الساروت يعيد انقسامات المعارضين السوريين إلى الواجهة

(الحل) – حارس منتخب شباب سوريا، مشهور داخل الملعب، وخارجه على نطاق واسع ضمن الحي الذي يسكن فيه، وربما في بعض الأحياء المجاورة، لو لم يكن هنالك ثورة عام 2011 لكان الساروت مثل غيره من الجيل الشاب متزوجاً وله ولدين أو ثلاثة، يعمل في مهنة بسيطة كما معظم السوريين ليعتاش من ورائها، فاللعب في نادي الكارمة والمنتخب الوطني لا يطعم خبزاً، وهذا ما يؤكده مسيرة العشرات من أمثاله الذي لعبوا للأندية السورية، بسبب قلة رواتب اللاعبين في سوريا أولاً، وعدم وجود سياسة الاحتراف الكروية ثانياً.

لمحة عن عبد الباسط الساروت، قبل انطلاق الثورة السورية عام 2011، حين كان ابن 19 عاماً فقط، فاقتحمت أحداثها حياته، دافعة إياه ليكون واحداً من أبطالها، في مدينته أولاً ثم على صعيد سوريا ككل. قاد الشاب الذي أحب الغناء والأناشيد نبض جماهير كرة القدم، المظاهرات وتجمعات المعارضين في “المسائيات”، مرددين خلفه شعارات وهتافات وأغان، بسيطة ولكن معبرة وعاطفية، ألهبت مشاعر آلاف المعارضين في طول البلاد وعرضها، وباتت أغنية “جنة” التي تغنى فيها بوطنه، من أهم أغنيات الثورة السورية، التي تم تحويلها في ما بعد إلى حرب.

انتقل الساروت -كما هو معروف- من النضال السلمي إلى حمل السلاح والمشاركة في معارك فك الحصار عن حمص القديمة، بلغ اليأس منه أشده جراء الخسارات الشخصية التي ألمت به على يد النظام، وخاصة بعد الخروج قسراً من حمص، ولا عجب هنا، في هذه المحطة من حياته القصيرة أن انجذب إلى نموذج بات منفراً بالنسبة للكثير من المعارضين السوريين، فالنصرة وداعش بإدعائهما “تمثيل الإسلام”، ربما شكلا الطموح الطبيعي لشاب هتف مع عشرات الآلاف ثم اختبر مباشرة معنى هتاف “يا الله ما لنا غيرك يا الله”، بالإضافة إلى أن المسلحيين الإسلاميين في هاتين المجموعتين، كانوا على جانب كبير من القوة والانضباط ووفرة الموارد، لا سيما إن تمت مقارنتهما بكتائب “الجيش الحر”، ولربما شكلت هذه القوة، إلى جانب سطوة الدين إغراءً للشاب الذي خرج مهزوماً من مدينته، حالماً بالعودة إليها منتصراً.

لم يلبث الشاب أن تراجع عن هذا الخيار بعد أن اختبره عن قرب، فعاد لصفوف ما تبقى من “الجيش الحر”، ومات متأثراً بجراحه أثناء قتاله في صفوفه، قبل أيام.
بمعزل عن الشخصيات السياسية المعارضة، شكلت الشخصيات الشعبية والعسكرية كـ “حجي مارع وأبو فرات”، وعلى مستوى مختلف “زهران علوش”، وغيرهم رموزاً ثورية بالنسبة لكثيرين من معارضي النظام السوري بمختلف شرائحهم، ولم يكن الساروت نفسه بعيداً عن هذا التصنيف، وبالتالي كان من المتوقع أن يثير موته وردود الأفعال، كحدث على علاقة بالثورة، جدلاً معارضاً-معارضاً خاصة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الجدل نفسه الذي دار حين موت الشخصيات/”الرموز” آنفة الذكر، جدل يتعلق بثنائيات العلمانية والأسلمة، السلمية والتسلح، المدينة والريف… إلخ على ضوء الثورة السورية.

ما لم يكن متوقعاً عند كثيرين هو شدة الجدال والانقسامات الحاصلة حول رمزية الساروت والتي وصلت حد التخوين وتشبيه كل طرف الآخر بالنظام أو القاعدة وداعش!
تنوع المعلقون على موت الساروت، فمنهم من نعاه بتأثر يصعب إنكاره معتبراً إياه رمزاً للثورة السورية وأيقونة لها، ووصف حارس نادي الكرامة السابق في هذا السياق بأنه مثل بمسيرة حياته تقلبات الثورة وانتقالها من طور إلى أخرى وصولاً إلى الحالة التي انتهت عليها.
معلقون آخرون، بدوا أقل عدداً، عبروا عن حبهم للساروت وحزنهم على وفاته، ولكنهم رأوا في “أيقنته” أمراً مبالغاً فيه. وفي كثير من الحالات تجنب هؤلاء التعبير جهراً عن آرائهم، ربما من باب احترام هيبة الموت، أو تجنباً لردود الفئة السابقة الغاضبة والحزينة.

