواجد على عتبة الباب، وقد طالت لحيته، وتمزقت ملابسه، قد تم الإفراج عنه بعد تدهور وضعه الصحي، أخبرها بكل ما جرى، وكيف كان يعذب في سجون التنظيم، وكيف أن القاضي قام بالإفراج عنه بعد أن تدخل أحد العناصر لتزكيته.

قررت عائلة “أم رفيف” المكلومة الهرب، وتم الاتفاق مع مهرب وكانت الأمور تسير بيسر، وقبل الموعد المحدد للهرب توفي زوجها نتيجة سكتة قلبية خلال الليل، وكانت وفاته القشة التي قصمت ظهر البعير، فقد تم تخلي الجميع عنها.

عن واقعها الذي عاشته مع مجتمعها المحيط تقول “أم رفيف”: بعد انتهاء العزاء والحزن على زوجي جاء أخوه وطالبني بالخروج من المنزل، وعدم أخذ أي شيء إلا الثياب التي لي ولابنتي، وقال لي لم يعد لكِ أي شيء هنا عليك الرحيل.

توجهت إلى أهلي والدموع تنساب من عيني، وعندما وصلت قام أخي بطردي من المنزل، وقال لي أنت “خريجة سجون” ولم تعودي من هذه العائلة، حاولت التوسل له وطلب السماح منه على ذنب لم أقترفه، لكن لا جدوى، فكلام الناس قد فعل فعله في أخي، فرجعت إلى إحدى صديقاتي من مدينة منبج للمبيت عندها فترة قصيرة، فقد كانت مثلي أرملة ولا أحد لها سوى أمها التي تعيش معها في منزل واحد وعدد من الأطفال، بقيت لديها قرابة العام، وبعد تحرير المدينة من داعش بحثت عن منزل للآجار فلم أجد في المدينة أي منزل مناسب فالآجار أصبح غاية في الغلاء بسبب تواجد النازحين، ووجدت ضالتي في الريف، حيث أعيش اليوم في منزل ريفي غربي المدينة مباشرة مكون من غرفتين.

بدأت البحث عن عمل، وقد عملت في محلات لبيع الألبسة النسائية، كما عملت في مستشفى خاص كمستخدمة لفترة قصيرة، وبعدها قمت بالتسجيل في مكتب التشغيل والعمل في منبج، ومنه حصلت على الوظيفة التي أعمل بها اليوم في الفرن الآلي في منبج.

تحسنت أموري خلال هذه الفترة، لكن لا يزال المجتمع يرفضني بشكل غريب، فأنا لا يد لي في ما حدث، وخاصة أهل زوجي، فاليوم ابنتي في عامها السادس، ودخلت المدرسة، ومنذ وفاة والدها لم ترى أي شخص من أقارب والدها أو من أقاربي. لم نطلب من أحد شيء ولن نطلب شيء، كل ما نحتاجه أن نكون مقبولين في هذا المجتمع.

تجربة قاسية مرت بها “أم رفيف” في سجن داعش، وقد علمتها أن المرأة في هذا المجتمع ما يزال غير مرحب بها وأنها بحاجة لسنوات لتغيير عقلية التعامل معها، مؤكدة أن التعليم والعمل هما الضامنان الوحيدان لحياة كريمة للمرأة.

إعداد: أحمد دملخي – تحرير: لانا حاج حسن

المصدر: تاء مربوطة (مؤسسة مدنية محلية تنشط في مجال قضايا المرأة ودعمها وتأهيلها وتمكينها في مناطق شمال سوريا)

(الصورة تعبيرية)

 

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/OiAEf