بغداد 14°C
دمشق 11°C
السبت 5 ديسمبر 2020
كنيسة مريم العذراء، السلطانة الوردية - إنترنت

من بين /75/ كنيسة في بغداد.. /20/ فقط تفتح أبوابها


«.. المكونات والديانات الأخرى هي ضد كل ما يجري، وموقفها مُشرّف، ولعل ما قامَ به أبناء خانقين في محافظة ديالى بإعادة تأهيل إحدى الكنائس المُدمّرَة، برغم أنهم ليسوا مسيحيين، خير دليل على اللحمة الوطنية، ولكن الجهات السياسية هي التي تفعل كل ذلك».

———————————————————–

علي الكرملي

لم تعد تعج الكنائس المسيحية في #العراق بأُناسِها كما السابق، فمنذ سنوات ليست بالبعيدة، وأغلبها خالية من البشر، لا يدخلها ولا يصلها أحَد، إلا بغير ذي ندرَة، مصيرُها منقسم بين هجرة وإهمال واندثار.

تلك الهجرَة للكنائس ليست اختيارية من مسيحيي العراق أو تنبع من ذواتهم، بل هي قَسريّة (إجبارية)؛ لأن جل مسيحيو البلد هُجّروا وتَركوه، وسلكوا (دروبَ السفَر) حيثُ الغربة في أغلَب الدول المنتشرة والممتدّة على هذه البَسيطَة.

#الهجرة_المسيحية اليوم هي ليسَت وليدة اللحظة، إذ بالعودة للتاريخ تجد أن هجرتهم تعود إلى بداية القرن العشرين بسبب مجزرة (سميل) في شمال العراق، إذ دعَت عشرات الآلاف حينئذ للنزوح إلى #سوريا، وبعد استقرار خلال منتصف القرن المنصرم، عادت متأثرة بعوامل اقتصادية واجتماعية خصوصًا بعد حصار العراق و #حرب_الخليج_الثانية، ليصل عددهم حتى ما قبل 2003 إلى مليون وأقلَّ النصف وفق احصاءات حكومية معتمدة.

الأب مارتن بني، راعي كنيسة مريم العذراء

«إن الهجرة التي تعانيها #الكنائس مرتبطةٌ بشحَّة الوجود المسيحي في البلد، إذ من غير المعقول أن تجد الكنائس عامرة بالناس، والأخيرةُ (الناس) غير موجودة فيه أصلاً، أكثريتهم العظمى قد هجرَت البلَد أو بالأصَح هُجِّرَت منه؛ بخاصة أبان وجود «داعش» في العراق»، يقول الأب مارتن بني، (راعي كنيسة #مريم_العذراء/ السلطانة الوردية) لـ الحل العراق.

ويضيف، «قبل وجود #داعش كانَت الهجرة موجودة، لكن ليست بتلك الوتيرة الكبيرة التي حصلت وقت دخول التنظيم إلى العراق، ازدادَت طيلة وقت وجوده بشكل كبير، نتيجة بطشِهِ بهم وتكفيرِه لهم، فما كان من حل لهم غير الهجرة صوب ملاذ آمن، وبلد آخر يأويهم ويحتضنهم».

مبيّناً، أن «هجرة الكنائس ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهجرة الناس، وبما أن الأكثرية من أتباع المسيحية تركوا البلد، فإن هجرة الكنائس وخلوها من البشر هي محصّلة ونتيجة طبيعية وغير مُفاجِئة».

“الأب مارتن” يلفت، أن «مسيحيو العراق يتوزعون على 14 طائفة، العدد الأكبر المتبقي في هم من أتباع الكاثوليكية، وبالتالي ذلك أكبر مؤشر للإجابة حول هجرة الكنائس، فالكنائس فيها من هي للأرثوذكس والبروتستانت بالإضافة إلى #الكاثوليك، والتي بدورها تتفرع للأرمن و #الكلدان و #الآشوريين و #السريان، وبقية #الطوائف، وبما أن الأكثرية الباقية هي فقط من الكاثوليك؛ فإن هجرة الكنائس أمر محتم، ولذلك تجد في بغداد وحدها من بين 75 كنيسة تجد أقل من 20 كنيسة ما زالت تفتح أبوابها، والبقية مغلقة ويسودها الإهمال».

كنيسة سيدة النجاة-أرشيفية

بعد التغيير الذي طرأ عام 2003 في العراق، وما رافقه من انتشار لمنظمات متطرفة، تسارعت وتيرة الهجرة المسيحية بشكل لافت، إذ صارت تلك المنظمات تستهدفهم وتنال منهم وتلاحقهم.

ففي 2004 ومع بداية صوم العذراء في (1/ اغسطس) تعرضت خمس كنائس للتفجير سويّة، مسلسل تفجير الكنائس لم يتوقف بل استمر وتطور بحيث شمل محلات بيع المشروبات الكحولية والموسيقى والأزياء وصالونات التجميل، ليتراجع عدد المسيحيين نتيجة ذاك من مليون ونصف إلى 800 ألف نسمة عام 2006، نصفهم من الكاثوليكية.

لم يكن ذلك المسلسل كافياً، ففي ظهيرة  (31، اكتوبر/ تشرين الأول) وأثناء أداء مراسيم القداس تعرّضت كنيسة #سيدة_النجاة إلى هجوم من قبل مسلحين فجّروا أنفسهم داخلها وقتلوا من فيها قتلاً جماعياً بالرصاص واحتجاز العديد من الرهائن، راح ضحيته 60 شخصاً و 80 جريحاً، كانت تلك الحادثة هي الأكثر دموية ومرارة حينها؛ فدفعت بالكثير منهم إلى الهجرة، فقلّ عددهم إلى 400 ألف نسمة في غضون 3 أعوام بعد الحادثة.