بالإضافة إلى المنتقدين بـ “هدوء” منح الساروت مكانة لا يستحقها برأيهم، أتت فئة أخرى من المعلقين، يكمن وصفها بالمستفزة بغض النظر عن صحة أوتماسك مضمون نقدها للساروت، وأفراد هذه الفئة وإن كانوا أقلية فيما يظهر، إلا أن تداول آرائهم وتعليقاتهم واجتذابها للردود، جعلها أكثر انتشاراً… قد تكون العلة الأساسية لهذه التعليقات لغتها المستفزة غير اللائقة والمفتقرة للياقة، والتي استجلبت دون جهد كبير، ردود الفئة الأولى المتأثرة بموت الساروت، وهي ردود تراوحت بين سرد الوقائع واسترجاع التاريخ وطرح حجج منطقية تفاوت تماسكها، وبين الشتائم والتخوين الذي صار متبادلاً قبل أن يعرف أحد كيف بدأ.

إن كان الخطاب الاستفزازي والمسيء أحياناً لشخص مات ولم يدفن بعد، ويعرف أنه رمز لكثيرين، خطاباً “غير ناضج” في وجه من وجهّه وغير مقبول، يبقى أن “التشبيح الثوري” الذي مارسه بعض الحزينين على الساروت بحق أصحاب الآراء المخالفة، مستفزة كانت أم لا، هو أيضاً غير مقبول ولا يتوقع صدوره عن بعض الأشخاص الذين صدر عنهم.
تعمق إحساس الفئة الأولى الحزينة بالمظلومية، جراء نكران رفاق الماضي دور الساروت وشتمهم له على اعتبار أنه متطرف ومسلح، إلخ، بإقدام “فيسبوك” على حذف الكثير من صور الساروت والمنشورات التي تنعيه، في تصرف رده البعض إلى تبليغات “شبيحة النظام” أو إلى خوارزميات الموقع التي تعتبر الساروت إرهابياً وكلامه محرض على العنف، وحتى موقع يوتيوب بدأ بحذف بعض فيديوهات الساروت التي بقيت على الموقع منذ سنة 2011 دون أية مشكلة.
تبقى ملاحظات أخيرة وسريعة على هذ الجدال الذي ما يزال مفتوحاً:
انتهاز فرصة هذا الجدال، من قبل أطرافه المتعددة لشتم الثقافة، واعتبارها عاراً لكونها استعلاءً بالضرورة على الساروت، أو على منتقديه على حد سواء أمر يمكن التوقف عنده وطرح الأسئلة حول معانيه، ولما ما زلنا نستعمل الثقافة أحياناً كشتيمة ووصمة عار.

أما النقاشات بشأن الساروت، فهي توضح أن بعض المعارضين السوريين ما زالو يعيشون في فترة “رومانسية الثورة” أي 2011 إلى 2013 ربما، وما تزال تساؤلات التسلح والعنف، وحتميته من عدمها، وجدواه وأخلاقيته، بعد كل ما مر على السوريين -لا تجد إجابات واضحة عنها، وبالتالي تبقى محل جدل وانقسام عميقين.
موت الساروت الذي يمكن القول إن مسيرته بتقلباتها كانت مفهومة تماماً للكثيرين، ولكن القول بأنه مثال ملهم وأيقونة ثورية قد يبقى خيارا شخصيا لمن يراه هكذا، مع العلم أن الساروت نفسه لم يكن موافقاً على قولبته وإطلاق التسميات والألقاب عليه وتحميله ما لايرغب بحمله. يقول البعض سنبرر للساروت هفواته وخطاياه، نظراً لصغر سنه، وعدم تلقيه تعليماً كافياً، والمصائب التي شهدها بسبب النظام… ولكن هل سنقوم بالأمر نفسه مثلاً مع قرينه “العلوي” في الطرف الآخر من حمص، الذي كان صغيراً وجاهلاً ومتأثراً ببيئته، والذي ربما شهد موت جار له بتفجير أو قذيفة قيل له أنها أتت من جهة المعارضة، هل كنا لنبرر له حمله السلاح وانخراطه في صفوف الشبيحة أو جيش النظام؟

غياب الساروت عن المشهد، مناسبة، فجرت مرة جديدة أسئلة عن التسلح والمقاومة والخيارات التي لجأ إليها السوريون، إضافة لانقسامات السوريين المعارضين، حول الخيارات نفسها التي انقسموا حولها منذ بداية الثورة حتى اليوم.

 

إعداد: رجا أمين – تحرير: رجا سليم


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/8t9cc