تعفيش «الحديد الخردة» فصل جديد من عمليات “نهب” الممتلكات بدير الزور

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

يبدو أن طبقة المتنفذين وأثرياء الحرب المرتبطين بقوات النظام، وضعوا نصب أعينهم ألا يوفروا فرصة لتحقيق المزيد من المكاسب المالية، حتى لو اقتضى ذلك استثمار الدمار الذي خلفته تلك الحرب المدمرة. فبعيد انتهاء العمليات العسكرية في مدينة دير الزور وريفها وقبل أشهر قليلة بدأت ورش العمل والشاحنات وآليات ضخمة بدخول تلك المناطق وتبين في نهاية المطاف أن تلك الأعمال لم تكن إلا فصلاً جديداً من سلسلة «التعفيش» الرامية إلى استخراج أكبر كمية من الحديد الخردة، ومعادن أخرى، يتم شحنها وبيعها إلى معامل تجميع وصهر المعادن في محافظات أخرى.

حمشو الدولية لـ “نهب الحديد والصلب”
تعد أحياء الجبيلة والرشدية والحويقة والسوق المقبي القديم والعرضي والعرفي ومركز مدينة دير الزور، شاهداً حياً على عمليات نهب الحديد والصلب.
وحسب ما أفاد شهود عيان من مدينة دير الزور، بأن مئات المنازل والعشرات من المؤسسات الحكومية المدمّرة كانت مسرحاً لأعمال استخراج حديد البناء.

السيد “ص.ع” من سكان دير الزور، تحدث لموقع «الحل» قائلاً: إن «عمليات التعفيش لاتزال مستمرة إلى الآن في داخل أحياء المدينة المدمرة، لكن التركيز مؤخراً كان على نبش أنقاض المنشآت الحكومية المهدمة وبعض المنازل المدنية، حيث تقوم جماعات من العمال باستخراج الحديد والحطام ويتم تحميله بواسطة سيارات الشحن إلى خارج المحافظة باتجاه معامل الصهر في منطقة عدرا بريف دمشق».

السيد “سعيد” من سكان حي (العمال) واكتفى بذكر اسمه الأول لسلامته الشخصية، قال في حديثه لموقع (الحل) «في منتصف الشهر الفائت دخلت الجرافات وورش عمل وقامت بعزل الحديد عن الركام، ومن ثم تحميله ونقله إلى أماكن مجهولة، واستغرق عزل الحديد من بناء دائرة النفوس القديم ومجمع العيادات الشاملة قرابة 15 يوماً».

ولفت المصدر السابق إلى أن عناصر من ميليشيات مختلفة يشرفون على عمليات التحميل ويقومون بمرافقة العمال أثناء العمل، لافتاً إلى أن بعض المنشآت الأخرى كانت تحتاج فقط إلى ترميم وإعادة تأهيل فقط، بينما تعمد تلك الورش إلى هدمها أو تخريبها لإخراج الحديد منها، بحجة أنها قابلة للانهيار بأي وقت، كما فعلوا في المركز الصحي والمدرسة النسوية الواقعين في حي الحميدية وأيضاً مشفى النور الواقع عند دوار الحركة، إلى جانب عدد كبير من منازل المدنيين النازحين الواقعة في بقية الأحياء الأخرى وجميعها جرى هدمها.

وأشار المصدر إلى صعوبة تقدير كميات الحديد المنهوبة من أحياء المدينة المدمرة، ولكنه يقدر عدد الشاحنات التي كانت تخرج من المدينة يومياً بأكثر من 40 شاحنة تعمل في بعض الأحياء فقط. مضيفاً إن «كميات الحديد المستخرجة من الأحياء السكنية تعد بسيطة، قياساً على الكميات المستخرجة من المجمعات الحكومية المدمرة والتي في بعض الأحيان يمنع النظام دخول المدنيين إليها، كحي الصناعة مثلاً».

ضابط في جهاز الشرطة داخل الأحياء المأهولة، رفض ذكر اسمه، وصف لموقع «الحل»: عمليات نهب حديد البناء بـ «المرحلة جديدة أو فصل جديد للتعفيش، تجري على مرأى القوات الأمنية وبمباركة المسؤولين عن المنطقة، كونهم المستفيد الأكبر من تلك العمليات».

وأشار الضابط إلى أن «بعض عمليات بيع الحديد المستخرج، تتم لصالح شركة “حمشو الدولة” لصاحبها محمد حمشو وهو أمين سر غرفة تجارة دمشق، وأمين سر اتحاد غرف التجارة السورية، وعضو مجلس الشعب (البرلمان) عن دمشق، وهو خاضع للعقوبات الأميركية منذ عام 2011، وقد كان قد أنشأ معملاً لصهر المعادن في منطقة عدرا قرب دمشق، حيث تقوم الشاحنات بنقل الحديد للشركة حمشو، برفقة مندوبين منها، يشرفون على عمليات الوزن والتحميل وإيصال تلك الحمولات إلى معمل الحديد التابع لهم في منطقة عدرا الصناعية بريف دمشق».