«هناك استراتيجية واضحة لتفريغ العراق من جميع مكوناته، وتحويله إلى بلد المكون والصوت الواحد»، يقول (رئيس المركز العراقي للتنوع) غيث التميمي لـ ”الحل العراق.

غيث التميمي- رئيس المركز العراقي للتنوع

ويُضيف، «حتى التجربة الديمقراطية بعد 2003 لم تكن موقفها واضحاً في الدفاع عن التنوع المجتمعي العراقي، بل وحتى الكُرد لو أنهم لم ينالوا الحكم الذاتي قبل 2003، لَما نالوا أي حق بعد ذاك التاريخ، لكنهم نالوه قبل ذلك، وحافظوا عليه وبَقوا مُتمسكين به».

«مسيحيو العراق يتعرضون لعملية إفراغ تام من العراق، كنائسهم، رجال دينهم، ومؤسساتهم، ولا توجد أي ضمانة للعيش في حياة كريمة لأي مسيحي عراقي، وبالنتيجة فإن مغادرتهم أمر طبيعي طالَما دول اوروبا قد فتحَت لهم باب اللجوء»، يبين رئيس المركز العراقي للتنوع.

مُرجحاً، أن «يتم تحويل كنائسهم إلى أماكن سياحية كما صير في تركيا ليس إلاّ».

مُستدركاً، هذا «إن لم يتم تحويلها إلى مخازن ”للعتيگ“ مثلما حدث مع المباني والمعابد اليهودية التاريخية، أو أن يتم تحويلها إلى جوامع وحُسينيات مثلما صارَ مع مرقد النبي ”عزير“ أو النبي ”حزقيال“ في منطقة الكفل».

ويقول التميمي، إنه «تحدّثَ شخصياً مع رئيسَي الجمهورية والبرلمان في إطار تحضيره لمشروع كبير في لندن (مؤتمر دولي) تحت وسم ”حماية التنوع في العراق“ تشترك فيه الحكومة والبرلمان العراقي، وأيضا اليونيسكو و يونامي، الهدف منه وضع خارطة طريق حقيقية وفق سياي قانوني لحماية المكونات في العراق».

بعد العاشر من (يونيو/ حزيران) ودخول «داعش» للموصل، تعرّضَت كنائسهم للتفجير والهدم من قبل التنظيم، وكذا أتباعها، بخاصة في منطقة برطلّة، حيثُ تم تفجير كنيستها القديمة، وتم تعذيب وقتل المئات من سُكانها من المسيحيين.

كنيسة الحكمة- أرشيفية

لتكون تلك البترة هي الأقسى عليهم طوال مدة وجودهم في العراق الممتدة نحو سنوات ثلاث (2014 – 2017)، حيثُ انخفض عددهم من 400 ألف إلى 250 ألف نسمة فقط حالياً، جلّهم ينتشرون في اقليم كردستان وبغداد.

النائب السابق في البرلمان العراقي  عن المكون المسيحي “جوزيف صليوا”، يصفُ ما يحدث للكنائس هو «محاولة لتدمير الحضارة المسيحية وتاريخ ديانتها أيضا، بل وانتشالها نهائياً من بلد هو لبنتُهُ الأساس».

مُعتَبراً ما يحدُث من إهمال وهجرة للكنائس هو «موضوع متعمّد من قبل عدد من الجهات المستفيدة بما فيها الوقف المسيحي نفسه».

“صليوا” يقول لـ ”الحل العراق“، «ليس فقط عدم وجود السكان المسيحيين هو السبب الرئيس في ما تتعرض له الكنائس، إنما المطامع المادية أيضا تقف وراء ذلك، فثمة العديد من الكنائس يتم محاولة تهديمها من الأساس وتحويلها إلى الاستثمار وبيعها، ولعل قرار استثمار #كنيسة_الحكمة الالهية التي تعد من أعرق وأقدم الكنائس في بغداد تحديداً في منطقة الاعظمية مطلع العام الجاري هو أبرز دليل على قَولي، وكذلك كنيسة السريان في منطقة الشورجة التي قُرّرَ تحويلها إلى محال تجارية».

النائب السابق عن المكون المسيحي “جوزيف صليوا”- أرشيفية

«تلك هي أمور مخطّط لها من طرف جهات مُستفيدة، وللأسف الوقف المسيحي هو أحد المتورطين في تلك العمليات، وأقصد عمليات بيع واستثمار الكنائس والعقارات المسيحية من أجل المادّة».

يوضح “صليوا”، منوهاً، «أن أبناء الوطن من المكونات والديانات الأخرى هي ضد كل ما يجري، وموقفها مُشرّف، ولعل ما قامَ به ابناء خانقين في محافظة ديالى بإعادة تأهيل احدى الكنائس المُدمّرَة، برغم أنهم ليسوا بمسيحيين خير دليل على اللحمة الوطنية، ولكن الجهات السياسية هي التي تفعل كل ذلك».

داعياً، المنظمات الدولية إلى «وقف ما يحدث من إهمال وتدمير متعمد بحق الكنائس العراقية».

 

الصورة الرئيسة تعبيرية- أرشيف


 


التعليقات