تعفيش محطات الكهرباء في الريف الشرقي

لم تقتصر عمليات “تعفيش” الحديد والخردة على أحياء المدينة المدمرة، بل تعدته لتشمل أجزاء واسعة من الريف الشرقي الواقع تحت سيطرة النظام وميليشياته الرديفة.
يبين مصدر عامل في محطة كهرباء الميادين شرقي ديرالزور، أن الأضرار في المحطة خلال المعارك السابقة وحتى بعد انتهائها- كانت جزئية، واقتصرت على بعض أقسامها، ولكن المفاجأة كانت بعد تسلمهم العمل فيها، حيث تم تدمير معظم الأبراج والوحدات التوليدية والمجمع السكني الملحق بها، فيما اختفت أغلب الأجزاء المحطمة والمحترقة من المكان.

ويضيف المصدر، إن «الحالة الطبيعية لمكان جرت فيه اشتباكات أن يكون مهدماً أو محروقاً، وهذه الأضرار لم تكن موجودة في بقايا محطة الميادين قبل أن تدخلها ورش الهدم، بل أن الأبراج الفولاذية والأجزاء التوليدية وحتى أسلاك النقل الكهربائي اختفت من المكان، وكذلك الحال بالنسبة للمجمع المؤلف من بعض البيوت المتنقلة (الكرفانات)، بينما انتشرت بعض الأنقاض والهياكل المعدنية الضخمة في باحة المحطة، إذ يبدو أنه تعذر عليهم نقلها وتحميلها في الشاحنات مسبقاً».

حالة محطة الميادين الكهربائية، كانت شبيهة بعشرات المشاريع المتخصصة بخدمة المدينة والأرياف المحيطة بها، وتشمل الكهرباء والماء والصرف الصحي والمستشفيات والدوائر الأخرى، التي تعرضت للنهب الكلي أو الجزئي، كحال مراكز الهاتف والبريد والمدارس وعدد لابأس به من المنشآت الأخرى، كانت الأكثر عرضة للنهب أكثر من غيرها، كونها تحتوي على كميات ضخمة من الفولاذ والنحاس، وأيضاً جرى نهب بعض المحولات الكهربائية وهي جميعها تشكل بضاعة مرغوبة بشدة في معامل الصهر.

شاهدنا عمليات النهب ولا نستطيع الشكوى
السيد سليمان. ع (45 عاماً) من سكان مدينة الميادين، يتحدث عن مشاهدته لعشرات الجرافات والشاحنات، وهي تعمل في مناطق متفرقة من المدينة، منتصف مارس الفائت، ما دفعه للاعتقاد بأنها تعمل على استخراج جثث المدنيين المدفونة تحت الأنقاض والتي لم يتم إخراجها مسبقاً لعدم توفر الإمكانيات، أو أنها تعمل على فتح طريق للمباشرة في عمليات إعمار المدينة. مستدركًا بأن «العمل برمته لم يتعدَّ أن يكون سرقة جرت أحداثها فوق “حرمة الموتى”» بحسب تعبيره
ويضيف في حديث لموقع «الحل»، إن «القوة المرافقة للجرافات والشاحنات كانت وبحسب العلامات والرايات التي يضعونها، تنتمي إلى عناصر من ميليشيات الدفاع الوطني والفرقة الرابعة، واستمر عملهم لأكثر من أسبوعين ، واقتصر على أطراف المدينة لعدم تمكنهم من التوغل داخلها، بسبب الحجم الكبير من الأنقاض في شوارعها الداخلية، وخشيتهم من القنابل غير المتفجرة، والعبوات الموجودة بين المنازل المهدمة أيضاً».

عمليات النهب باتت معروفة للقاصي والداني من أهالي المنطقة، لكن لا أحد من المواطنين يستطيع الخوض فيه خوفاً من عواقب الاختطاف والتصفية الجسدية أو الاعتقال والتغييب في أحسن الأحوال.

مصدر مقرب من النظام في مدينة الميادين، رفض الكشف عن إسمه”، قال لموقع «الحل»: إن «جميع المنهوبات الحديدية من المدينة، ذهبت إلى معامل الصهر في محافظَتَي دمشق وحلب، وأن القائمين على العملية يحصلون على مبلغ 500 ألف ليرة سورية لكل طن من الحديد الجيد، ونصف السعر لطن الحديد المستهلك».ويبين المصدر، أن «زعماء الميليشيات الذين أشرفوا على عمليات “التعفيش” تلك، جنوا أرباحاً خيالية من بيع الحديد لوحده، فضلاً عن النحاس ومنهوبات أخرى كمحولات الكهرباء ومولدات تتمتع بقدرات توليدية مختلفة، بالإضافة لشحن هياكل السيارات المحطمة والمحروقة، ضمن حمولات الحديد».

إعداد: حمزة فراتي. تحرير: سالم ناصيف
الصورة: إنترنت


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://7al.net/1tRzx
سالم ناصيف

سالم ناصيف

صحفي سوري من مواليد عام 1974، خريج قسم الصحافة والإعلام في كلية الآداب بجامعة دمشق. عمل مع العديد من المؤسسات الصحفية المحلية، وبعد العام 2011 عمل وكتب للعديد من الصحف العربية والدولية منها "جريدة المستقبل" اللبنانية وصحيفة "الشرق الأوسط" الدولية وجريدة "المدن" الألكترونية.
المزيد